أظهرت وزارة المالية، خلال تقريرها المالي الشهري عن الفترة من يوليو حتى أبريل من العام المالي 2025/2026، أن فوائد الدين الحكومي تجاوزت 2.02 تريليون جنيه، واستحوذت على %54 من المصروفات العامة، والتهمت %76 من إيرادات الدولة؛ بما يكشف اختناق الموازنة تحت عبء الاقتراض.
وتضع هذه الأرقام الحكومة أمام اتهام مباشر بإدارة المال العام بمنطق الاستدانة المستمرة؛ لأن كل جنيه يذهب إلى فوائد الدين يخرج من مساحات الصحة، والتعليم، والدعم، والاستثمار، بينما يدفع المواطن تكلفة قرارات مالية راكمت الديون، ثم حولت خدمتها إلى البند الأقوى في الموازنة.
فوائد الدين تكشف موازنة مكرسة لصالح الدائنين
في أول 10 أشهر من العام المالي الجاري، سجلت فوائد الدين نحو 2.02 تريليون جنيه، مقابل 1.65 تريليون جنيه في الفترة نفسها من العام المالي الماضي، بزيادة سنوية بلغت %21.8، وهي قفزة تكشف أن الحكومة لم تخفض عبء الدين بل نقلته إلى مستوى أثقل.
وبهذا الحجم، لم تعد فوائد الدين بنداً جانبياً داخل الموازنة، بل تحولت إلى مركز الإنفاق الحكومي؛ إذ ابتلعت أكثر من نصف المصروفات العامة، وسبقت بنوداً حيوية تمس حياة المواطنين مباشرة، بما يعني أن الدولة تنفق أولاً على الدائنين، ثم تبحث عما يبقى للخدمات.
كما يوضح رقم %76 من الإيرادات العامة أن الحكومة تجمع الضرائب، والرسوم، والموارد السيادية، ثم توجه معظمها إلى فوائد القروض، وهو ما يضع المواطن في معادلة قاسية، يدفع فيها مزيداً من الأعباء دون أن يرى انعكاساً عادلاً على المستشفيات، والمدارس، والمواصلات، والدعم.
ويخدم رأي الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد هذا المحور؛ إذ يؤكد أن انخفاض سعر الفائدة بنسبة %1 فقط قد يمنح الموازنة حيزاً مالياً يتراوح بين 40 و45 مليار جنيه، مما يكشف حجم الخسارة التي تتحملها الدولة كلما طال زمن الفائدة المرتفعة.
لذلك تبدو الموازنة الحالية رهينة لقرارات اقتراض سابقة ولاحقة؛ لأن الحكومة تتحدث عن الانضباط المالي بينما تسمح لفوائد الدين بابتلاع الإيرادات، وتتعامل مع الفائض الأولي كدليل نجاح، رغم أن هذا الفائض يظهر قبل احتساب الفوائد التي تكشف العجز الحقيقي.
الدين المحلي يرفع الفاتورة والحكومة تحاصر نفسها
على مستوى التفاصيل، جاءت الزيادة الأكبر من فوائد الدين المحلي المستحقة لجهات غير حكومية، بعدما ارتفعت إلى 1.8 تريليون جنيه مقابل 1.4 تريليون جنيه قبل عام، بنمو تجاوز %28، بما يؤكد أن المشكلة الأساسية لم تعد خارجية فقط بل داخل بنية التمويل المحلي.
وفي المقابل، تراجعت الفوائد الخارجية إلى نحو 182.5 مليار جنيه، مقابل 202.9 مليار جنيه في الفترة المماثلة، لكن هذا التراجع لا يغير جوهر الأزمة؛ لأن الدين المحلي بات وحده قادراً على خنق الموازنة، لا سيما مع أسعار فائدة مرتفعة وأذون خزانة قصيرة الأجل.
وتراجعت أيضاً الفوائد المحلية الخاصة بوحدات الحكومة العامة إلى نحو 4.56 مليار جنيه مقابل 10.3 مليار جنيه، غير أن هذا الرقم الصغير لا يخفف الصورة العامة؛ لأن الجزء الأكبر من الفاتورة يذهب إلى أطراف تمول الحكومة بأسعار تعكس خطر سياساتها وضعف قدرتها على ضبط الدين.
ومن هذه الزاوية، يرى خبير الموازنات والسياسات المالية عبد النبي عبد المطلب أن الموازنة المصرية تحمل طموحات كبيرة لكنها تفتقر إلى أدوات تنفيذ واضحة، وتعتمد بصورة متزايدة على بيع الأصول ورفع الرسوم، وهو ما ينقل عبء الأزمة من الحسابات الحكومية إلى جيوب المواطنين.
وبناءً على ذلك، لا تستطيع الحكومة إخفاء مأزقها خلف تراجع محدود في الفوائد الخارجية؛ لأن الرقم المحلي وحده يكشف أن الدولة تقترض لتسدد وتستدين لتغلق فجوات قصيرة، ثم تعلن خططاً لخفض الدين بينما تتوسع في أدوات تجعل الموازنة أكثر هشاشة أمام الفائدة.
المواطن يدفع ثمن الاستدانة والخدمات تتراجع
كلما تضخمت فوائد الدين بهذا الشكل، ضاقت قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة؛ لأن الإنفاق على الفائدة لا يبني مدرسة، ولا يطور مستشفى، ولا يزيد دخل أسرة، بل يعيد توزيع الموارد من المجتمع إلى حملة أدوات الدين، ويترك الناس أمام فواتير معيشية متصاعدة.
ثم تتفاقم الأزمة عندما تربط الحكومة علاجها بررفع الإيرادات؛ لأن هذا يعني مزيداً من الضرائب والرسوم وتسعير الخدمات، في وقت لا يحصل فيه المواطن على مقابل عادل، فتتحول الموازنة إلى آلة لتحصيل الأموال من الناس ثم تمريرها إلى خدمة الدين المتراكم.
ويطرح الخبير الاقتصادي هاني جنينة أزمة الديون باعتبارها ملفاً يحتاج إلى حلول غير تقليدية، بينها سيناريوهات لتخفيف عبء الفوائد وفتح مساحة للإنفاق الاجتماعي، وهو طرح يعكس أن الأزمة تجاوزت حدود الإدارة المعتادة ولم تعد قابلة والعلاج بتطمينات رسمية أو أرقام انتقائية.
غير أن أي حل حقيقي لا يبدأ بتحميل المواطن وحده فاتورة الدين، بل يبدأ بوقف توسع الحكومة في الاقتراض غير المنتج، ومراجعة المشروعات التي لم تولد إيرادات كافية، وكشف تكلفة خدمة الدين كاملة، وربط كل قرض جديد بعائد واضح لا بدعاية سياسية.
كذلك تحتاج الحكومة إلى إعلان جدول ملزم لخفض الفائدة الفعلية على الدين المحلي، وإطالة آجال الاستحقاق، وتقليص الاعتماد على أدوات قصيرة الأجل؛ لأن استمرار تدوير الديون بهذا الحجم يجعل كل موازنة جديدة نسخة أكثر تكلفة من السابقة، ويمنع أي تحسن حقيقي في حياة الناس.
وفي النهاية، تقول أرقام وزارة المالية إن الأزمة لم تعد تحذيراً نظرياً، بل واقعاً يلتهم 2.02 تريليون جنيه في 10 أشهر، ويحول %76 من الإيرادات إلى فوائد دين، بينما تواصل الحكومة تقديم خطاب مطمئن لا يجيب عن السؤال الأهم: من يحاسب من أغرق الموازنة في هذه الفاتورة؟

