بينما تتحدث الحكومة المصرية عن تشجيع الطاقة النظيفة وتوطين صناعة السيارات، تدرس فرض رسوم جمركية بنحو 5% على السيارات الكهربائية المستوردة بالكامل، بعد سنوات من تمتعها بإعفاء جمركي كامل بنسبة 0%.

القرار المقترح، الذي يُسوَّق باعتباره وسيلة لحماية التصنيع المحلي، يعني عمليًا تحميل المستهلك تكلفة إضافية ورفع أسعار السيارات الجاهزة، في سوق لا تمتلك حتى الآن إنتاجًا محليًا واسعًا أو بديلًا كافيًا يضمن المنافسة والجودة.

 

وتزداد الشكوك حول توقيت الخطوة مع دخول مجموعات اقتصادية نافذة إلى صناعة وتجميع السيارات، في مقدمتها مجموعة العرجاني، التي توسعت في قطاع السيارات عبر «أوتو موبيليتي» وعلامة جيلي، ومجموعة الصافي، الشريك الخاص في شركة «إس إن أوتوموتيف» مع شركة النصر للسيارات الحكومية، والمسؤولة عن تقديم سيارات دونغ فينغ وفويا وإم هيرو.

وهذه العلاقات لا تثبت أن المجموعتين طلبتا الرسوم أو دفعتا نحو إقرارها، خاصة أن الشركات الثلاث التي تقدمت بطلبات إلى وزارة الصناعة لم تُكشف أسماؤها، لكنها تضع العرجاني والصافي بوضوح بين أبرز المستفيدين المحتملين من تحصين التجميع المحلي بحاجز جمركي أمام المنافس المستورد.

 

 

5% جديدة يدفعها المواطن.. والحكومة تسميها حماية للصناعة

 

تتمتع السيارات الكهربائية المستوردة بالكامل حاليًا بإعفاء جمركي بنسبة 0%، مع خضوعها لضريبة القيمة المضافة البالغة 14%.

لكن الحكومة تدرس إنهاء هذا الإعفاء الجزئي وفرض جمارك بنحو 5% للمرة الأولى، بدعوى معالجة الفجوة بين السيارة الجاهزة والمصانع المحلية التي تدفع نحو 2% رسومًا جمركية على مكونات الإنتاج المستوردة، إلى جانب ضريبة القيمة المضافة.

 

المفارقة أن الحكومة اختارت معالجة العبء المفروض على المنتج المحلي بإضافة عبء جديد على المستهلك، بدلًا من تخفيض رسوم المكونات، وتقديم حوافز مرتبطة بنسبة التصنيع الفعلية، وإلزام الشركات بأسعار تنافسية ونقل حقيقي للتكنولوجيا.

 

وبدلًا من بناء صناعة قادرة على منافسة الواردات من حيث السعر والجودة، يجري التفكير في رفع تكلفة الواردات كي تبدو منتجات التجميع المحلي أكثر جاذبية.

 

وبحسب ستة مصادر، بينهم أربعة مسؤولين حكوميين تحدثوا لـ«الشرق بلومبرغ» شريطة عدم نشر أسمائهم، تجري مشاورات بين وزارات المالية والاستثمار والصناعة لتقييم آثار القرار، تمهيدًا لإحالة الدراسة إلى مجلس الوزراء لاتخاذ قرار نهائي قبل نهاية 2026.

كما تقدمت ثلاث شركات بطلبات إلى وزارة الصناعة لتعديل منظومة الرسوم بما يسمح لها بإقامة مشروعات لإنتاج السيارات الكهربائية وتعزيز قدرتها على منافسة الواردات، من دون إعلان هوية هذه الشركات أو تفاصيل مطالبها.

 

غياب الشفافية هنا ليس تفصيلًا هامشيًا. فعندما يتأثر سوق كامل بطلبات مقدمة من شركات خاصة، يصبح من حق الرأي العام معرفة أصحاب الطلبات، وحجم استثماراتهم، ونسبة المكون المحلي التي يلتزمون بها، وما إذا كان المقصود تصنيعًا حقيقيًا أم مجرد تجميع لمكونات مستوردة خلف جدار جمركي يدفع ثمنه المواطن.

