كشفت الحكومة، عبر مشروع قانون الأسرة الجديد، عن تعديل واسع في قواعد الرؤية والاستزارة والنفقة، يضع الأطفال بعد انفصال الوالدين أمام منظومة قضائية أكثر تفصيلا، لكنه يكشف أيضا تأخر الدولة في علاج نزاعات أنهكت آلاف الأسر.
ويأتي المشروع بعد سنوات من تكدس محاكم الأسرة بقضايا نفقة ورؤية وحضانة، بينما دفعت الأمهات والأطفال والآباء غير الحاضنين كلفة بطء التشريع، وغياب آليات تنفيذ عادلة تمنع الانتقام الأسري وتحمي الصغير من الابتزاز المتبادل.
نفقة معلقة ورؤية مشروطة بدل حل جذري للنزاع
في البداية، يضع مشروع قانون الأسرة الجديد المادة 143 في قلب الخلاف، لأنها تربط حق الرؤية بالالتزام بالنفقة، وتسقط هذا الحق عن الأب أو صاحب الرؤية إذا امتنع عن السداد دون عذر مقبول.
وبهذا الربط، يحاول المشروع وقف استخدام الطفل كورقة ضغط، لكنه يكشف في الوقت نفسه عجز الحكومة عن بناء آلية سريعة لتحصيل النفقة قبل تحويل حرمان الرؤية إلى أداة ردع قضائية.
كما يمنح النص الطفل حماية مالية مباشرة، لأن النفقة تمثل احتياجا يوميا لا ينتظر مناورات الخصوم داخل المحاكم، لكن التأخير في التحصيل يجعل الطفل الطرف الأضعف في معركة لا يملك أدواتها.
غير أن صياغة السقوط المؤقت للرؤية تفتح سؤالا عمليا مهما، لأن المحكمة يجب أن تميز بين الممتنع عن السداد عمدا وبين العاجز فعلا، حتى لا يتحول القانون إلى عقوبة تلقائية بلا فحص دقيق.
ومن هنا، تخدم نهاد أبو القمصان هذا المحور بوضوح، لأنها تربط في مداخلاتها بين قانون الأسرة وصراع القوة داخل البيت، وترى أن الحماية الحقيقية تبدأ من منع الأقوى من استخدام القانون ضد الأضعف.
وعلى هذا الأساس، لا تكفي عبارة العذر المقبول وحدها، لأن القاضي يحتاج مستندات دخل ومصروفات وإجراءات تحقق سريعة، وإلا ستعود الأسرة إلى دائرة جديدة من الطعون والمنازعات حول القدرة المالية.
في المقابل، يحمي المشروع صاحب الحضانة والطفل من صاحب رؤية يتغيب بلا إخطار، حيث تجيز المادة 146 وقف الرؤية مؤقتا لمدة تصل إلى 3 أشهر إذا تكرر الغياب 3 مرات متتالية.
ويكشف هذا الحكم جانبا مهملًا من الأزمة، لأن بعض أصحاب الحق في الرؤية يستخدمون مواعيد الزيارة لإرباك حياة الطفل والحاضن، ثم يتركون الأسرة أمام انتظار مرهق لا ينتهي باعتذار واضح.
لذلك يعالج المشروع مشكلة الانضباط في الحضور، لكنه لا يعالج وحده نقص أماكن الرؤية اللائقة، ولا يضمن وجود بيئة إنسانية تراعي سن الطفل وحالته النفسية داخل منظومة تنفيذ مزدحمة.
ثم تظهر أهمية رأي هدى بدران في هذا السياق، لأنها تنطلق من زاوية حماية الطفل والأسرة لا من زاوية انتصار طرف على طرف، وهو ما يجعل مصلحة الصغير معيارا أعلى من غضب الكبار.
رؤية بلا قوة جبرية وغرامات لا تكفي وحدها
على صعيد التنفيذ، تحظر المادة 142 تنفيذ الرؤية بالقوة الجبرية أو الاستعانة بالسلطات العامة، وهذا الحظر يعترف بأن مشهد انتزاع الطفل بالقوة يترك ضررا نفسيا قد يتجاوز أثر الخلاف الأصلي.
لكن النص نفسه يضع الدولة أمام اختبار صعب، لأن منع القوة لا يجب أن يعني ترك الحكم القضائي بلا قيمة، ولا يجب أن يمنح الحاضن الممتنع فرصة لتعطيل الرؤية بحسابات شخصية.
ولهذا يقرر المشروع غرامة تبدأ من 1000 جنيه وتصل إلى 5000 جنيه ضد الحاضن الذي يمنع الرؤية عمدا، وتتضاعف العقوبة مع التكرار، بما يحاول خلق كلفة مالية لتعطيل الحكم.
مع ذلك، تبدو الغرامة محدودة إذا قورنت بحجم النزاع الأسري، لأن الطرف المصر على المنع قد يتعامل معها كثمن مقبول للاستمرار، خاصة إذا ظلت إجراءات التحصيل بطيئة أو غير رادعة.
بعد ذلك، يفتح المشروع باب نقل الحضانة مؤقتا لمدة 3 أشهر إلى جهة أخرى، ثم إسقاطها نهائيا عند الإصرار على حرمان الطرف الآخر دون مبرر، وهو أخطر تدخل داخل بنية الأسرة.
