مع بداية عيد الأضحى المبارك، تتجدد دعوات سياسية وحقوقية وشعبية للإفراج عن آلاف المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي في مصر، في وقت تتزايد فيه شكاوى الأسر من تفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن استمرار الاعتقالات منذ أكثر من عقد، وسط اتهامات متصاعدة للسلطات بمواصلة سياسة الحبس الاحتياطي المطول والتدوير والتضييق على المعارضين وذويهم.

 

ويأتي عيد الأضحى هذا العام حاملاً معه، بحسب أسر المعتقلين، “العام الرابع عشر من الغياب والقهر”، في ظل استمرار احتجاز عشرات الآلاف داخل السجون منذ الانقلاب على الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي في يوليو 2013.

 

 

أسر المعتقلين: 13 عاما من المطاردة والمعاناة

 

وفي شهادات إنسانية مؤثرة، تحدثت أم معتقل وزوجة معتقل آخر من العائلة ذاتها عن معاناة مستمرة منذ سنوات، مؤكدتين أن الزوج والابن اعتُقلا للمرة الأولى عام 2013، قبل أن يتم الإفراج عنهما لاحقاً، ثم ملاحقتهما أمنياً من جديد عبر اقتحامات متكررة للمنزل وتحطيم محتوياته والاستيلاء على بعض المتعلقات الشخصية.

 

وقالتا إنهما أصبحتا تتحملان وحدهما أعباء الحياة اليومية، من مصروفات التعليم وحتى تجهيز البنات للزواج، إضافة إلى أعباء الزيارات داخل السجون وما تتطلبه من نفقات مواصلات وطعام وأدوية، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة، وأكدتا قبولهما بأي مبادرة من شأنها إنهاء سنوات المعاناة وإعادة المعتقلين إلى أسرهم.

 

 

دعوات سياسية لـ«فتح صفحة جديدة»

 

وفي السياق ذاته، أطلق عضو المجلس الرئاسي لحزب حزب المحافظين مجدي حمدان نداء طالب فيه عبد الفتاح السيسي بـ«فتح صفحة جديدة عنوانها التسامح الوطني»، داعياً إلى الإفراج عن جميع سجناء الرأي وتوسيع مساحات الحرية ولمّ الشمل الوطني.

 

وأشار حمدان، في منشور عبر موقع فيسبوك إلى أن «بيوتاً مصرية كثيرة أنهكها الحزن على أب أو أخ أو ابن دفع ثمن رأي مخالف رغم حبه لوطنه».

 

 

 

 

«السجن مش مكانهم».. حملة حقوقية تواجه التضييق

 

ومن جانبها، طالبت “لجنة الدفاع عن سجناء الرأي”، التي تضم عدداً من السياسيين والنشطاء الحقوقيين، بعودة جميع المعتقلين السياسيين إلى ذويهم سالمين، كما دعت إلى الإفراج عن الأهالي الذين جرى اعتقالهم عقب معرض صور أُقيم داخل مقر حزب “العيش والحرية” تحت عنوان “السجن مش مكانهم”.

 

وأدانت اللجنة ما وصفته بحملات القبض والتهديد والتنكيل التي تعرض لها المشاركون والمنظمون للمعرض.

 

 

 

 

نداءات من أبناء المعتقلين

 

وفي نداء إنساني جديد، طالبت علا أبو الفتوح، نجلة السياسي عبد المنعم أبو الفتوح، السلطات بالإفراج عن والدها المعتقل منذ عام 2018، مؤكدة أنه حُرم من أبنائه وأحفاده لسنوات، رغم معاناته الصحية واستحقاقه ـ بحسب قولها ـ للإفراج الصحي.

 

وأضافت أن والدها يتعرض لما يعرف بـ«التدوير» عبر إدراجه في قضايا جديدة رغم استمرار حبسه.

 

 

 

 

كما طالبت ابنة المعتقل المعروف سيد مشاغب بالإفراج عن والدها، كاشفة تفاصيل إعادة اعتقاله بعد ساعات قليلة فقط من قرار إخلاء سبيله الشهر الماضي.

 

وقالت إنها تحدثت إلى ضابط الأمن الذي نفذ الاعتقال، وأبلغته أن والدها «لم يدخل منزله ولم يأكل ولم ينم على سريره»، مضيفة أن الضابط وعدها بعودته «بعد ساعة»، قبل أن تتساءل في منشورها: «متى تنتهي تلك الساعة؟ ومتى تنتهي الصدمة؟».

 

 

 

 

وفي السياق نفسه، دعا إسلام بدر، نجل الكاتب الصحفي بدر محمد بدر، إلى الإفراج عن والده المعتقل منذ نحو 9 سنوات، مشيراً إلى تدهور حالته الصحية داخل سجن “بدر”، الذي تلاحقه انتقادات حقوقية متكررة.

 

 

النساء المعتقلات.. أرقام صادمة

 

وعلى صعيد متصل، دعت منظمة هيومن رايتس إيجيبت إلى الإفراج عن 117 سيدة وفتاة محتجزات على خلفيات سياسية أو مرتبطة بحرية الرأي والانتماء السياسي.

