حذرت حركة المقاومة الفلسطينية حماس، السبت، من خطورة الإجراءات الجديدة التي فرضتها إدارة سجن عوفر الإسرائيلي على الأسرى الفلسطينيين، مؤكدة أن التصعيد داخل المعتقل يمثل امتدادا لسياسة قمعية تستهدف عزل الأسرى وإضعاف تواصلهم القانوني والإنساني.
ويأتي التحذير بعد كشف مكتب إعلام الأسرى عن نقل الأسرى بين الأقسام مقيدي الأيدي إلى الخلف، وتركيب كاميرات داخل غرف اللقاءات القانونية مع المحامين، وتقليص مدة الزيارات، بالتزامن مع تدهور صحي وانتشار مرض الجرب داخل أقسام السجن.
قيود خلف الظهر وسجانون ملثمون
قالت حماس إن الإجراءات الجديدة في سجن عوفر تعبر عن تماد في سياسة الاحتلال ضد الأسرى والأسيرات، معتبرة أن ما يجري داخل السجون لا ينفصل عن حالة التصعيد الإسرائيلي الشامل ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس.
وأضافت الحركة، في بيان عبر قناتها الرسمية على تلجرام، أن هذا التصعيد المتواصل لن يكسر إرادة الأسرى أو يضعف ثباتهم، مؤكدة أن قضية الأسرى تظل أولوية وطنية لا تقبل التهميش أو المساومة.
وبحسب مكتب إعلام الأسرى، بدأت إدارة سجن عوفر فرض إجراءات أكثر تشددا خلال نقل الأسرى من أقسامهم إلى غرف لقاء المحامين، حيث يجري إخراجهم وهم مقيدو الأيدي إلى الخلف وتحت إشراف سجانين ملثمين.
وتعكس هذه الإجراءات، بحسب المكتب، نمطا إذلاليا متعمدا، لأن التقييد إلى الخلف لا يرتبط فقط بالسيطرة الأمنية داخل السجن، بل يحمل رسالة نفسية تهدف إلى كسر الأسير أثناء انتقاله داخل المعتقل.
كما يمثل وجود السجانين الملثمين جزءا من بيئة ترهيب مستمرة، إذ يجد الأسير نفسه أمام قوة مجهولة الهوية، بما يزيد شعوره بالعزلة والخطر، ويجعل أي شكوى لاحقة أكثر صعوبة في التوثيق والملاحقة.
ويأتي هذا التصعيد داخل عوفر ضمن سياسة أوسع اتبعتها إدارة السجون الإسرائيلية منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023، حيث تحدثت مؤسسات حقوقية وأسرى محررون عن تدهور واضح في ظروف الاحتجاز والغذاء والعلاج والزيارات.
ولذلك، لا تبدو إجراءات عوفر حادثا إداريا منفصلا، بل حلقة جديدة في منظومة ضغط داخل السجون، تستخدم القيود والعزل وتقليص التواصل القانوني لزيادة السيطرة على الأسرى ومنع وصول رواياتهم إلى الخارج.
كاميرات في غرف المحامين
في تطور أشد خطورة، قال مكتب إعلام الأسرى إن إدارة سجن عوفر ركبت كاميرات مراقبة داخل غرف اللقاءات القانونية مع المحامين، إلى جانب تقليص مدة الزيارة القانونية، بما يضرب جوهر حق الدفاع وسرية التواصل بين الأسير ومحاميه.
وتفتح هذه الخطوة بابا واسعا للتجسس على مضمون اللقاءات القانونية، لأن غرفة المحامي ليست مساحة زيارة اجتماعية، بل قناة أساسية لنقل شكاوى الأسرى وتوثيق الانتهاكات ومتابعة الملفات أمام المحاكم والجهات الحقوقية.
كما يؤدي تقليص مدة اللقاءات إلى تعطيل قدرة الأسرى على شرح أوضاعهم الصحية والقانونية، خاصة أن كثيرا من القضايا تحتاج مراجعة تفصيلية للإجراءات والأحكام والاعتقال الإداري وشكاوى التعذيب أو الإهمال الطبي.
