كشفت إس آند بي غلوبال في القاهرة أن مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي في مصر سجل 47.1 نقطة خلال مايو 2026 مقابل 46.6 نقطة في أبريل، ليبقى دون مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش للشهر الخامس، بما يؤكد استمرار تدهور النشاط رغم تباطؤ محدود في وتيرته.

 

وتضع هذه القراءة السياسات الاقتصادية لحكومة السيسي أمام نتيجة مباشرة على الشركات والأسر، لأن رفع كلفة الوقود والكهرباء وضعف الجنيه وارتفاع التمويل لم يضغط على ميزانيات المنشآت فقط، بل خفض الطلب المحلي ودفع الشركات إلى تسريح عمالة أو ترك وظائف شاغرة دون تعويض.

 

تراجع الطلب يكشف حدود إنفاق الأسر تحت التضخم

 

ويأتي الانكماش الجديد بعد 5 أشهر متتالية من تراجع الطلبات الجديدة، إذ أظهرت بيانات مايو أن العملاء خفضوا مشترياتهم مع استمرار التضخم وضعف القوة الشرائية، لذلك لم يتحول الصعود الطفيف للمؤشر إلى تعاف فعلي في السوق المحلي أو في أوضاع الشركات.

 

في المقابل، سجل الإنتاج انخفاضا آخر رغم أن وتيرة التراجع جاءت أقل حدة من أبريل، وقد تحملت قطاعات الجملة والتجزئة والخدمات التأثير الأكبر، لأن هذه القطاعات ترتبط مباشرة بإنفاق الأسر اليومي الذي تآكل بفعل الأسعار المرتفعة والقرارات الحكومية المتعلقة بالطاقة.

 

كما أظهر التقرير أن التصنيع والإنشاءات سجلا تحسنا محدودا بعد فترات انكماش سابقة، غير أن هذا التحسن بقي أضعف من أن يغير صورة القطاع الخاص غير النفطي في مصر، لأن الطلب المحلي الضعيف ظل العامل الحاسم في تحديد قرارات الإنتاج والتشغيل.

 

وفي هذا المحور، يكتسب رأي الباحث الاقتصادي تيموثي كالداس أهميته لأنه ربط سابقا بين انكماش القطاع الخاص وضعف الطلب المحلي وارتفاع تكلفة الاقتراض، وتؤكد قراءة مايو أن الحكومة لم تعالج جذر المشكلة بل زادت كلفة النشاط على الشركات والمستهلكين معا.

 

لذلك تبدو قراءة 47.1 نقطة كإشارة إلى بطء التراجع لا إلى توقفه، لأن المؤشر بقي بعيدا عن مستوى النمو، ولأن الطلبات الجديدة اقتربت من أسوأ وتيرة مسجلة في 37 شهرا خلال أبريل، ما يجعل السوق المحلي عاجزا عن امتصاص إنتاج إضافي.

 

وعلى هذا الأساس، تتحول أزمة الطلب إلى ضغط متواصل على الشركات الصغيرة والمتوسطة، فهذه المنشآت لا تملك احتياطيات مالية كبيرة ولا تستطيع تحمل ارتفاع المدخلات لفترة طويلة، لذلك تبدأ بخفض الإنتاج ثم تؤجل التوظيف ثم تلجأ إلى تقليص العمالة.

 

تكاليف الإنتاج تدفع الشركات إلى رفع الأسعار وخفض النشاط

 

ثم جاءت تكاليف الإنتاج لتغلق المساحة الضيقة المتبقية أمام الشركات، حيث سجلت مستلزمات الإنتاج أسرع زيادة منذ يناير 2023، مدفوعة بارتفاع أسعار السولار والكهرباء وضعف العملة وزيادة الأجور، بما جعل كل وحدة إنتاج أكثر كلفة في سوق أقل قدرة على الشراء.

 

إضافة إلى ذلك، قالت قرابة نصف الشركات التي شملها المسح إن تكاليف المدخلات ارتفعت خلال مايو، وهذا الرقم يعكس انتشار الأزمة داخل القطاع وليس تعرض مجموعة محدودة فقط، لأن موجة الأسعار طالت الطاقة والعملات والأجور والمستلزمات المستوردة في وقت واحد.

 

ومن هنا اضطرت الشركات إلى رفع أسعار البيع بإحدى أسرع الوتائر في تاريخ المسح، وقد وصف ديفيد أوين الخبير الاقتصادي في إس آند بي غلوبال هذا التحرك بأنه استجابة ملموسة للزيادة الحادة في التكاليف، ما يعني أن المستهلك دفع جزءا من كلفة القرارات الاقتصادية الرسمية.