 

وأكدت المنظمة أن العديد منهن زوجات لمعتقلين سياسيين، مشيرة إلى وجود حالات أخرى غير موثقة تخضع للحبس الاحتياطي رغم وجود بدائل قانونية لذلك وفق قانون الإجراءات الجنائية.

 

ووفقاً لإحصاءات المنظمة، فقد تعرضت نحو 2800 سيدة وفتاة للاعتقال بين عامي 2013 و2025، بينما تم فصل 200 طالبة من الجامعات، وإحالة 25 امرأة إلى المحاكمات العسكرية، وإدراج 151 على قوائم الإرهاب، إضافة إلى مقتل 120 خلال احتجاجات سلمية، وتعرض 188 للإخفاء القسري.

 

كما أطلقت صفحة “نساء ضد الانقلاب” سلسلة نداءات للمطالبة بالإفراج عن المعتقلات السياسيات، مذكّرة بأسماء عدد منهن، من بينهن: سحر أحمد علي، سهام أحمد محمد، ثريا محمود، سارة أشرف، أمل فيصل، شيرين شوقي، وسمية ماهر.

 

 

مطالب بالإفراج الصحي لكبار السن

 

من جهته، دعا مركز مركز الشهاب لحقوق الإنسان إلى تفعيل مواد الإفراج الصحي لكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، مطالباً بإنهاء ما وصفه بسياسة الحبس التعسفي والتدوير والانتهاكات المستمرة بحق سجناء الرأي.

 

وأشار المركز إلى أوضاع عدد من كبار السن داخل السجون، وعلى رأسهم أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة ونائب المرشد العام لجماعة جماعة الإخوان المسلمين الدكتور رشاد البيومي، البالغ من العمر 93 عاماً، والمعتقل منذ يوليو 2013، والذي تقول منظمات حقوقية إنه محتجز في زنزانة انفرادية ومحروم من الرعاية الطبية والزيارة.

 

كما لفتت تقارير حقوقية إلى استمرار احتجاز أستاذ الهندسة البيئية بجامعة زويل الدكتور سيف الدين فطين منذ عام 2018 على ذمة ما يعرف بـ«قضية الأمل»، رغم إخلاء سبيل عدد من المتهمين الآخرين في القضية نفسها.

 

 

ذوو الهمم والانتهاكات المستمرة

 

وكشف حقوقيون عن استمرار صدور أحكام قضائية مشددة بحق معتقلين من ذوي الهمم، مشيرين إلى الحكم بالسجن المشدد 15 عاماً بحق المعتقل محمد هداية، رغم معاناته من اضطرابات عصبية ونفسية، وفي ظل غياب محاميه أثناء المحاكمة، بحسب روايات حقوقية.

 

 

التنكيل يمتد إلى الأسر

 

ولم تقتصر معاناة الاعتقال ـ وفق شهادات حقوقية ـ على المحتجزين أنفسهم، بل امتدت إلى ذويهم عبر التضييق الأمني أو الاعتقال أو المعاناة أثناء الزيارات.

 

وفي حادثة مأساوية حديثة، توفي المواطن أشرف السيد عبدالصمد خلال زيارته لنجله المعتقل شهاب، المحتجز على ذمة قضية تتعلق بدعم فلسطين، وفق ما أفادت به تقارير حقوقية.

 

كما شهدت الأيام الماضية اعتقال عضو مجلس الشورى الأسبق الدكتور أحمد محمد إسماعيل من منزله بمحافظة الإسماعيلية، بعد سنوات من المطاردة الأمنية، رغم استمرار اعتقال نجله منذ عام 2014.

 

وفي سياق متصل، أدانت صفحة “نساء ضد الانقلاب” اعتقال عدد من أفراد أسرة الناشطة منى الشاذلي، المعروفة بدفاعها عن المعتقلين والمختفين قسراً، متهمة السلطات بالاعتداء على منزل الأسرة وترويع والدتها المسنة.

 

 

مبادرة للإفراج مقابل أموال

 

وفي تطور لافت، كان الأكاديمي والباحث سيف الإسلام عيد قد طرح في أبريل الماضي مبادرة دعا فيها السلطات إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين مقابل مبالغ مالية، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها البلاد وارتفاع الدين الخارجي.

 

وجاءت المبادرة بعد اعتقال والده صبحي عيد من منزله بمدينة الإسكندرية في أكتوبر 2025، وبعد فشل جهود وساطة للإفراج عنه.

 

وقال سيف الإسلام عيد إن الأزمة لم تعد مجرد خلاف سياسي بين النظام والمعارضة أو بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين، بل تحولت إلى «أزمة وطنية» تمس قطاعات واسعة من المجتمع.

 

وأوضح أن آثار الاعتقال امتدت إلى النسيج الاجتماعي بأكمله، مشيراً إلى وجود حالات طلاق وانهيار علاقات أسرية وتعطل زيجات بسبب استمرار الاعتقالات.

 

وأضاف أن كثيراً من الأسر لم تعد قادرة حتى على تحمل تكاليف زيارة ذويها داخل السجون، مؤكداً أن «المعتقل الواحد يجر خلفه معاناة عشرات الأشخاص».

 

وختم حديثه بالتأكيد على أن استمرار هذا الملف دون حل يفاقم الأزمات الاجتماعية والإنسانية داخل المجتمع ويجعل الحاجة إلى تسوية شاملة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.