كشفت وزارة الداخلية المصرية عن ضبط قضايا اتجار غير مشروع في النقد الأجنبي بقيمة تجاوزت 20 مليون جنيه خلال 3 أيام، بالتزامن مع تذبذب سعر الدولار الأمريكي قرب 53 جنيهًا في البنوك؛ مما أعاد سؤال السوق السوداء إلى واجهة الأزمة الاقتصادية.

 

وتتحمل الحكومة المسؤولية السياسية عن عودة هذا السؤال؛ لأنها تطارد المتعاملين خارج السوق الرسمية أمنيًا، لكنها لا تقدم إجابة كافية عن قدرة البنوك على توفير الدولار للمستوردين والمستثمرين والمسافرين، بينما يدفع المواطن ثمن أي نقص في العملة عبر الأسعار والسلع والخدمات.

 

 

الملاحقات الأمنية تكشف أزمة الدولار أكثر مما تثبت سيطرة الحكومة

 

في البداية، أعلنت وزارة الداخلية أنها تواصل ضرباتها ضد جرائم الاتجار غير مشروع في النقد الأجنبي والمضاربة على أسعار العملات خارج السوق المصرفية، وقالت إن هذه الجرائم تترك تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي؛ لكن تكرار البيانات الأمنية يكشف استمرار النشاط نفسه لا انتهاءه.

 

وبذلك لا تبدو القضية مجرد ضبط مبالغ متفرقة؛ لأن إعلان ضبط أكثر من 20 مليون جنيه خلال 3 أيام يعني أن هناك طلبًا قائمًا خارج القنوات الرسمية، وأن السوق لا يثق بالكامل في قدرة الجهاز المصرفي على توفير العملة عند الحاجة وبالسرعة المطلوبة.

 

كما أن الحكومة لا تستطيع أن تعرض الملاحقات الأمنية كدليل نجاح كامل؛ لأن السوق السوداء لا تنشأ من فراغ، بل تظهر عندما يشعر المتعاملون بوجود فجوة بين السعر الرسمي والقدرة الفعلية على الحصول على الدولار، وهنا تبدأ المسؤولية من إدارة النقد، لا من المتعامل الأخير فقط.

 

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن المتاجرة خارج السوق المصرفية ليست العامل الأكبر في تحريك سعر الصرف حاليًا؛ لأن زيادة المعروض من العملة الأجنبية هي التي تؤثر فعليًا في السوق، وهذا الرأي يضع الحكومة أمام سؤال توفير الدولار قبل سؤال المطاردة الأمنية.

 

لذلك يصبح دور وزارة الداخلية علاجًا للعَرَض لا أصل المرض؛ لأن ضبط المتعاملين لا يمنع عودة النشاط إذا بقي الطلب أعلى من المعروض، وإذا بقيت بعض القطاعات تنتظر تدبير العملة، وإذا شعر المستورد أو المستثمر أن الطريق الرسمي لا يوفر احتياجاته في الوقت المناسب.

 

تذبذب الدولار يضع البنك المركزي والحكومة أمام اختبار الثقة

 

في المقابل، شهد سعر الدولار تذبذباً واضحاً في السوق المصرية؛ إذ صعد بعد التوترات الإقليمية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 55 جنيهاً، ثم تراجع وعاد إلى ارتفاع طفيف، قبل أن ينخفض مرة أخرى في التداولات إلى مستويات قريبة من 53 جنيهاً في البنوك.

 

ومع هذا التذبذب، تتحمل الحكومة والبنك المركزي مسؤولية حماية الثقة في الجنيه؛ لأن تحرك الدولار بهذه السرعة ينعكس على قرارات التجار والمستوردين والمستهلكين، ويؤدي إلى تسعير احترازي للسلع حتى قبل أن تظهر أزمة فعلية في المخزون أو تكلفة الاستيراد.

 

ثم جاء توجيه السيسي لحكومته بضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج وتعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع، ليؤكد أن ملف العملة لم يغادر دائرة الضغط، وأن أزمة الدولار ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على توفير السلع.

 

ويقول الخبير الاقتصادي رشاد عبده إن قوى العرض والطلب تمثل المحدد الرئيسي لسعر الصرف، ويربط تذبذب الدولار بالمتغيرات الإقليمية وتوقعات الصعود خلال الأشهر المقبلة، وهو تفسير يحمّل الحكومة مسؤولية إدارة التوقعات قبل أن تتحول إلى موجة اكتناز ومضاربة.

