طالب أهالي جزيرة نجع مكي التابعة لقرية المراشدة بمركز الوقف شمال قنا بتدخل عاجل من المحافظ مصطفى الببلاوي، بعد غرق الأراض الزراعية ووصول المياه إلى محيط منازلهم وتراكم الغرامات.

 

تكشف الأزمة خللًا إداريًا قاسيًا في التعامل مع سكان الجزر المنخفضة، لأن الأهالي فقدوا مصدر رزقهم منذ سنوات، بينما بقيت الجهات التنفيذية بين التحذير والتحصيل بدل الإنقاذ والتعويض والتسوية العادلة.

 

أرض مغمورة ومصدر رزق مفقود

 

يقول الأهالي إن ارتفاع منسوب المياه حاصر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في جزيرة نجع مكي، وأتلف محاصيلهم أكثر من مرة، حتى أصبح الموسم الزراعي مخاطرة يومية لا مصدر دخل مستقر.

 

وبحسب شهادات المتضررين، لم تعد الأرض صالحة للاستفادة منذ 6 سنوات بسبب الغرق الكامل والمتكرر، بينما كانت هذه المساحات تمثل المصدر الأساسي للإنفاق على المنازل وتوفير احتياجات الأسر البسيطة.

 

ثم دفعت الخسائر المتواصلة بعض الأهالي إلى العمل باليومية، بعد أن فقدوا دخل الزراعة الذي عاشوا عليه عشرات السنين، وهو انتقال قسري من ملكية منتجة إلى عمل هش بلا ضمان.

 

وفي هذا المحور، يوضح وزير الري الأسبق محمد نصر علام أن أراضي طرح النهر منخفضة بطبيعتها وقريبة من منسوب المياه، ما يجعلها عرضة للغرق عند أي زيادة في المناسيب.

 

غير أن هذه الطبيعة الجغرافية لا تعفي المحافظة من المسؤولية، لأن تكرار الغرق لسنوات يعني أن الخطر معلوم، وأن تجاهل وضع حلول دائمة يحول الفيضان الموسمي إلى عقوبة معيشية.

 

كما يؤكد الأهالي أنهم يعيشون في هذه المناطق منذ أيام الأجداد، وأن الأرض ليست اختيارًا ترفيهيًا، لأن ضيق الحال منعهم من الانتقال إلى الجبل أو شراء بديل آمن.

 

وبذلك تتحول جزيرة نجع مكي إلى مثال واضح على قرى لا تطلب امتيازات، بل تطلب حماية الحد الأدنى من الحياة، أرض صالحة للزراعة ومنزل لا تهدده المياه كل موسم.

 

غرق متكرر بلا حل جذري

 

وتشير تغطيات محلية سابقة إلى أن جزيرة نجع مكي شهدت في أبريل 2026 غرق أكثر من 50 فدانًا من الأراضي الزراعية بسبب ارتفاع منسوب مياه النيل، دون تسجيل خسائر بشرية.

 

وقبل ذلك، وثقت تقارير في يونيو 2024 غرق مساحات زراعية واسعة في نطاق الوقف والمراشدة، مع شكاوى مزارعين من تكرار الأزمة سنويًا وفقدان المحاصيل بسبب ارتفاع المياه.

 

لذلك لا تبدو الواقعة الحالية مفاجئة للإدارة المحلية، لأن سجل الغرق ممتد، والأهالي يرددون المطالب نفسها، والمياه تصل كل مرة إلى الأرض ثم تترك الأسر أمام الخسارة وحدها.

 

في هذا السياق، قال أستاذ الموارد المائية نادر نور الدين إن وزارة الري مطالبة بتوضيح أسباب تداعيات الفيضانات على مصر، وهو طرح يخدم ملف الجزر التي تواجه الخطر دون معلومات كافية.

