في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الحقوقية الدولية ضد الانقلاب العسكري في مصر، كشفت ندوة دولية نظمتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا عن ما وصفه مشاركون بـ"الانهيار المتسارع" لمنظومة العدالة في ظل استمرار حملات الاعتقال التعسفي، والتوسع في إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام، وتضييق غير مسبوق على الحريات السياسية والإعلامية، بالتزامن مع استمرار الدعم الدولي والإقليمي للنظام المصري رغم الإدانات الحقوقية المتكررة.

 

الندوة، التي انعقدت تحت عنوان "الاعتقال التعسفي وانهيار منظومة العدالة وأحكام الإعدام"، جمعت عدداً من الأكاديميين والصحفيين والخبراء الدوليين الذين رسموا صورة شديدة القتامة للمشهد الحقوقي والسياسي داخل البلاد، معتبرين أن الأزمة تجاوزت حدود الانتهاكات الفردية لتتحول إلى "بنية متكاملة من القمع المؤسسي" ترتبط بشبكات من المصالح والتحالفات الإقليمية والدولية.

 

وشارك في الندوة كل من البروفيسور ويليام شاباس، والصحفي البريطاني مايكل بينيون، والأكاديمي الأمريكي ستيفن زونيس، والمحلل السياسي كالفن دارك، والصحفي مارتن بلوت، إضافة إلى البروفيسور دان كوفاليك.

 

 

مصر بين أكثر دول العالم استخداماً للإعدام

 

وفي واحدة من أبرز المداخلات خلال الندوة، قال البروفيسور ويليام شاباس إن مصر ما تزال ضمن "الدائرة الضيقة" للدول الأكثر اعتماداً على عقوبة الإعدام في العالم، رغم التراجع النسبي في أعداد الأحكام مقارنة ببعض السنوات السابقة.

 

وأوضح شاباس، الذي يمتلك خبرة تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً في متابعة ملف عقوبة الإعدام داخل الأمم المتحدة، أن السلطات المصرية تواصل تنفيذ ما بين عشرين وثلاثين حكماً بالإعدام سنوياً، إلى جانب إصدار عشرات الأحكام الأخرى التي تصدر ـ بحسب وصفه ـ بعد محاكمات تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير العدالة والنزاهة.

 

وأشار إلى أن مصر باتت تُصنف إلى جانب دول مثل الصين وإيران والسعودية من حيث الاعتماد المكثف على هذه العقوبة، مؤكداً أن العالم يشهد اتجاهاً متزايداً نحو إلغاء الإعدام، إذ إن نحو 170 دولة توقفت فعلياً عن تنفيذه أو ألغته قانونياً، بينما لم يعد الاستخدام المنتظم للعقوبة يقتصر سوى على عدد محدود للغاية من الدول.

 

واعتبر شاباس أن ملف الإعدام يمثل اليوم واحداً من أكثر المؤشرات الحقوقية وضوحاً وقابلية للقياس، مقارنة بملفات أخرى مثل التعذيب أو التمييز، ما يجعل استمرار التوسع فيه داخل مصر مؤشراً بالغ الخطورة على طبيعة التحولات التي تشهدها المنظومة القضائية.

 

 

واشنطن والدعم المستمر للقاهرة

 

من جانبه، ركز الأكاديمي الأمريكي ستيفن زونيس على الدور الأمريكي في استمرار الأزمة الحقوقية المصرية، معتبراً أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة وفرت "مظلة حماية سياسية" حالت دون ممارسة ضغوط فعلية على القاهرة بشأن ملف حقوق الإنسان.

 

وقال زونيس إن الإدارات الأمريكية، سواء الديمقراطية أو الجمهورية، واصلت التعامل مع النظام المصري باعتباره شريكاً استراتيجياً بغض النظر عن حجم الانتهاكات المسجلة، مشيراً إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب استثنت مصر من تخفيضات كبيرة في المساعدات الخارجية، كما أعادت التذكير بوصف ترامب لعبد الفتاح السيسي بأنه "ديكتاتوره المفضل".

 

وأضاف أن واشنطن ما تزال تقدم مساعدات عسكرية سنوية للقاهرة تُقدّر بنحو 1.3 مليار دولار، رغم ما وصفه بوجود عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، واستمرار وقائع التعذيب والوفاة داخل السجون، فضلاً عن ملاحقة معارضين مصريين في الخارج والضغط على ذويهم داخل البلاد.

