كشفت ضبطيات وزارة الداخلية المصرية خلال الأيام الماضية عن عودة نشاط الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي خارج القنوات الرسمية، بعد ضبط قضايا عملات تجاوزت قيمتها 20 مليون جنيه خلال فترة عيد الأضحى، بالتزامن مع تذبذب سعر الدولار بين مستويات قاربت 47 جنيها ثم تجاوزت 55 جنيها قبل أن يتراجع إلى حدود 52 جنيها.
وتضع هذه العودة الحكومة أمام أزمة لا تعالجها الحملات الأمنية وحدها، لأن السوق السوداء لا تتحرك من فراغ، بل تظهر عندما يشعر المستورد والمستثمر والمواطن بأن الدولار غير متاح بالقدر المطلوب داخل البنوك، وأن السعر الرسمي لا يكفي وحده لضمان الحصول على العملة في الوقت المناسب.
الدولار يتحرك تحت ضغط السياسة والسوق الموازية تعود من باب الندرة
في البداية، شهد سعر الدولار خلال الأيام الماضية حالة تذبذب واضحة بفعل التطورات الجيوسياسية في المنطقة، حيث قفز من مستوى يقارب 47 جنيها إلى أكثر من 55 جنيها عقب تصاعد الحرب الإيرانية، ثم تراجع مرة أخرى قبل أن يعاود التحرك الطفيف وينخفض في تعاملات الإثنين.
ثم سجل الدولار في أول تعاملات البنوك عقب انتهاء إجازة عيد الأضحى تراجعا بنحو 11 قرشا، ليصل إلى 52.12 جنيه للشراء و52.22 جنيه للبيع، بينما أظهرت بيانات البنك المركزي المصري سعرا يدور حول 52.21 جنيه للشراء و52.35 جنيه للبيع في بداية يونيو 2026.
وبسبب هذه الحركة الحادة، عادت توقعات الارتفاع لتغذي الطلب على الدولار، لأن بعض المتعاملين تعاملوا مع العملة باعتبارها مخزنا للقيمة وفرصة استثمارية قصيرة الأجل، خاصة مع اعتقاد متزايد بأن التوترات الإقليمية قد تعيد الضغط على الجنيه خلال الأشهر المقبلة.
كذلك لم يكن تراجع الدولار في البنوك كافيا لطمأنة السوق، لأن المشكلة لا ترتبط بالسعر المعلن وحده، بل بقدرة العميل على الحصول على العملة عند الطلب، وبسرعة تدبيرها للمستوردين، وبمدى انتظام الإفراج عن البضائع في الموانئ والجمارك.
وفي هذا المحور، يخدم رأي الخبير الاقتصادي رشاد عبده أصل المشكلة، إذ يرى أن انتعاش السوق السوداء يرتبط بعدم توافر الدولار داخل البنوك بالكميات الكافية لتلبية احتياجات المستثمرين، وأن قدرة البنوك على تدبير العملة للمستوردين هي العامل الحاسم في إغلاق الباب أمام السوق الموازية.
لذلك تكشف عودة السوق السوداء فشل المعالجة الرسمية التي تخلط بين مطاردة التاجر غير القانوني وبين علاج سبب اللجوء إليه، لأن القبض على المتعاملين لا يكفي إذا ظل المستورد عاجزا عن توفير الدولار عبر نافذة مصرفية واضحة ومنتظمة وسريعة.
كما أن توفير الدولار للحجاج خلال الموسم الحالي من دون أزمة ظاهرة لا ينفي الضغط اللاحق على البنوك، لأن زيادة الطلب قبل السفر تزامنت مع احتياجات المستثمرين والمستوردين، ما جعل المعروض الرسمي أكثر حساسية لأي موجة طلب مفاجئة أو توقعات ارتفاع جديدة.
ومن هنا، تتحول السوق الموازية إلى مرآة لفجوة الثقة في القناة الرسمية، فكلما تأخر البنك في تدبير العملة أو تعددت القيود أو ارتفع قلق المستورد من نقص الدولار، وجد السوق غير الرسمي مساحة جديدة رغم العقوبات والحملات الأمنية المتكررة.