ويحتاج هذا الإجراء إلى رقابة قضائية دقيقة، لأن نقل الحضانة لا يعاقب الحاضن وحده، بل يغير حياة الطفل اليومية ومكانه وروتينه، وقد يضيف صدمة جديدة إذا استخدم بلا بحث اجتماعي جاد.
وفي هذا الموضع، تخدم عزة سليمان محور التطبيق القضائي، لأنها تنتقد منذ سنوات مشكلات قانون الأحوال الشخصية من ناحية التشريع والتنفيذ، وتربط عدالة النص بقدرة المحكمة على حماية الطرف الأضعف فعليا.
لذلك لا يجوز أن تكتفي الدولة بنصوص عقابية، لأن نجاح القانون يحتاج مكاتب تسوية فعالة، وخبراء اجتماعيين مستقلين، وقضاة يملكون وقتا كافيا لفحص الوقائع بدل إصدار قرارات وسط زحام القضايا.
كما أن منع القوة الجبرية يتطلب بدائل تنفيذية واضحة، مثل أماكن رؤية مؤهلة، ومواعيد مرنة، وإخطار موثق، ومحاضر دقيقة تثبت الحضور والغياب، حتى لا يتحول النزاع إلى روايات متضاربة.
وبالتوازي، يعاقب المشروع من يمتنع عمدا عن إعادة الطفل للحاضن بعد الاستزارة بالحبس مع الشغل مدة لا تقل عن 6 أشهر، مع إلزام المحكمة بتسليم الصغير بشكل فوري.
وتوضح هذه العقوبة أن الاستزارة ليست بابا لخطف مقنع داخل الأسرة، لكنها تطرح أيضا مسؤولية الدولة عن سرعة التدخل، لأن أي تأخير في إعادة الطفل يرفع المخاطر النفسية والقانونية على الصغير.
الاستزارة الإلكترونية وسن 15 لا ينهيان عبء المحاكم
في جانب آخر، يسمح المشروع باستبدال الرؤية المباشرة برؤية إلكترونية عبر وسائل الاتصال الحديثة، أو الجمع بين الصيغتين بقرار قضائي، على ألا تقل المدة الإجمالية عن 3 ساعات أسبوعيا.
ويبدو هذا التطور مواكبا لواقع الهجرة الداخلية والعمل والسفر، لكنه يحمل خطرا واضحا إذا تحول إلى بديل رخيص عن اللقاء الإنساني، أو استخدم لتقليل حق الطفل في علاقة طبيعية مع والديه.
كما يحتاج تنفيذ الرؤية الإلكترونية إلى قواعد تفصيلية تحمي خصوصية الطفل، لأن الاتصال عبر الهاتف أو الكاميرا قد يتحول إلى مراقبة أو ضغط، خاصة عندما يجلس الطفل بجوار طرف يخشى غضبه.
ولهذا لا يمكن التعامل مع التقنية كحل سحري، لأن الأسرة المتنازعة قد تنقل الخلاف إلى الشاشة نفسها، بينما يحتاج الطفل إلى شعور بالأمان لا توفره وسيلة الاتصال وحدها.
ومن الناحية الإجرائية، يراعي المشروع سن الطفل وحالته الصحية عند تحديد مدة الرؤية، لكن التطبيق سيظل مرهونا بمدى كفاءة تقارير الخبراء الاجتماعيين والنفسيين داخل محاكم الأسرة.
ثم تنهي المادة 148 حق الرؤية القانوني التلقائي عند بلوغ الصغير أو الصغيرة سن 15 عاما، وتترك الزيارات بعد ذلك لإرادة الأبناء الحرة دون خصومة جديدة أو إلزام قضائي مباشر.
ويحمل هذا الحكم اعترافا متأخرا بإرادة الطفل المراهق، لكنه لا يعالج آثار سنوات النزاع السابقة، لأن الابن الذي عاش بين المنع والضغط قد لا يمتلك حرية نفسية كاملة عند الاختيار.
كما أن إسقاط الحق القانوني عند 15 عاما لا يعني نهاية مسؤولية الدولة، لأن الطفل يحتاج قبل هذا السن إلى حماية مستقرة تمنع صناعة القطيعة، لا مجرد إعلان حرية الاختيار بعد تراكم الضرر.
في المحصلة، يطرح المشروع مواد أكثر تفصيلا من الوضع السابق، لكنه يظل محكوما بسؤال التنفيذ، لأن النصوص التي تربط النفقة والرؤية والحضانة لن تحمي الطفل إذا ظلت المحاكم بطيئة والجهات المعاونة ضعيفة.
وعليه، تكشف مواد الرؤية والاستزارة عن محاولة متأخرة لضبط نزاع تركته الدولة سنوات داخل ساحات المحاكم، بينما كان الأطفال يحتاجون منذ البداية إلى نفقة سريعة، ورؤية آمنة، وحضانة مستقرة، وقضاء لا يرهقهم.
وفي النهاية، لا تكفي قسوة العقوبات ولا حداثة الرؤية الإلكترونية لإنقاذ الأسرة، لأن الحكومة مطالبة بإثبات أن الطفل ليس ملفا إداريا جديدا، بل صاحب حق يومي في الحماية والإنفاق والعلاقة الآمنة.