 

وتأتي الخطوة رغم القفزة الكبيرة في أعداد المركبات الكهربائية.

فقد ارتفع العدد خلال النصف الأول من العام الحالي بنحو 190%، ليصل إلى 11600 مركبة، مقابل 3972 مركبة في الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات المجمعة المصرية للتأمين الإلزامي على المركبات.

كما تجاوز عدد السيارات الكهربائية الموجودة في السوق 20 ألف وحدة بنهاية 2025، مع توقعات بوصوله إلى نحو 30 ألف وحدة بنهاية 2026.

 

بدلًا من استثمار هذا النمو في توسيع محطات الشحن وخفض تكلفة الكهرباء وتحسين خدمات الصيانة والضمان، تتحرك الحكومة نحو فرض رسم جديد قد يبطئ الطلب ويعيد شريحة من المواطنين إلى سيارات الوقود التقليدي، بما يناقض الخطاب الرسمي عن التحول الأخضر وتقليل الاعتماد على الوقود.

 

 

العرجاني و«الصافي» على خط الاستفادة.. حماية المنافسة أم تحصين الكبار؟

 

الحديث عن «حماية الصناعة المحلية» لا يمكن فصله عن خريطة المصالح الجديدة في قطاع السيارات.

فمجموعة العرجاني دخلت السوق عبر شراكة «أوتو موبيليتي» مع مجموعة الغانم الكويتية، وارتبط اسمها بوكالة وتصنيع سيارات جيلي في مصر.

كما أعلن عصام العرجاني، الرئيس التنفيذي للمجموعة، استهداف رفع استثماراتها في قطاعي السيارات والسياحة إلى مليار دولار خلال خمسة أعوام، بواقع 500 مليون دولار لكل قطاع.

وجرى افتتاح مصنع جيلي ضمن خطط المجموعة للتوسع في الصناعة المحلية.

 

أما مجموعة الصافي، فدخلت في تحالف مباشر مع شركة النصر للسيارات الحكومية لتأسيس شركة «إس إن أوتوموتيف».

ويقدم التحالف علامات دونغ فينغ وفويا وإم هيرو، مع خطة لتجميع وتصنيع مركبات محليًا، بينها أول سيارة كهربائية مرتقب طرحها من مصنع النصر خلال الأسابيع المقبلة، وفق تصريحات يحيى عبد الحليم، الرئيس التنفيذي لـ«إس إن أوتوموتيف».

وتؤكد مجموعة الصافي رسميًا أن الشركة شراكة بينها وبين النصر للسيارات وتمثل العلامات الثلاث.

 

وتحالف النصر–الصافي لا يقدم السيارات الكهربائية فقط، بل أعلن مجموعة من تسع سيارات من دونغ فينغ تعمل بالبنزين والكهرباء، إضافة إلى سيارات هايبرد وREEV وPlug-in Hybrid، مع خطة لإنشاء 25 نقطة بيع وخدمة خلال السنة الأولى.

 

في ضوء هذه الخريطة، فإن فرض رسوم على السيارات الكهربائية الجاهزة سيمنح المنتجات المجمعة محليًا مساحة سعرية أوسع، ويقلل الضغط التنافسي القادم من الخارج.

لذلك ستكون شركات العرجاني والصافي، إلى جانب أي مصنع أو مجمع محلي آخر، ضمن دائرة الاستفادة الاقتصادية المباشرة المحتملة.

لكن لا توجد في المعلومات المنشورة حتى الآن أدلة تثبت أنهما من بين الشركات الثلاث صاحبة طلب تعديل الرسوم، ومن غير المهني تحويل التقاطع الواضح في المصالح إلى اتهام قاطع من دون مستند.

 

المشكلة الأساسية ليست أن تحقق شركة خاصة أرباحًا من الاستثمار، بل أن تُصاغ السياسة الجمركية بطريقة قد تحمي كبار الداخلين إلى السوق من المنافسة، من دون ضمانات معلنة للأسعار أو الجودة أو نسبة المكون المحلي أو حماية المستهلك.