الحملات الأمنية تضبط الملايين لكنها لا تكسر سبب الأزمة
بعد ذلك، أعلنت وزارة الداخلية استمرار جهودها لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج الإطار المصرفي، مؤكدة أن هذه الممارسات تترك آثارا سلبية على الاقتصاد الوطني، وأن الضبطيات الأخيرة تجاوزت 20 مليون جنيه في قضايا عملات مختلفة.
وبالتوازي، أعلنت وسائل محلية ضبط قضايا أخرى خلال 24 ساعة بقيم وصلت إلى 26 مليون جنيه في نهاية مايو 2026، وهو ما يوضح أن النشاط لم يكن واقعة منفردة خلال العيد، بل حركة متكررة تستدعي قراءة اقتصادية قبل أن تكون أمنية فقط.
غير أن الحملة الأمنية، رغم أهميتها القانونية، لا تصنع دولارات داخل البنوك، ولا تحل أزمة مستورد يحتاج إلى خامات، ولا تطمئن صاحب مصنع ينتظر الإفراج الجمركي، ولا تخفض توقعات السوق إذا بقي سعر الصرف مرتبطا بالأخبار السياسية وسلاسل الإمداد والتدفقات الساخنة.
وفي هذا السياق، يوضح قانون البنك المركزي أن التعامل في النقد الأجنبي خارج الجهات المرخصة يعرض صاحبه للحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تزيد على 3 سنوات، وغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تجاوز 5 ملايين جنيه، مع مصادرة المبالغ محل المخالفة.
لكن النص القانوني لا يمنع السوق الموازية وحده عندما يرى المتعامل أن المخاطرة أقل من خسارة توقف بضاعة أو مصنع، لأن العقوبة تردع جزءا من العرض والطلب، لكنها لا تلغي الطلب نفسه إذا لم يجد طريقا مصرفيا مضمونا في الوقت المناسب.
وهنا يخدم رأي ممدوح الولي هذا المحور، لأنه حذر سابقا من أن مشكلة الدولار تستمر عندما تؤدي الإجراءات المصرفية إلى تقييد سيولة العملة الصعبة أمام المستوردين، بما يدفع بعضهم إلى السوق السوداء للحصول على مدخلات إنتاج أو سداد التزامات خارجية.
لذلك تظهر حدود الأمن عندما يتحول إلى الأداة الرئيسية في ملف نقدي، لأن السوق الموازية لا تعمل فقط عبر أشخاص يحملون عملات، بل عبر توقعات ومضاربة وطلب حقيقي ومخاوف من نقص المعروض، وهذه العناصر تحتاج سياسة اقتصادية لا كمينا أمنيا فقط.
كما أن تحميل المضاربين وحدهم مسؤولية كل اضطراب يريح الحكومة مؤقتا، لكنه يترك السؤال الأصعب بلا إجابة، وهو لماذا يعود الطلب إلى خارج الجهاز المصرفي بعد كل تعويم أو خفض أو حملة، ولماذا لا يشعر المستورد بأن البنك يستطيع تغطية احتياجاته كاملة.
وبناء على ذلك، يصبح المطلوب من الحكومة والبنك المركزي إعلان أرقام أوضح عن تدبير الدولار للسلع ومدخلات الإنتاج، وحجم طلبات المستوردين قيد التنفيذ، ومتوسط فترة الانتظار، لأن الشفافية هنا تقلل مساحة الشائعات وتمنع السوق الموازية من استغلال الغموض.
الاقتصاد يدفع ثمن الدولار بين الغلاء والاستيراد وثقة المستثمر
في المقابل، لا تقف أزمة الدولار عند حدود المتعاملين في العملة، لأن تذبذب السعر ينتقل إلى تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج وخطط التسعير داخل الشركات، فيدفع المستهلك الثمن النهائي عبر زيادات في الغذاء والدواء والأجهزة وقطع الغيار والخدمات.
