كشفت أزمة صناعة الأجهزة والمستلزمات الطبية في مصر، خلال الأيام الماضية عن ضغط متصاعد يواجه نحو 760 مصنعا مسجلا وشركات تصدر إلى قرابة 90 دولة، بينما يهدد ارتفاع الدولار والخامات والشحن قدرة القطاع على الإنتاج وتوفير احتياجات المرضى والمستشفيات.

 

وتضع هذه الأزمة الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، لأن المستلزم الطبي لا يمثل سلعة تجارية عادية بل جزءا من حق المواطن في العلاج، بينما يؤدي استمرار الاعتماد على الخامات المستوردة وترك الأسعار بلا ضبط فعال إلى تحميل المرضى والمصانع كلفة فشل التخطيط.

 

الدولار والخامات المستوردة يضغطان على المصانع 

 

في البداية، تكشف أرقام القطاع عن مفارقة ثقيلة، لأن مصر تملك قاعدة صناعية تضم نحو 760 مصنعا مسجلا في الأجهزة والمستلزمات الطبية، وتستطيع شركات محلية الوصول إلى أسواق تقارب 90 دولة، لكن هذه القدرة تبقى رهينة الدولار والخامات المستوردة وسلاسل الإمداد.

 

ثم يظهر الخلل عندما تعتمد نسبة كبيرة من الصناعة على استيراد الخامات والمكونات الأساسية، لأن أي تحرك في سعر الصرف ينتقل مباشرة إلى تكلفة الإنتاج، ولا تستطيع المصانع امتصاص الزيادة طويلا من دون رفع الأسعار أو خفض الإنتاج أو تأجيل خطط التوسع.

 

وبسبب هذا الاعتماد، لا تقف الأزمة عند باب المصنع، بل تصل إلى غرف العمليات والمستشفيات والعيادات، لأن ارتفاع تكلفة القسطرة والسرنجات والمفاصل الصناعية ومستلزمات الجراحة يضغط على مقدم الخدمة، ثم ينتقل جزء كبير من العبء إلى المريض في الفاتورة النهائية.

 

كذلك رفعت اضطرابات الشحن والتأمين العالمي تكلفة التشغيل، حيث امتدت مدة الشحن في بعض الحالات من نحو 30 يوما إلى قرابة 45 يوما، وهو تأخير يعطل خطط الإنتاج ويجمد رأس المال ويجبر المصنع على تمويل مخزون أطول أو مواجهة نقص مفاجئ.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي الخبير الاقتصادي هاني جنينة زاوية الدولار بوضوح، لأنه ربط تقلب الجنيه بالتوترات الخارجية واحتمالات عودة الضغوط السعرية، وهي نقطة تشرح كيف يتحول سعر الصرف إلى عامل ضغط يومي على صناعة تعتمد على مدخلات إنتاج مستوردة.

 

لذلك لا تستطيع الحكومة التعامل مع الأزمة باعتبارها شكوى قطاعية من المصنعين، لأن ارتفاع الدولار في صناعة صحية يعني ارتفاعا محتملا في تكلفة العلاج، كما يعني تآكل قدرة المستشفيات على توفير مستلزمات مستقرة السعر والكميات للمرضى في الوقت المناسب.

 

كما أن زيادة تكلفة الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة عادلة في الأسعار، لأن السوق يحتاج إلى كشف هيكل التكلفة وهوامش الربح وحلقات التداول، حتى لا يتحول الدولار إلى مبرر جاهز لكل زيادة، ولا يدفع المريض ثمن كل حلقة وسيطة بلا مراجعة.

 

ومن هنا يصبح سؤال التوطين ملحا لا دعائيا، لأن تصنيع المنتج النهائي وحده لا يكفي إذا بقيت الخامات والمكونات الحساسة خارج البلاد، فالدولة لا تملك أمنا صحيا حقيقيا عندما تنتج محليا بمدخلات تتحكم فيها أسواق خارجية وسفن شحن وشركات تأمين.

 

التوطين المؤجل يحاصر الصادرات ويكشف هشاشة شعار الصناعة الوطنية

 

بعد ذلك، تظهر خطورة الأزمة في الفجوة بين القدرة التصديرية والاعتماد الخارجي، إذ تستطيع شركات مصرية تصدير مستلزمات طبية إلى عشرات الدول، لكن استمرار استيراد الخامات يحد من زيادة الإنتاج والصادرات، ويجعل المصنع المحلي تابعا لتقلبات لا يملك قرارها.

 

ومن هذه الزاوية، لا يكفي إعلان نجاحات التصدير إذا لم تعلن الحكومة خطة زمنية لتوطين الخامات والمكونات الأساسية، لأن الأسواق الإفريقية والآسيوية لا تنتظر مصنعا يتأخر بسبب شحنة عالقة، ولا تمنح ثقة طويلة لمورد لا يسيطر على سلسلة إنتاجه.

 

وفي السياق نفسه، حذر رئيس مجلس إدارة شركة أميكو للصناعات الطبية هشام فوزي من أثر الدولار والشحن والخامات على تكلفة الإنتاج، وأشار إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج بنسبة 15% مع تضاعف تكلفة الشحن والتأمين 3 مرات وتأخر وصول الخامات.

 

وبذلك يقدم فوزي وظيفة تحريرية مهمة داخل هذا المحور، لأنه يتحدث من موقع صناعي مباشر لا من موقع حكومي، ويكشف أن المشكلة ليست نقص رغبة في الإنتاج، بل غياب بيئة تمويل وتوريد مستقرة تسمح للمصانع بالعمل والتوسع والتصدير بثقة.

