لم تعد الأزمة الدائرة حول حديقة الزهرية في الزمالك مجرد خلاف على مشروع تطوير أو إعادة استغلال مساحة عامة، بل تحولت إلى معركة مفتوحة بين منطق الاستثمار السريع ومنطق الحفاظ على التراث والبيئة والهوية التاريخية للقاهرة. فمع ظهور خطوط التخطيط المرسومة على أرض الحديقة، وتصاعد المخاوف من بدء أعمال بناء وتجريف تمهيدا لإقامة مطاعم وفندق صغير وأنشطة تجارية، تعالت أصوات سكان الزمالك والمهتمين بالبيئة والتراث، محذرين من أن ما يجري ليس “تطويرا” بل بداية لتدمير واحدة من أندر الحدائق النباتية التاريخية في مصر.
القلق لم يأت من فراغ، فحديقة الزهرية ليست مجرد مساحة خضراء عادية، وإنما سجل نباتي وتاريخي مفتوح يعود إلى عصر الخديوي إسماعيل، وتضم أشجارا نادرة ونباتات معمرة تمثل جزءا من ذاكرة القاهرة العمرانية والبيئية. وبينما تؤكد جمعيات أهلية وخبراء أن المشروع يخالف اشتراطات الحفاظ على الحدائق التراثية، تواصل الجهات المسؤولة الصمت، وسط غياب كامل للشفافية حول تفاصيل المشروع وحجم البناء المقرر تنفيذه داخل الحديقة.
خبراء البيئة: تحويل الحدائق التراثية إلى مشاريع استثمارية خطر طويل المدى
يرى الدكتور حسام محرم، أستاذ التخطيط العمراني والتصميم البيئي بجامعة القاهرة، أن ما يحدث في حديقة الزهرية يعكس خللا واضحا في فلسفة إدارة المساحات الخضراء داخل القاهرة، موضحا أن الحدائق التاريخية لا يمكن التعامل معها باعتبارها “أراضي فضاء” قابلة للاستثمار العقاري أو التجاري.
وأكد أن أي تدخل إنشائي داخل حديقة تراثية يجب أن يكون محدودا للغاية وتحت رقابة علمية صارمة، لأن القيمة الحقيقية لهذه الحدائق ليست فقط في الأشجار الموجودة، بل في النسيج البيئي والتاريخي الكامل الذي تشكل عبر عشرات السنين. وأضاف أن إدخال مطاعم ومنشآت فندقية إلى قلب الحديقة سيؤدي بالضرورة إلى تغيير طبيعتها واستهلاك أجزاء من الغطاء النباتي، فضلا عن زيادة الضغط البشري والمروري داخل منطقة تعاني بالفعل من الاختناق.
أما الدكتورة ليلى إسكندر، الخبيرة البيئية ووزيرة التطوير الحضري والعشوائيات السابقة، فاعتبرت أن تآكل المساحات الخضراء في القاهرة لم يعد قضية جمالية فقط، بل أصبح قضية صحة عامة وأمن بيئي. وأوضحت أن العاصمة المصرية فقدت خلال العقود الأخيرة جزءا كبيرا من غطائها النباتي لصالح مشروعات استثمارية وطرق ومحاور مرورية، وهو ما انعكس على جودة الهواء وارتفاع درجات الحرارة وتراجع جودة الحياة.
وأضافت أن الحدائق التاريخية مثل الزهرية تؤدي دورا بيئيا بالغ الأهمية داخل المدن المزدحمة، لأنها تساعد على امتصاص التلوث وتلطيف المناخ وحماية التنوع البيولوجي، مؤكدة أن التفريط فيها لصالح مشاريع تجارية قصيرة المدى يمثل خسارة لا يمكن تعويضها مستقبلا.
غياب الشفافية يثير الشكوك حول مصير الأشجار النادرة
أحد أبرز أسباب الغضب الشعبي تجاه المشروع يتمثل في غياب المعلومات الرسمية الواضحة. فلا توجد حتى الآن تفاصيل معلنة للرأي العام حول طبيعة الأعمال الجارية، أو حجم المباني المزمع إنشاؤها، أو عدد الأشجار التي قد تتأثر بالمشروع، وهو ما فتح الباب أمام حالة واسعة من القلق والتكهنات.