ثم يواجه المستثمر معادلة أكثر صعوبة عندما يشتري الدولار بسعر متغير ويتعامل مع جمارك وموانئ وتكاليف شحن وتأمين، لأن أي تأخير في الإفراج عن البضائع يرفع تكلفة التخزين والتمويل، ويضع المصنع بين خيار رفع السعر أو تقليل الإنتاج أو وقف خطوط مؤقتا.
كذلك يضع التذبذب الحكومة بين نارين، فهي تريد إتاحة الدولار للمستوردين والمصدرين حتى لا تتوقف المصانع ولا ترتفع الأسعار، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن يؤدي ضخ العملة دون موارد مستقرة إلى ضغط جديد على الاحتياطي وسعر الصرف والثقة في الجنيه.
وفي هذا المحور، يخدم رأي هاني جنينة زاوية المخاطر الجيوسياسية وسعر الصرف، إذ رجح أن يتحرك الجنيه في نطاق 54 إلى 55 جنيها للدولار إذا استمرت التوترات، بما يشرح كيف تتحول الحرب أو اضطرابات المنطقة إلى عامل مباشر في تسعير العملة محليا.
لذلك لا يكفي أن تعلن الحكومة تراجع الدولار 11 قرشا في يوم واحد، لأن المواطن لا يحاسب السياسة النقدية على حركة يومية محدودة، بل على أثرها في الأسعار، وعلى قدرة السوق على استقرار السلع، وعلى وقف موجة التسعير الاحترازي التي تسبق أي ارتفاع متوقع.
كما أن السوق السوداء تؤثر على الاقتصاد حتى عندما يكون حجمها محدودا، لأنها تصنع سعرا نفسيا يستخدمه التجار في التسعير، وتدفع بعض المستوردين إلى التحوط، وتشجع حائزي الدولار على الاحتفاظ به، وتضعف ثقة المواطنين في قدرة البنوك على تلبية الطلب.
ومن ناحية أخرى، تكشف الأزمة خللا أعمق في مصادر العملة الأجنبية، لأن السوق التي تنتظر السياحة والتحويلات والقروض والأموال الساخنة تبقى عرضة لكل صدمة، بينما يحتاج الاستقرار الحقيقي إلى صادرات أقوى وإنتاج محلي يقلل الاستيراد وموارد مستدامة لا ترتبط بالمضاربات.
وبالتالي، لا تستطيع الحكومة الادعاء بأن المشكلة انتهت لمجرد تراجع السعر الرسمي أو ضبط قضايا جديدة، لأن عودة النشاط الموازي خلال فترة قصيرة تثبت أن جذور الأزمة قائمة في ندرة المعروض المصرفي وارتفاع توقعات الخطر وضعف الثقة في استدامة التدفقات.
ولهذا يجب أن تتحول معالجة الدولار من مطاردة السوق السوداء إلى خطة تعلن أولويات توفير العملة، وتفصل بين استيراد السلع الأساسية والكمالية، وتدعم المصانع بمدخلات إنتاج، وتراقب البنوك في سرعة تدبير العملة، وتغلق باب المضاربة بالوفرة لا بالشعارات.
وفي النهاية، تكشف عودة السوق السوداء أن أزمة الدولار في مصر لم تعد مجرد سعر يتغير على شاشة البنك، بل اختبار يومي لمدى قدرة الدولة على إدارة النقد الأجنبي، وتلبية احتياجات الإنتاج، وحماية المواطن من موجات غلاء تبدأ في سوق العملة وتنتهي على رفوف المتاجر.
وبهذا المعنى، لا تحتاج الحكومة إلى بيانات ضبط جديدة بقدر ما تحتاج إلى اعتراف بأن السوق الموازية تزدهر عندما تفشل القناة الرسمية في الإتاحة والسرعة والشفافية، وأن الدولار لن يهدأ بحملة أمنية وحدها، بل بسياسة توفر العملة لمن يحتاجها وتمنع المضاربة قبل أن تبدأ.