 

كذلك يؤدي تأخر الشحن إلى ضغط تمويلي مزدوج، لأن المصنع يدفع ثمن خامات مستوردة قبل وصولها، ثم ينتظر مدة أطول قبل تشغيلها وبيع المنتج النهائي، بينما تظل أجور العمال والكهرباء والتمويل البنكي قائمة دون توقف أو تعويض حكومي فعال.

 

وعلى هذا الأساس، تحتاج الصناعة إلى حوافز ضريبية وجمركية وتمويلية مرتبطة بشرط واضح، وهو زيادة المكون المحلي وتوطين المواد الحرجة ونقل التكنولوجيا، لا مجرد إعفاءات عامة تمنح أرباحا إضافية من دون إلزام المصنع أو المستثمر بنتيجة إنتاجية قابلة للقياس.

 

كما يجب أن يسبق فتح أسواق جديدة في إفريقيا وآسيا برنامج وطني يضمن ثبات الجودة وتوافر الخامات وتمويل الصادرات، لأن المنافسة الخارجية لا تدار بالشعارات، بل بعقود تسليم منتظمة وأسعار مستقرة وشهادات جودة وقدرة على تلبية الطلب عند الأزمات.

 

ومن ثم تبدو مسؤولية الحكومة أوسع من وزارة واحدة، لأن الصناعة تحتاج تنسيقا بين الاستثمار والمالية والصحة والجمارك والبنوك، بينما يؤدي تفكك القرار إلى دفع كل مصنع فاتورته منفردا، ثم ينعكس التعثر على المستشفيات والمرضى وسوق التصدير معا.

 

ولذلك، يصبح توطين المستلزمات الطبية اختبارا حقيقيا لجدية الدولة في تقليل فاتورة الاستيراد، لأن الحكومة لا تستطيع الحديث عن تعميق التصنيع المحلي بينما تترك الخامات الأساسية تحت رحمة الدولار، ولا تستطيع حماية العملة الصعبة من دون بدائل إنتاجية داخلية.

 

فوضى الأسعار تهدد المرضى وتكشف غياب رقابة عادلة 

 

في المقابل، لا تقف الأزمة عند باب المصنع أو الميناء، لأن السوق يشهد تفاوتا في أسعار بعض المستلزمات الطبية بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع النهائي داخل بعض المنشآت الطبية، وهو تفاوت يفتح بابا واسعا للربح المبالغ فيه على حساب المريض.

 

وبسبب هذا التفاوت، يحتاج السوق إلى آلية رقابية وتسعيرية محكمة تراجع حلقات التداول من المصنع أو المستورد حتى المنشأة الطبية، لأن كل وسيط يستطيع إضافة هامش جديد، بينما لا يملك المريض قدرة تفاوضية عندما يحتاج إلى عملية أو تدخل عاجل.

 

هنا يخدم رأي الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة، محور التسعير والإنفاق الصحي، لأنه أوضح أن الأجهزة الطبية ومستلزمات العمليات والمفاصل الصناعية لا تخضع للتسعير الجبري مثل الدواء، وبالتالي تتأثر أسعارها مباشرة وتزيد فاتورة الإنفاق الصحي.

 

لذلك تصبح حماية المواطن من الزيادات غير المبررة مهمة صحية قبل أن تكون مهمة تجارية، لأن المريض لا يستطيع تأجيل قسطرة أو عملية عظام أو تدخل جراحي حتى تهدأ الأسعار، كما لا يستطيع التحقق بنفسه من عدالة سعر المستلزم داخل المستشفى.

 

كما أن غياب التسعير المنضبط لا يعني بالضرورة فرض سعر إداري يقتل الصناعة، بل يعني إعلان قواعد واضحة توازن بين تكلفة المصنع وحق المريض، وتمنع تحويل كل نقص في الخامات أو اضطراب في الشحن إلى هامش ربح إضافي في نهاية السلسلة.

 

ومن ناحية أخرى، لا يجب أن تتحول الرقابة إلى عقاب للمنتج المحلي وحده، لأن ضبط السوق يحتاج مراجعة أسعار المستوردين والموزعين والمنشآت الطبية، مع حماية المصانع التي ترفع المكون المحلي وتلتزم الجودة، حتى لا تخرج الصناعة الجادة من المنافسة.

 

وبالتوازي، تؤكد الأزمة أن الأمن الصحي لا يتحقق بمخزون مؤقت فقط، بل يتحقق ببنية إنتاج قادرة على الصمود عند تعطل الشحن أو ارتفاع الدولار أو حدوث أزمة عالمية، لأن المستشفى يحتاج مستلزما متوافرا بسعر محتمل لا وعدا حكوميا بعد الأزمة.

 

لذلك يجب أن تعلن الحكومة استراتيجية وطنية متكاملة لتوطين صناعة المستلزمات الطبية والخامات المرتبطة بها، مع جدول زمني معلن ونسب مكون محلي مستهدفة وقائمة خامات أولوية، حتى يستطيع المواطن والمنتج والمستشفى قياس التقدم بدل انتظار تصريحات متفرقة.

 

وفي النهاية، تكشف أزمة المستلزمات الطبية أن الحكومة تركت قطاعا استراتيجيا بين ضغط الدولار وغياب التوطين وفوضى الأسعار، رغم أن هذا القطاع يملك مصانع وصادرات وخبرة، وكان يمكن أن يصبح رافعة للأمن الصحي والصادرات بدلا من بقائه أسيرا للخامات المستوردة.

 

وبهذا المعنى، لا تحتاج مصر إلى حديث جديد عن أهمية الصناعة، بل تحتاج إلى قرار معلن يحاسب الجهات المسؤولة عن تأخر التوطين، ويضبط أسعار التداول داخل المنشآت الطبية، ويمول الخامات الأساسية، لأن حياة المرضى لا يجوز أن تبقى معلقة بسعر الدولار وموعد وصول سفينة.