 

بالتزامن، يخدم رأي الخبير الاقتصادي إسحق ديوان هذا المحور بوضوح، لأنه ربط سابقا بين تراجع قدرة الشركات على المنافسة وارتفاع كلفة المدخلات المستوردة بعد خفض العملة وانخفاض الطلب الداخلي الناتج عن إفقار السكان، وهي عناصر ظهرت مجتمعة في قراءة مايو.

 

كذلك زادت اضطرابات سلاسل التوريد الضغط على الشركات، بعدما أطالت فترات التسليم بأسرع وتيرة في نحو 4 سنوات، وربطت الشركات ذلك بتعطل طرق الشحن وتردد الموردين وسط تقلبات الأسعار، ما أضاف كلفة زمنية وتشغيلية إلى كلفة الطاقة والعملة.

 

بناء على ذلك، لم يعد رفع الأسعار كافيا لحماية الشركات من تراجع هوامش الربح، لأن ارتفاع أسعار البيع خفض قدرة العملاء على الشراء، ثم عاد إلى الشركات في صورة طلب أقل، ولذلك دخل القطاع الخاص غير النفطي في دائرة انكماش تبدأ من الكلفة وتنتهي بتقليص النشاط.

 

تسريح العمالة يحول أزمة الشركات إلى أزمة اجتماعية

 

أما سوق العمل، فقد سجل أسوأ إشارة في تقرير مايو بعدما خفضت الشركات أعداد العاملين بأسرع وتيرة منذ يونيو 2020، وشملت القرارات تسريحات مباشرة وعدم تعويض المغادرين، بما يؤكد أن الانكماش لم يعد رقما في المؤشر بل أصبح قرارا يمس دخول الأسر.

 

وبعد تراجع المبيعات وارتفاع التكاليف، فقدت الشركات قدرتها على الاحتفاظ بنفس مستويات العمالة، لأن استمرار انخفاض النشاط جعل الاحتياج الفعلي للعمال أقل، بينما دفعت تكاليف التشغيل المرتفعة الإدارات إلى حماية السيولة على حساب الوظائف والأجور والاستقرار المهني.

 

في هذا السياق، يدعم رأي الباحث عمرو عادلي محور التوظيف لأنه ربط توسع الدولة والاقتصاد العسكري منذ 2014 بإضعاف ديناميكية الاستثمار الخاص، وعندما يتراجع الاستثمار الخاص وتتزايد القيود على المنافسة والتمويل، يصبح خلق الوظائف أكثر صعوبة ويصبح التسريح نتيجة متوقعة عند أول صدمة.

 

وعلى مستوى القطاعات، تزيد خطورة التسريحات لأن الجملة والتجزئة والخدمات من أكبر مصادر التشغيل اليومي، وعندما تتراجع هذه القطاعات بسبب ضعف إنفاق الأسر، تنتقل الأزمة بسرعة إلى عمالة المبيعات والنقل والتخزين والخدمات المساندة، وهي فئات أقل قدرة على تحمل فقدان الدخل.

 

كذلك أنتجت اضطرابات الإمداد وتراجع العمالة قيودا في الطاقة التشغيلية، إذ سجلت الأعمال المتراكمة أسرع زيادة منذ سبتمبر 2023، وهذا يعني أن الشركات صارت تواجه مفارقة قاسية، فهي تعاني نقص الطلب العام لكنها لا تملك مرونة كافية لإنجاز الأعمال المتبقية بكفاءة.

 

ورغم أن بعض الشركات رفعت المخزونات بأكبر وتيرة في قرابة 3 سنوات تحسبا لزيادات مستقبلية في الأسعار، فإن هذا السلوك لا يعبر عن توسع صحي، بل يعبر عن محاولة دفاعية ضد تقلبات السياسة الاقتصادية وسعر الصرف ومخاطر ارتفاع التكلفة في الأشهر المقبلة.

 

في النهاية، تؤكد قراءة مايو أن أزمة الشركات غير النفطية في مصر لا تنحصر في رقم أقل من 50، بل تظهر في تراجع الطلب وتسريح العمالة وارتفاع الأسعار واضطراب التوريد، وهذه السلسلة تضع مسؤولية مباشرة على حكومة جعلت القطاع الخاص يعمل بكلفة عالية وسوق ضعيفة.