كشفت منصات التواصل الاجتماعي في مصر، خلال الساعات الماضية، موجة غضب واسعة عقب تداول مقطع لزيارة المنقلب عبد الفتاح السيسي للأكاديمية العسكرية، وسؤاله طالبا عن ضعف بنيته بعد عام تدريب، ما فتح نقاشا حادا حول التغذية والكرامة والتجنيد.


وجاءت الواقعة داخل مؤسسة عسكرية تقدم نفسها كواجهة للانضباط والقوة، لكنها أعادت إلى الواجهة شهادات أهالي المجندين وناشطين عن الفوارق داخل المعسكرات، وتحوّل الخدمة الإلزامية إلى عبء بدني ونفسي واقتصادي على الشباب.


تعيين ضعيف لا يصنع جسدا قويا داخل المعسكر


https://x.com/nobelF88/status/1836021571431940176


https://x.com/nobelF88/status/1836034177421009139


بدأ الجدل من السؤال المباشر الذي وجهه السيسي للطالب داخل الأكاديمية العسكرية، حين سأله إن كانت سنة كاملة غير كافية لجعله أقوى بدنيا، فتعامل متابعون مع المشهد باعتباره إدانة للنظام التدريبي والغذائي لا للطالب وحده.


ثم استعاد رواد مواقع التواصل تصريحات السيسي القديمة عن ثلاجته التي قال إنها لم تكن تضم سوى زجاجات مياه، لأن الجملة نفسها عادت في سياق جديد يربط بين خطاب التقشف وبين تحميل الأفراد نتائج الفقر المؤسسي.


وفي التعليقات الأولى، كتب الناشط فريد شعبان عبر حسابه على إكس أن التدريب بلا طعام مناسب لا يبني العضلات، منتقدا وجبات الفول والجبنة المجلدة، ومعتبرا أن طعام العساكر يختلف فعليا عن طعام الضباط.


وبعد ذلك، تدخل حساب يحمل معرف دكستر لتصحيح صفة الشاب الظاهر في المقطع، موضحا أن الشرطتين على كتفه تعنيان أنه طالب في السنة الثانية بالكلية الحربية، لا عسكريا مجندا بالمعنى الدارج.


لكن التصحيح لم يغلق النقاش، لأن صاحبه نفسه أقر بأن نقطة اختلاف طعام العساكر عن الضباط صحيحة، وهو ما جعل المسألة أوسع من تحديد رتبة الطالب، وأقرب إلى سؤال العدالة داخل المؤسسة العسكرية.


وفي السياق نفسه، قدم عمر صلاح تفسيرا للفارق داخل منظومة الطعام، فقال إن المواد الخام قد تكون واحدة، لكن الضباط يدفعون تحسينات من جيوبهم تشمل التوابل والبروتين، بينما لا يملك العسكري أو الطالب القدرة نفسها.


غير أن فريد شعبان عاد وشدد على أن تعيين العسكري مختلف كليا عن تعيين الضابط، وأن العسكري يضطر إلى شراء احتياجاته من الكانتين بماله الخاص، وهو ما ينقل العبء من المؤسسة إلى جيب المجند.


ومن هنا تبدو الواقعة أكثر اتساعا من تعليق عابر على جسد طالب، لأن السؤال عن البنية بعد عام تدريب يتجاهل حجم الطعام، ونوعية البروتين، وساعات النوم، وضغط التمرين، وقدرة الشاب المالية داخل المعسكر.


ويخدم رأي الباحث يزيد صايغ هذا المحور، إذ تناول في دراساته توسع الاقتصاد العسكري المصري وضعف الرقابة المدنية عليه، بما يوضح كيف تتحرك الموارد داخل المؤسسة بعيدا عن مساءلة علنية أو شفافية تكشف الفوارق.


لذلك لم ير المتابعون في سؤال السيسي ملاحظة تدريبية بريئة، بل قرأوه كصورة مكثفة لمنظومة تسأل الشاب عن ضعف جسده، بينما لا تطرح السؤال نفسه على الطعام والميزانية والرقابة والظروف اليومية.


إهانة علنية أمام الكاميرا وجرح في ذاكرة الطالب وأسرته


https://www.facebook.com/share/p/1B5Y3F9wG2/


https://x.com/ghofran2031946/status/1836067087817454041


انتقل الجدل بعد ذلك من نوعية الطعام إلى كرامة الطالب، بعدما رأى متابعون أن المشكلة لا تقف عند مضمون السؤال فقط، بل تمتد إلى تصويره ونشره أمام الملايين، رغم أن الشاب ليس مسؤولا عاما.


وعلى فيسبوك، كتب الإعلامي أيمن عزام منشورا قال فيه إن الموقف أثار غضبه كأب، لأنه تخيل ابنه في المشهد نفسه، وسأل عن أثر هذه اللقطة على طالب لا يزال في بداية حياته العسكرية.


كما اعتبر عزام أن تصوير الموقف لم يكن تسريبا عارضا، بل جزءا من نشر مقصود، متسائلا عن سبب تحويل نصيحة مزعومة إلى مشهد عام قد يظل ملازما للطالب داخل محيطه وزملائه وأسرته.


وبالتفاعل مع المنشور، كتب حساب باسم عادل بوب أن الواقعة لا تبدو غريبة على سلطة اعتادت إهانة المواطنين، وربط المشهد بالتجنيد الإجباري وما يتعرض له المجندون من مذلة داخل وحدات الخدمة.


ثم جاءت شهادة غفران لتضيف بعدا أسريا مباشرا، إذ قالت إن ابنها المجند فقد نحو 10 كيلو من وزنه خلال الخدمة، بسبب وجبات محدودة وتدريبات متعددة، مؤكدة أن شبابا كرهوا حياتهم داخل المعسكر.