فتوطين الصناعة لا يعني استبدال احتكار المستورد باحتكار المجمع المحلي، ولا يجوز أن يصبح اسم «الإنتاج الوطني» ستارًا لمنح مجموعات بعينها سوقًا محصنة.

 

 

40 علامة تحت ضغط القرار.. وخبير يحذر من العودة إلى سيارات الوقود

 

تضم السوق المصرية حاليًا نحو 40 علامة تجارية للسيارات الكهربائية.

ومن الأسماء الواردة في السوق: شيري، وإكس بينغ، وأفاتار، وزيكر، ودونغ فينغ، وبورشه، ومرسيدس، وهيونداي، وسمارت، وكيا، وIM، وأودي، ولينك أند كو، وروكس، وبي إم دبليو، وميني كوبر، وجاغوار، وإليوس، وجيلي، وإم جي، ولوتس، وفولفو، وجينيسيس، وديبال، وهونشي، وفويا، وإم هيرو، وLI، وشانغان، وكاديلاك، وبي واي دي.

 

كل هذه العلامات ستواجه تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر إذا فُرضت الرسوم على الطرازات الكهربائية المستوردة بالكامل.

وقد ينعكس رسم الـ5% بأكثر من قيمته الاسمية على السعر النهائي، بعد إضافة تكاليف التمويل والتخزين وهوامش الوكلاء والموزعين، في سوق يعاني أصلًا من تقلبات العملة وصعوبات الاستيراد والشحن.

 

أحمد زين، رئيس لجنة سيارات الطاقة النظيفة في شعبة السيارات بغرفة القاهرة التجارية، حذر من أن فرض الرسوم في الوقت الحالي سيؤثر سلبًا على السوق ويعطل انتشار السيارات النظيفة، خصوصًا مع الانتشار المتزايد لسيارات REEV والهايبرد.

وأكد أن التصنيع المحلي يحتاج إلى وقت، وأن مشكلات الشحن تضع بالفعل قيودًا أمام الاستيراد، ما يجعل توقيت الرسوم غير مناسب.

 

ويرى زين أن فرضها قد يصبح أكثر ملاءمة بعد وصول التصنيع المحلي إلى مرحلة متقدمة خلال نحو خمس سنوات، بما يتيح تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي وتغطية احتياجات السوق وإمكان التصدير إلى الدول المجاورة.

كما حذر من أن رفع الأسعار الآن قد يدفع المستهلكين إلى العزوف عن السيارات الكهربائية والعودة إلى السيارات التقليدية العاملة بالوقود.

 

وهنا يتكشف جوهر الأزمة: الحكومة تريد حماية صناعة لم تنضج بعد من خلال معاقبة سوق بدأت للتو في النمو.

والأخطر أن المستهلك سيُطلب منه تمويل هذه الحماية من جيبه، بينما تدخل مجموعات كبرى، بينها العرجاني والصافي، مرحلة توسع واسعة في القطاع.

 

إن كانت الحكومة جادة في «التوطين»، فعليها نشر أسماء الشركات الثلاث التي طلبت تعديل الرسوم، وكشف دراسات التكلفة، ونسب المكون المحلي، وحجم فرص العمل، وخطط نقل التكنولوجيا، والمدة الزمنية الممنوحة لكل مصنع.

أما فرض 5% أولًا، ثم انتظار أن تتحول عمليات التجميع إلى صناعة حقيقية لاحقًا، فهو أقرب إلى حماية مصالح المنتجين الجدد منه إلى بناء سوق عادلة.

 

فالسياسة الصناعية التي تبدأ بزيادة السعر على المواطن، من دون بديل محلي واسع ومتاح ومثبت الجودة، ليست دعمًا للطاقة النظيفة؛ بل فاتورة جديدة تُفرض باسم الصناعة، بينما تذهب مساحة الاستفادة الأكبر إلى الشركات التي سبقت الجميع إلى خطوط التجميع، وفي مقدمتها -بحكم مواقعها الحالية- ، مجموعتا العرجاني والصافي.