 

ومن هنا تبدو المعضلة أوضح؛ فالحكومة تريد من المواطنين والمستثمرين الثقة في السعر الرسمي، لكنها تقدم موازنة للعام المالي الجديد على متوسط سعر صرف 47 جنيهًا، بينما يتحرك الدولار في السوق فوق هذا المستوى، وهو فارق يضعف الرسالة الرسمية ويزيد القلق.

 

 

السوق السوداء تعود عندما يعجز المسار الرسمي عن تلبية الطلب

 

في هذا السياق، ترتبط عودة السوق السوداء بمدى توفر الدولار في البنوك؛ لأن المستثمر لا يلجأ إلى سعر أعلى إذا كان يستطيع الحصول على العملة رسميًا بلا تأخير، ولذلك يصبح الاختبار الحقيقي للحكومة داخل البنوك ومنافذ تدبير العملة، لا في بيانات الضبط اليومية.

 

وقد أظهرت الأزمة السابقة في مصر أن نقص العملة الصعبة خلق فرقًا كبيرًا بين سعر الدولار الرسمي وسعره في السوق السوداء، ثم أثرت الفجوة على توفر السلع والخدمات، قبل أن تتجه الدولة إلى سعر صرف مرن قفز بالدولار من نحو 30 جنيهًا إلى مستويات أعلى بكثير.

 

لهذا لا تكفي عبارة السعر المرن وحدها لضمان الاستقرار؛ لأن المرونة تصبح عبئًا على المواطنين إذا لم تصاحبها وفرة مستمرة في العملة الأجنبية، وإذا لم تنجح الدولة في جذب تدفقات حقيقية من الصادرات، والسياحة، والاستثمار، وتحويلات المصريين بالخارج عبر البنوك.

 

ويؤكد الخبير المصرفي محمد عبد العال أن القضاء على السوق السوداء لا يتحقق إلا بعد تجفيف منابعها وتراجع الطلب عليها، ويخدم هذا الرأي جوهر الأزمة؛ لأن الأمن يستطيع ضبط المتعاملين، لكنه لا يستطيع وحده تصنيع وفرة دولارية مستمرة داخل الجهاز المصرفي.

 

وبناءً على ذلك، يصبح السؤال المركزي ليس هل توجد سوق سوداء فقط، بل لماذا تظهر الحاجة إليها بعد كل موجة ضغط؟ ومن المسؤول عن ترك المواطنين والتجار أمام توقعات متضاربة؟ وهل تملك الحكومة خطة معلنة تضمن توفير الدولار بدل الاكتفاء بإعلان الحملات الأمنية؟

 

عقوبات الاتجار لا تعفي الحكومة من مسؤولية إدارة الأزمة

 

على الجانب القانوني، ينص القانون المصري على معاقبة التعامل في النقد الأجنبي خارج البنوك المعتمدة والجهات المرخصة بعقوبات مشددة تشمل السجن والغرامات التي قد تصل إلى ملايين الجنيهات، كما قد تواجه شركات الصرافة المخالفة إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

 

لكن العقوبة وحدها لا تبني سوقًا مستقرة؛ لأن المتعامل يلجأ إلى السوق غير الرسمية عندما يرى فائدة في فارق السعر أو سرعة الحصول على العملة، ولذلك يجب أن تبدأ المعالجة من توفير الدولار في القنوات الرسمية، ثم تأتي العقوبة لحماية القواعد لا لإخفاء الخلل.

 

كذلك تؤكد الحكومة بشكل متكرر حرصها على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على الخدمات الأساسية والسلع الاستراتيجية، غير أن هذا الخطاب يحتاج إلى اختبار يومي في الأسواق؛ لأن أي نقص في مستلزمات الإنتاج أو تأخير في الإفراجات الجمركية ينتقل سريعًا إلى الأسعار.

 

وعندما تربط الحكومة أزمة الدولار بالمضاربين فقط، فإنها تعفي نفسها من الجزء الأهم في المسؤولية، وهو إدارة موارد النقد الأجنبي، وتوقعات السوق، وسرعة تلبية احتياجات القطاعات الإنتاجية؛ لأن السوق السوداء لا تنتعش بالشائعات وحدها، بل تنتعش حين يتعثر المسار الرسمي.

 

في النهاية، لا تمنح حملات وزارة الداخلية الحكومة شهادة سيطرة على سوق الصرف، بل تفتح ملفًا أكبر عن سبب استمرار الاتجار خارج البنوك بعد التعويم وسعر الصرف المرن؛ فإذا كان الدولار متوفرًا كما تقول التصريحات الرسمية، فلماذا تحتاج الدولة إلى مطاردات يومية بهذا الحجم؟