كشفت شكاوى طلاب كلية التجارة بجامعة طنطا وسكان المناطق المحيطة، في أبريل 2026، عن تراكم تلال القمامة حول الكلية، مع روائح كريهة وانتشار للفئران والحشرات، بما حوّل محيط مؤسسة تعليمية إلى مصدر ضغط صحي وبيئي يطارد الطلاب والأهالي يوميًا.

 

وتضع الواقعة حكومة تتحدث عن تطوير المدن أمام اختبار بسيط لا يحتاج إلى شعارات، لأن الطلاب لا يطلبون مشروعًا فاخرًا بل حقًا مباشرًا في بيئة دراسة آمنة، بينما يطلب السكان رفع مخلفات تراكمت أسفل منازلهم بعد شكاوى متكررة لم تجد استجابة واضحة.

 

قمامة على بوابة الجامعة وطلاب يدرسون وسط الخطر

 

بدأت الأزمة عندما رصدت الكاميرات تكدس القمامة في محيط كلية التجارة بطنطا، وأكد عدد من الطلاب أنهم تقدموا بشكاوى لإدارة الكلية، مطالبين بمخاطبة الجهات التنفيذية المختصة لرفع المخلفات، لكن غياب التحرك الفعلي أبقى الأزمة مفتوحة أمام بوابات الدخول والخروج.

 

ثم اتسع أثر القمامة لأن المشكلة لم تبق خارج الأسوار، وفق شهادات الطلاب، إذ تحدثوا عن امتداد التأثير إلى داخل الحرم الجامعي مع ظهور الفئران بصورة أثارت مخاوفهم، وهو ما جعل البيئة الدراسية نفسها جزءًا من الأزمة لا مجرد مكان قريب منها.

 

وفي هذا السياق، تمنح قراءة الدكتور روديغر كريش، مسؤول ملف البيئة والمناخ والصحة في منظمة الصحة العالمية، وزنًا صحيًا للقضية، لأنه ربط سوء إدارة المخلفات بتثبيت أمراض يمكن تجنبها وتلوث مناخي ولا مساواة اجتماعية، وهو توصيف ينطبق على مناطق تُترك بلا خدمة منتظمة.

 

لذلك لا تبدو شكاوى الطلاب ترفًا أو اعتراضًا عابرًا على منظر غير حضاري، بل إن وجود الفئران والحشرات قرب قاعات الدراسة يحوّل التقصير البلدي إلى خطر مباشر، خصوصًا عندما يصبح الطالب مضطرًا لعبور القمامة يوميًا قبل حضور محاضراته.

 

كما تكشف الواقعة خللًا إداريًا بين الجامعة والمحافظة والحي، لأن الطالب قدّم الشكوى داخل المؤسسة التعليمية، بينما تقع مسؤولية الرفع الدوري والتطهير على جهات تنفيذية خارجها، وهذا الفراغ بين المسؤوليات هو ما يسمح بتكرار المشهد دون مساءلة واضحة.

 

الأهالي يعانون من الروائح الكريهة وشكاوى بلا رد

 

بالتوازي مع غضب الطلاب، عبّر أهالي المنطقة عن معاناة مستمرة بسبب تراكم القمامة أسفل منازلهم، وأكدوا أنهم تقدموا بشكاوى متكررة للمسؤولين دون استجابة، ما جعل الأزمة تنتقل من محيط كلية إلى ملف سكني يومي يمس الأطفال وكبار السن.

 

وقال محمد أحمد، 38 عامًا، وهو أحد سكان المنطقة، إن الروائح الكريهة والحشرات والزواحف أصبحت عبئًا يوميًا على الأهالي، وطالب بتدخل سريع لإنهاء الأزمة، وتكشف شهادته أن السكان لم يعودوا يتحدثون عن إزعاج مؤقت بل عن حياة يومية محاصرة بالمخلفات.

 

ومن زاوية الصحة العامة، يدعم الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة، هذا المحور لأن تخصصه يربط الوقاية بخفض مصادر العدوى قبل تحولها إلى كلفة علاجية، وهو ما يجعل رفع القمامة إجراءً صحيًا لا مجرد خدمة نظافة محلية.

 

وبناء على ذلك، يصبح ترك القمامة قرب المنازل والجامعة قرارًا غير معلن بتحميل السكان والطلاب تكلفة الإهمال، فالروائح والحشرات لا تتوقف عند سور الكلية، والفئران لا تعترف بالحدود الإدارية بين شارع وحرم جامعي وعمارات سكنية.

 

كذلك تضرب الأزمة مصداقية منظومة الشكاوى الحكومية، لأن الأهالي والطلاب سلكوا الطريق الطبيعي وقدموا شكاوى، لكن النتيجة التي ظهرت على الأرض كانت استمرار التكدس، بما يعني أن المشكلة ليست في غياب الصوت بل في غياب آلية إلزامية للاستجابة.

 

منظومة مخلفات تفشل عند أول اختبار محلي

 

تفضح أزمة كلية التجارة بطنطا عيبًا أوسع في إدارة المخلفات، لأن القمامة لا تتراكم فجأة بهذا الشكل إلا عندما تتعطل دورة الجمع والنقل والرقابة، وعندما يغيب الرد السريع تتحول النقطة العشوائية إلى بؤرة ثابتة تجذب الحشرات والقوارض.

 

وهنا يخدم رأي الدكتور حسام علام، خبير التنمية المستدامة وإدارة النفايات الصلبة، محور الإدارة الفنية للأزمة، فخبرته في الاقتصاد الدائري وكفاءة الموارد تؤكد أن المخلفات ليست مشكلة رفع فقط، بل منظومة تبدأ من الجمع المنتظم وتنتهي بالتخلص الآمن والرقابة.

 

كما سبق للدكتورة شيرين فراج، أستاذة الهندسة الحيوية الطبية والمهتمة بملف المخلفات، أن انتقدت سوء إدارة الحكومة لملف القمامة، واعتبرت أن المواطن لا يجب أن يدفع ثمن تقصير المسؤولين، وهو موقف يضع أزمة طنطا داخل سياق فشل متكرر لا واقعة منفصلة.

 

لذلك يحتاج محيط كلية التجارة إلى تدخل يتجاوز حملة مؤقتة تلتقط الصور ثم تنسحب، لأن الحل الحقيقي يتطلب جدول رفع ثابت، وتحديد نقطة تجميع آمنة، وإغلاق أي موقع عشوائي، وتطهير المكان بعد الرفع، ومحاسبة الجهة التي تركت التراكم يصل إلى هذه المرحلة.

 

وفي النهاية، لا تختبر أزمة القمامة أمام كلية التجارة بطنطا قدرة الحكومة على إطلاق وعود جديدة، بل تختبر قدرتها على تنفيذ أبسط واجباتها اليومية، لأن الطالب الذي يدرس وسط روائح القمامة، والسكان الذين يعيشون بجوار الفئران، لا ينتظرون بيانًا بل رفعًا فوريًا ومساءلة واضحة.