يواصل القطاع الخاص غير النفطي في مصر مواجهة تحديات اقتصادية متصاعدة، في ظل استمرار موجة الانكماش للشهر الخامس على التوالي، مدفوعة بارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الطلب وتدهور سلاسل الإمداد، ما انعكس بصورة مباشرة على معدلات التشغيل والاستثمار والنمو الاقتصادي.
وكشف أحدث مسح لمؤشر مديري المشتريات الصادر عن مؤسسة ستاندرد أند بورز غلوبال، أن أداء القطاع الخاص غير النفطي ظل في منطقة الانكماش خلال شهر مايو، رغم تحسن طفيف في المؤشر الرئيسي الذي ارتفع إلى 47.1 نقطة مقارنة بـ46.6 نقطة في أبريل الماضي. ورغم هذا التحسن المحدود، فإن المؤشر بقي دون مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش، وهو ما يعكس استمرار الضغوط التي تواجه الشركات المصرية.
ارتفاع التكاليف يضرب النشاط الاقتصادي
أظهرت نتائج المسح أن الشركات العاملة في القطاع الخاص واجهت موجة جديدة من ارتفاع تكاليف التشغيل، نتيجة زيادة أسعار الوقود والطاقة وارتفاع تكاليف الاستيراد بفعل ضعف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، إلى جانب تصاعد الأجور والرواتب.
وأدى هذا الارتفاع المتواصل في تكاليف المدخلات إلى تآكل هوامش الربحية لدى الشركات، ما دفعها إلى تحميل جزء كبير من هذه الأعباء على المستهلكين عبر رفع أسعار السلع والخدمات بمعدلات وصفت بأنها تقترب من المستويات القياسية.
ويرى محللون اقتصاديون أن استمرار الضغوط التضخمية يهدد بتقليص القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر سلباً على حجم الطلب المحلي، الذي يعد المحرك الرئيسي للعديد من الأنشطة الاقتصادية.
أكبر موجة تسريح للعمالة منذ ست سنوات
ومن أبرز المؤشرات السلبية التي كشفها التقرير تسجيل سوق العمل تراجعاً حاداً، حيث لجأت العديد من الشركات إلى تقليص أعداد العاملين لديها بهدف خفض النفقات التشغيلية ومواجهة تراجع الإيرادات.
وقال كبير الاقتصاديين في ستاندرد أند بورز غلوبال ماركت إنتلجنس، ديفيد أوين، إن وتيرة خفض الوظائف خلال مايو كانت الأسرع منذ يونيو/حزيران 2020، موضحاً أن الشركات أشارت إلى تنفيذ عمليات تسريح مباشرة للعمالة، بالإضافة إلى الامتناع عن شغل الوظائف الشاغرة في إطار خطط تقشفية لاحتواء ارتفاع التكاليف.
ويثير هذا التطور مخاوف بشأن أوضاع سوق العمل في مصر خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل تباطؤ معدلات التوظيف وضعف قدرة الشركات على التوسع أو ضخ استثمارات جديدة.
اضطرابات إقليمية تربك سلاسل التوريد
وساهمت التوترات الجيوسياسية والصراعات الدائرة في المنطقة في تعميق الأزمة التي تواجهها الشركات المصرية، بعدما أدت اضطرابات حركة الشحن والتجارة إلى تأخير وصول المواد الخام والسلع الوسيطة اللازمة للإنتاج.
وأشار التقرير إلى أن أوقات تسليم الموردين سجلت أسوأ مستوياتها منذ نحو أربع سنوات، ما تسبب في زيادة الضغوط على الشركات التي تعتمد على الواردات لتلبية احتياجاتها الإنتاجية.
كما ارتفع تضخم أسعار المدخلات للشهر الرابع على التوالي ليسجل أعلى مستوياته منذ يناير 2023، مدفوعاً بزيادة تكاليف الوقود والكهرباء والنقل والاستيراد.
الطلب يتراجع والأسعار ترتفع
في الوقت الذي واصلت فيه الشركات رفع أسعار منتجاتها لتعويض الزيادة في التكاليف، شهدت الطلبات الجديدة تراجعاً للشهر الخامس على التوالي، مقتربة من أدنى مستوياتها خلال أكثر من ثلاث سنوات.
ويعكس هذا التراجع حالة الحذر التي تسيطر على المستهلكين والشركات على حد سواء، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتزايد الضغوط المعيشية، ما يدفع العديد من الأسر إلى تقليص الإنفاق وتأجيل قرارات الشراء غير الضرورية.
ويرى خبراء أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي خلال الربع الثاني من العام الجاري مقارنة بالأداء المسجل في نهاية عام 2025.
صندوق النقد يطالب بتوسيع دور القطاع الخاص
وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه صندوق النقد الدولي متابعة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع الحكومة.
وكان مجلس إدارة صندوق النقد قد أشار في مراجعات سابقة إلى أن وتيرة تقليص الدور الاقتصادي للدولة لا تزال أبطأ من المستهدف، داعياً إلى تسريع برنامج الطروحات الحكومية وبيع الأصول غير الاستراتيجية، فضلاً عن تعزيز المنافسة وتهيئة بيئة أعمال أكثر جذباً للاستثمارات الخاصة.
ويعتبر الصندوق أن توسيع مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي يمثل أحد الشروط الرئيسية.
قرارات حكومية تزيد الضغوط على الصناعة
وتزامنت نتائج المسح مع دخول قرارات حكومية جديدة حيز التنفيذ، من بينها رفع أسعار الغاز الطبيعي الموجه لبعض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة اعتباراً من مايو.
كما سبق للحكومة أن رفعت أسعار الوقود المحلية بنسبة وصلت إلى 17% خلال مارس الماضي، في إطار خطتها لإعادة هيكلة منظومة الدعم وتقليص الأعباء المالية على الموازنة العامة للدولة.