وأشارت غفران في شهادتها إلى أن الطعام لا يتجاوز في أحيان كثيرة قطعة جبنة ورغيفا، بينما تستمر التدريبات البدنية والنظامية، وهو ما جعل تعليق السيسي على جسد طالب يبدو استفزازا لأهالي المجندين.


وفي مسار مواز، كتب أحمد عبدالرحيم منتقدا طريقة إدارة الحوار نفسها، وقال إن السيسي لم يكلف نفسه النزول من السيارة، وربط ذلك بمنطق الحديث مع الناس من موقع أعلى بينما يقفون خلفه أو أمامه.

 

ويعزز رأي أستاذ العلوم السياسية روبرت سبرينغبورغ هذا المحور، لأنه كتب طويلا عن عسكرة الحكم في مصر، وعن تأثير البنية السلطوية على علاقة الدولة بالمواطنين، حيث يتحول الانضباط إلى أداة إخضاع لا حماية.


بذلك خرجت اللقطة من إطار البروتوكول العسكري إلى مساحة الإهانة العامة، لأن الطالب ظهر فردا وحيدا أمام رأس السلطة، بينما غابت المؤسسة كلها عن المساءلة بشأن ظروف التدريب والغذاء والمعاملة داخل الأكاديمية والمعسكرات.


ولهذا لم يكن غضب الأهالي مجرد تعاطف عاطفي مع طالب، بل كان دفاعا عن آلاف الشباب الذين يدخلون الخدمة الإلزامية بأجسادهم وأعصابهم، ثم يخرج بعضهم أقل وزنا وأكثر إنهاكا وخوفا من الكلام.


السخرة باسم الواجب وتحويل المجند إلى عامل بلا أجر


اتسع النقاش بعد ذلك إلى طبيعة المهام التي يؤديها المجندون خارج التدريب العسكري، بعدما كتب محمد السلحب أن الجندي المصري لا يقف فقط على الحدود، بل قد يجد نفسه يبيع منتجات أو يعمل في مشروعات اقتصادية.


وعدد السلحب أمثلة من قطاعات قال إن الجيش يعمل فيها، بينها المكرونة ولبن الأطفال والسكر والزيت والشيبسي ومزارع الأسماك والجمبري والأعلاف، معتبرا أن المجند يعمل إجباريا بلا راتب حقيقي تحت اسم الخدمة العسكرية.


ثم جاءت شهادة أنس حبيب لتضع النقاش في صورة أكثر تفصيلا، حين تحدث عن مجندين يعملون في فنادق ومنتجعات تابعة للمجلس العسكري، ومن بينها فندق جويل الأقصر، بدلا من التدريب على السلاح والمهام القتالية.


وقال حبيب إن موظف الاستقبال الذي رد عليه في الفندق كان مجندا يؤدي خدمته الإلزامية، واعتبر ذلك صورة من السخرة، لأن المؤسسة لا تدفع له أجرا عادلا مقابل عمل مدني داخل منشأة ربحية.


كما نقل حبيب عن أحد من قضوا خدمتهم أن مقاطع الجاهزية العسكرية تصنع للشعب، بينما يعيش العسكري داخل الوحدات بوصفه أقل حلقة في السلسلة، يتلقى أوامر قاسية ولا يكتسب تدريبا عسكريا حقيقيا كافيا.


وفي هذا السياق، يخدم رأي الباحث تيموثي كالداس بناء الفقرة بوضوح، لأنه تناول تمدد الشركات المرتبطة بالنظام داخل الاقتصاد المصري، وشرح كيف تخلق هذه البنية منافسة غير عادلة وتخلط بين الدولة والسوق والسلطة.


ومن ثم يصبح عمل المجند داخل منشأة خدمية أو إنتاجية جزءا من اقتصاد سياسي مغلق، لا مجرد تكليف إداري عابر، لأن الشاب لا يملك حق الرفض ولا التفاوض ولا الأجر العادل ولا الرقابة المستقلة.


وعند هذه النقطة، أعاد الباحث محمود جمال نشر تصريحات قديمة لقادة عسكريين بعد يوليو 2013، بينها حديث اللواء أحمد وصفي الذي قال إن الانقلاب يعني تولي عسكريين مقاليد الدولة، وإن السيسي بقي وقتها وزيرا للدفاع.


كما استعاد جمال حديث الفريق أسامة عسكر للضباط والجنود، حين قال إن ما جرى ليس انقلابا عسكريا بل إرادة شعب، مستندا إلى أن وزير الدفاع لم يصبح رئيسا للجمهورية في تلك اللحظة.


غير أن المسار اللاحق منح هذه الاقتباسات معنى مضادا، لأن السيسي انتقل من وزارة الدفاع إلى الرئاسة، بينما تمددت المؤسسة العسكرية في الاقتصاد، وبقي المجند في قاع الهرم يدفع ثمن السلطة بجسده ووقته.


وعلى هذا الأساس، تحولت لقطة الأكاديمية العسكرية إلى ملف مفتوح لا يغلق بسؤال عابر، لأنها جمعت بين الطعام الضعيف، والإهانة العلنية، والعمل القسري، والفوارق داخل المؤسسة، وتغييب أي رقابة مدنية حقيقية.


وتنتهي الواقعة إلى خلاصة قاسية على حكومة السيسي، وهي أن السلطة التي تسأل طالبا عن ضعف جسده تتجاهل عمدا من أضعف غذاءه، ومن أرهق يومه، ومن حوّل خدمته من واجب وطني إلى عبء بلا كرامة.