الدكتور مجدي علام، الخبير البيئي والأمين العام السابق لاتحاد خبراء البيئة العرب، أكد أن أي مشروع داخل حديقة تاريخية يجب أن يسبقه حوار مجتمعي ودراسة تقييم أثر بيئي معلنة للرأي العام، خاصة إذا كان المشروع سيؤثر على أشجار معمرة أو نباتات نادرة.
وأشار إلى أن الأشجار القديمة داخل القاهرة لا يمكن تعويضها بسهولة، لأن قيمتها البيئية تتجاوز فكرة الزراعة الجديدة، فالشجرة المعمرة تمثل نظاما بيئيا كاملا تكون عبر عشرات السنين، وتساهم في خفض درجات الحرارة وتقليل التلوث بشكل يفوق الأشجار الحديثة بمراحل.
وأضاف أن التخطيط العشوائي أو تنفيذ أعمال حفر بالقرب من الجذور قد يؤدي إلى إضعاف الأشجار تدريجيا حتى لو لم يتم قطعها بشكل مباشر، محذرا من أن بعض المشروعات تستخدم مصطلح “التطوير” بينما تنتهي فعليا إلى تجريف الطبيعة وتحويل الحدائق إلى مساحات خرسانية مغلقة.
وفي السياق نفسه، شدد الدكتور أحمد عبدالعال، الرئيس السابق لهيئة الأرصاد الجوية والخبير في قضايا التغير المناخي، على أن المدن الكبرى تحتاج حاليا إلى زيادة المساحات الخضراء لا تقليصها، خاصة في ظل موجات الحرارة القياسية التي يشهدها العالم.
وأوضح أن القاهرة من أكثر المدن المعرضة لتأثير “الجزر الحرارية”، وهي الظاهرة الناتجة عن التوسع الخرساني واختفاء الأشجار، مؤكدا أن الحفاظ على الحدائق التاريخية يجب أن يكون جزءا من استراتيجية الدولة لمواجهة التغيرات المناخية، وليس ملفا ثانويا يخضع لمنطق الاستثمار.
الزمالك تفقد هويتها التاريخية تدريجيا
لا ينفصل الجدل حول حديقة الزهرية عن المخاوف الأوسع المتعلقة بمصير حي الزمالك نفسه، الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تغيرات عمرانية متسارعة أثارت اعتراضات واسعة من السكان والمهتمين بالتراث. فمع التوسع في المشروعات الاستثمارية والمحاور المرورية، يشعر كثيرون أن الحي يفقد تدريجيا طابعه الهادئ ومساحاته المفتوحة التي شكلت هويته لعقود طويلة.
ويرى متخصصون أن تحويل الحدائق العامة إلى أنشطة تجارية يخلق سابقة خطيرة قد تمتد إلى حدائق أخرى مستقبلا، خصوصا في ظل غياب رؤية واضحة للحفاظ على التراث البيئي والعمراني للقاهرة. كما يحذرون من أن منطق الربح السريع قد يطغى على أي اعتبارات ثقافية أو بيئية، لتتحول المساحات العامة تدريجيا إلى مشروعات مغلقة لا يستفيد منها سوى المستثمرين.
وتؤكد جمعيات أهلية وسكان بالزمالك أن المطلوب ليس ترك الحديقة للإهمال، بل تطويرها بشكل يحافظ على طبيعتها التاريخية والنباتية، من خلال أعمال صيانة وترميم وإدارة علمية متخصصة، دون المساس بجوهرها أو تحويلها إلى مشروع تجاري.
وفي ظل تصاعد الاعتراضات، يبقى السؤال الأهم مطروحا: هل تستجيب الجهات المسؤولة للتحذيرات المتزايدة وتعيد النظر في المشروع قبل فوات الأوان، أم تصبح حديقة الزهرية حلقة جديدة في مسلسل اختفاء المساحات الخضراء التاريخية من قلب القاهرة؟