 

وعليه، لا يكفي أن تعرف الدولة أن الجزر المنخفضة معرضة للغمر، بل يجب أن تعلن خرائط الخطر ومواعيد الارتفاع وخطة التدخل، حتى لا يتعامل الأهالي مع المياه كقدر مفاجئ.

 

كما أن إدارة الأزمة لا تبدأ عند وصول المياه إلى محيط المنازل، بل تبدأ قبلها بتطهير المصارف، ورفع الجسور الضعيفة، وتجهيز معدات شفط، وتحديد أراض بديلة عند استحالة الحماية.

 

ومن دون هذه الإجراءات، سيبقى الأهالي عالقين بين طريقين كلاهما قاس، إما البقاء فوق أرض مغمورة لا تنتج، أو مغادرتها بلا تعويض عادل ولا بديل يضمن استمرار الحياة.

 

غرامات فوق الخسائر ومناشدة للمحافظ

 

وتضاعفت الأزمة عندما تحدث الأهالي عن تحرير غرامات على الأراضي المتضررة رغم غرقها، وهو ما جعل الدولة تظهر أمامهم كجهة تحصيل لا كجهة إنقاذ في لحظة فقدان المحصول.

 

وبسبب هذه الغرامات، لم يعد الضرر زراعيًا فقط، لأن الأسرة التي خسرت الأرض والموسم تجد نفسها مطالبة بسداد أعباء مالية، بينما دخلها الأساسي توقف وتحول أصحابها إلى عمالة يومية.

 

هنا تبرز أهمية موقف أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية عباس شراقي، الذي أكد أن ارتفاع منسوب النيل في 2025 كان نتيجة تصريفات وإدارة مائية، لا فيضانًا خارج السيطرة بالمعنى التقليدي.

 

وبناء على هذا التفسير، تصبح مسؤولية الأجهزة التنفيذية أشد وضوحًا، لأن المنسوب الذي يمكن توقعه وإدارته يحتاج إنذارًا مبكرًا وحلولًا محلية لا مجرد انتظار حتى تغرق الأرض ثم إصدار الغرامات.

 

كما أن تحذيرات الحكومة لسكان طرح النهر في محافظات أخرى لا تكفي وحدها، لأن التحذير دون بدائل وتعويضات وخطة نقل آمن يتحول إلى إخلاء معنوي للمسؤولية لا حماية للسكان.

 

وتزداد حدة الموقف في نجع مكي لأن المياه وصلت إلى محيط عدد من المنازل، ما ينقل الملف من خسارة زراعية إلى خطر سكني يستوجب معاينة هندسية وصحية عاجلة.

 

لذلك طالب الأهالي المحافظ مصطفى الببلاوي بالتدخل السريع لإيجاد حل جذري لارتفاع منسوب المياه، وإنقاذ الأراضي والمنازل، مع إعفائهم من الغرامات التي تزيد قسوة الأزمة اليومية.

 

ولا يمكن للحل أن يقتصر على زيارة ميدانية أو وعود مؤقتة، لأن استمرار الأزمة منذ 6 سنوات يثبت أن المشكلة تحتاج لجنة فنية ملزمة وتقريرًا منشورًا وجدول تنفيذ واضحًا.

 

كما يجب أن تبدأ المحافظة بحصر المتضررين الحقيقيين، وتقدير خسائر المحاصيل، ووقف تحصيل الغرامات محل النزاع، وتحديد مسؤولية كل جهة بين الري والزراعة والوحدة المحلية ومجلس المدينة.

 

وفي الخاتمة، تكشف مأساة جزيرة نجع مكي أن الغرق لا يبتلع الأرض فقط، بل يبتلع دخل الأسر وكرامة الفلاح وثقته في إدارة محلية تترك الأزمة تعود كل عام.

 

لذلك، يحتاج أهالي الجزيرة قرارًا لا بيانًا، وإعفاءً لا غرامة، وحمايةً لا تحذيرًا، لأن من فقد أرضه وموسمه لا يجوز أن يدفع ثمن فشل الحكومة في إدارة الماء والأرض.