وحذرت حماس من أن هذه الإجراءات تأتي نتيجة طبيعية للصمت الدولي على جرائم الاحتلال، معتبرة أن غياب المحاسبة يشجع إدارة السجون على توسيع الانتهاكات بدلا من وقفها أو مراجعتها.
ودعت الحركة الدول والهيئات الأممية إلى التحرك لعزل الاحتلال والضغط عليه ولجم ممارساته، كما حثت المؤسسات الحقوقية والإنسانية على تحمل مسؤولياتها والتحرك العاجل لوقف الانتهاكات المتصاعدة بحق الأسرى.
وتكتسب غرف المحامين أهمية خاصة داخل السجون الإسرائيلية، لأنها أصبحت في ظل القيود المفروضة على الزيارات العائلية والحقوقية أحد المسارات القليلة التي يستطيع الأسير من خلالها نقل صوته إلى العالم الخارجي.
ومن ثم، فإن وضع كاميرات داخل هذه الغرف لا يستهدف الأسير وحده، بل يستهدف أيضا المحامي والدور الحقوقي نفسه، لأنه يخلق حالة رقابة تمنع الحديث الحر عن التعذيب والجوع والمرض وسوء المعاملة.
وقد جاء هذا التصعيد بعد أيام من قرار للمحكمة العليا الإسرائيلية بإلغاء حظر زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين، وهو قرار كشف حجم الضغط الحقوقي حول أوضاع السجون لكنه لم يضمن بعد عودة الرقابة الفعلية.
هزال وجرب وإهمال طبي
على المستوى الصحي، حذر مكتب إعلام الأسرى من تدهور خطير داخل سجن عوفر، مشيرا إلى ظهور علامات هزال وضعف شديد على أجساد عدد من الأسرى، بالتزامن مع تجدد انتشار مرض الجرب في الأقسام.
ويربط المكتب بين انتشار المرض وبين الإهمال الطبي وغياب شروط النظافة الأساسية، وهي اتهامات تكررت خلال الأشهر الأخيرة في بيانات مؤسسات فلسطينية قالت إن الجرب ينتشر داخل أكثر من سجن بسبب الاكتظاظ وحرمان الأسرى من العلاج والملابس النظيفة.
وتكشف هذه المؤشرات أن إدارة السجون لا تمارس تضييقا أمنيا فقط، بل تترك الأسرى أمام دائرة مرض وجوع وعزل، بما يحول الزنزانة إلى بيئة إنهاك جسدي ونفسي طويل المدى.
كما أن انتشار الجرب داخل الأقسام يحمل دلالة خطيرة، لأنه مرض جلدي معد يحتاج علاجا ونظافة وتهوية وتقليل احتكاك، بينما تؤدي ظروف السجن والاكتظاظ وتقليص الحركة إلى تسريع انتقاله بين الأسرى.
وتؤكد شهادات وتقارير حقوقية حديثة أن أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية شهدت تدهورا حادا منذ أكتوبر 2023، مع شكاوى متكررة من قلة الطعام، وحرمان من العلاج، واعتداءات جسدية، وعزل، ومنع للزيارات.
وتقول مؤسسات الأسرى إن عدد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية تجاوز 9,400 أسير، بينهم آلاف رهن الاعتقال الإداري، ما يجعل أي سياسة صحية أو عقابية داخل السجون ذات أثر واسع على مجتمع فلسطيني كامل.
وبناء على ذلك، يصبح التحذير من إجراءات عوفر أكثر من رد سياسي على قرار سجني جديد، لأنه يوثق مرحلة يتداخل فيها القمع القانوني مع الإنهاك الصحي والتعتيم الإعلامي داخل منظومة احتجاز مغلقة.
وفي النهاية، تظهر أزمة عوفر كاختبار جديد للمنظمات الدولية، لأن ترك الأسرى بين القيود والكاميرات والجرب يعني منح إدارة السجون مساحة أوسع للعقاب بلا رقابة، بينما يحتاج الأسرى إلى حماية عاجلة تضمن العلاج والزيارة القانونية والكرامة الإنسانية.