 

كما انتقد استخدام الإدارات الأمريكية المتعاقبة لاستثناءات تتعلق بـ"الأمن القومي" للالتفاف على قيود وضعها الكونغرس تربط المساعدات العسكرية بتحسين أوضاع حقوق الإنسان، معتبراً أن المبررات التقليدية ـ وعلى رأسها الحفاظ على اتفاق السلام مع إسرائيل ـ لم تعد كافية لتفسير استمرار هذا الدعم بالشكل ذاته.

 

 

الصحافة المصرية.. من الريادة إلى “مناخ الخوف”

 

أما الصحفي البريطاني مايكل بينيون فاستعاد تجربته الطويلة في متابعة الشأن المصري منذ ستينيات القرن الماضي، معتبراً أن ما جرى للصحافة المصرية خلال السنوات الأخيرة يعكس حجم التحولات السياسية العنيفة التي شهدتها البلاد.

 

وقال إن مصر، التي كانت تمتلك واحدة من أكثر البيئات الصحفية تأثيراً في المنطقة العربية، أصبحت تعيش اليوم في ظل أجواء من "الخوف والترهيب والرقابة الذاتية"، نتيجة التوسع في الاعتقالات وأحكام السجن المطولة وأحكام الإعدام التي لم تعد تُستخدم فقط كعقوبات قانونية، بل كأدوات ردع نفسي وسياسي.

 

وأشار بينيون إلى أن قضايا حظيت باهتمام دولي مثل قضية الناشط علاء عبد الفتاح، وكذلك قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، لم تلقَ ـ بحسب تعبيره ـ استجابة غربية تتناسب مع حجم الأزمة الحقيقية التي تعيشها مصر.

 

 

“منظومة قمع مؤسسية” لا تقتصر على السجون

 

بدوره، اعتبر المحلل السياسي الأمريكي كالفن دارك أن ما يحدث داخل مصر لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء قانونية متفرقة، بل هو "نظام متكامل من القمع المؤسسي".

 

وأوضح أن تكرار أحكام الإعدام، واستمرار تدوير القضايا السياسية، وتمديد فترات الحبس الاحتياطي لسنوات دون محاكمات عادلة، كلها مؤشرات على أزمة بنيوية عميقة داخل النظام القضائي نفسه.

 

وأضاف أن تداعيات هذه السياسات لا تتوقف عند المعتقلين، بل تمتد إلى أسرهم التي تتحمل أعباء اجتماعية واقتصادية ونفسية قاسية، في ظل بيئة سياسية مغلقة تتراجع فيها فرص العمل العام والمعارضة المدنية.

 

كما انتقد استمرار تغليب المصالح العسكرية والاستراتيجية على ملف حقوق الإنسان، معتبراً أن كل صفقة سلاح جديدة أو استثناء أمريكي للمساعدات يمثل رسالة دعم سياسي مباشرة للنظام المصري أكثر من كونه وسيلة ضغط لإحداث إصلاحات حقيقية.

 

 

صمت دولي يثير التساؤلات

 

وفي مداخلة أخرى، ركز الصحفي البريطاني مارتن بلوت على ما وصفه بـ"الصمت الدولي والإقليمي" تجاه التدهور المتسارع في ملف حقوق الإنسان بمصر.

 

وانتقد بلوت أداء الحكومات الغربية، وكذلك مواقف جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، متسائلاً عن أسباب غياب مواقف أكثر حزماً تجاه الانتهاكات المتواصلة.

 

ورأى أن كثيراً من المؤسسات الإقليمية والدولية تحولت إلى كيانات تدافع عن الحكومات أكثر من دفاعها عن الشعوب، معتبراً أن هذا الصمت لا يمثل موقفاً عابراً بل جزءاً من نمط سياسي ممتد منذ سنوات.

 

كما ربط بلوت بين الأزمة المصرية وتحولات إقليمية أوسع، خصوصاً في منطقة القرن الإفريقي، محذراً من أن استمرار التوترات والتحالفات الحالية قد ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الإقليمي مستقبلاً.

 

 

شهادات من داخل التجربة

 

وفي ختام الندوة، تحدث البروفيسور دان كوفاليك عن تجربة شخصية تعرض خلالها للاعتقال في مصر أثناء مشاركته مع نشطاء في مؤتمر صحفي يتعلق بمحاولات إيصال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة.

 

وقال إن تلك التجربة منحته تصوراً أكثر مباشرة لطبيعة البيئة الأمنية والسياسية داخل مصر، معتبراً أن القبضة الأمنية المشددة ترتبط كذلك بترتيبات وتحالفات إقليمية ودولية تتجاوز الحدود المصرية.

 

وربط كوفاليك بين المشهد الداخلي المصري والتطورات المرتبطة بالحرب على غزة، مشيراً إلى أن السياسات الأمنية الحالية لا يمكن فصلها عن الحسابات الجيوسياسية الأوسع في المنطقة.