رغم الآمال الضخمة التي يعلقها المستثمرون والحكومات والشركات الكبرى على تقنيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، تتزايد التحذيرات من أن الأسواق قد تكون بصدد بناء فقاعة استثمارية ضخمة تشبه إلى حد بعيد فقاعة شركات الإنترنت التي انفجرت مطلع الألفية الجديدة، مخلفة خسائر هائلة في الأسواق العالمية.

 

ويشير محللون اقتصاديون إلى أن الإمكانات التقنية للذكاء الاصطناعي لا تزال هائلة وقادرة على إحداث تحول جذري في مختلف القطاعات الاقتصادية، إلا أن العائدات المالية المتوقعة قد لا تتحقق بالسرعة الكافية لتبرير التقييمات الحالية التي وصلت إليها أسهم الشركات المرتبطة بهذه التكنولوجيا، وهو ما يثير مخاوف متزايدة من احتمال حدوث تصحيح حاد أو انهيار مفاجئ في الأسواق.

 

وفي محاولة لاستشراف تداعيات مثل هذا السيناريو، أجرت "بلومبرغ إيكونوميكس" محاكاة اقتصادية تفترض تراجع مؤشر "إس أند بي 500" الأمريكي بنسبة 20%، بالتزامن مع ارتفاع مستويات عدم اليقين في الأسواق، واتساع فروق العائدات الائتمانية، وتعليق جزء من الاستثمارات الضخمة الموجهة إلى مراكز البيانات والبنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي.

 

وأظهرت نتائج المحاكاة أن الاقتصاد العالمي قد يتكبد خسائر تصل إلى نحو 1.6 تريليون دولار خلال العام الأول فقط من انفجار الفقاعة، فيما ستكون الاقتصادات الأكثر ارتباطاً بصناعة الرقائق الإلكترونية، وعلى رأسها تايوان وكوريا الجنوبية، من بين أكبر المتضررين.

 

سباق محموم نحو الذكاء الاصطناعي


منذ إطلاق تطبيق "تشات جي بي تي" أواخر عام 2022، شهد العالم تسارعاً غير مسبوق في وتيرة تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تخللته ابتكارات متلاحقة أعادت رسم ملامح العديد من الصناعات، بدءاً من البرمجيات وصولاً إلى الروبوتات والأنظمة الذكية.

 

وقد انعكس هذا الزخم بصورة مباشرة على الأسواق المالية، حيث قفزت القيمة السوقية للشركات التكنولوجية العملاقة بمئات المليارات ثم تريليونات الدولارات خلال فترة زمنية قصيرة، مدفوعة بتوقعات المستثمرين بأن الذكاء الاصطناعي سيقود موجة نمو تاريخية جديدة.

 

غير أن العديد من الخبراء يرون أن الإيمان بالقدرات الثورية للتكنولوجيا لا يعني بالضرورة أن التقييمات الحالية لأسهم الشركات الرائدة في القطاع تعكس قيمتها الحقيقية، خاصة مع استمرار حالة الضبابية بشأن توقيت تحقيق العوائد الاقتصادية المنتظرة.

 

ويستشهد هؤلاء بتاريخ طويل من الابتكارات الكبرى التي مرت بدورات مشابهة، مثل السكك الحديدية والإنترنت، حيث سبقت موجات الحماس والمضاربات تحقيق المنافع الاقتصادية الفعلية بسنوات طويلة، وغالباً ما تخللتها انهيارات مؤلمة في الأسواق.

 

هل تختلف فقاعة الذكاء الاصطناعي عن فقاعة الإنترنت؟


ويرى بعض المحللين أن الظروف الحالية تختلف نسبياً عن تلك التي سبقت انفجار فقاعة الإنترنت عام 2000، إذ تستند الشركات الكبرى العاملة في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح حقيقية ونماذج أعمال قائمة بالفعل.

 

فشركات تصنيع الرقائق ومقدمو الخدمات السحابية يحققون إيرادات متزايدة نتيجة الطلب المتنامي على القدرات الحاسوبية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمنحهم أساساً مالياً أكثر قوة مقارنة بالعديد من شركات الإنترنت التي كانت تعتمد آنذاك على توقعات مستقبلية غير مؤكدة.

 

لكن هذا لا يمنع استمرار المخاوف من المبالغة في التقييمات، خصوصاً مع ظهور مؤشرات على سلوكيات مضاربية في الأسواق، حيث شهدت بعض الأسهم قفزات كبيرة لمجرد إعلان الشركات ارتباطها بمشروعات أو خطط تتعلق بالذكاء الاصطناعي، دون وجود نتائج تشغيلية واضحة تبرر تلك الارتفاعات.

 

كما أن التراجع الحاد الذي شهدته بعض أسهم البرمجيات عقب صدور تقارير متشائمة بشأن القطاع يعكس هشاشة الثقة لدى شريحة من المستثمرين واعتماد جزء من السوق على التوقعات أكثر من الحقائق الاقتصادية الراهنة.

 

أين تكمن المخاطر الحقيقية؟


تكمن المشكلة الرئيسية في أن شركات التكنولوجيا العملاقة تضخ حالياً مئات المليارات من الدولارات في بناء مراكز البيانات وتوسيع البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

 

ولكي تحقق هذه الاستثمارات عوائد مناسبة، لا بد من انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع بكثير مما يحدث حالياً، إضافة إلى قدرة الشركات المطورة على فرض أسعار مرتفعة مقابل خدماتها ومنتجاتها.

 

إلا أن الواقع يشير إلى أن غالبية المؤسسات لا تزال في مراحل الاختبار والتجريب، حيث يتطلب دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل إعادة هيكلة للأنظمة التقنية والإدارية، وهي عملية معقدة قد تستغرق سنوات طويلة قبل أن تنعكس على الإنتاجية والأرباح.

 

كما أن الدراسات الحديثة لا تقدم صورة حاسمة حول التأثير الاقتصادي للتكنولوجيا الجديدة، إذ أفاد عدد كبير من المديرين التنفيذيين بعدم ملاحظة تغيرات جوهرية في الإنتاجية خلال السنوات الأخيرة رغم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

 

ماذا لو انفجرت الفقاعة؟


في حال فقد المستثمرون ثقتهم في قدرة القطاع على تحقيق العوائد المتوقعة، فإن أولى التداعيات ستظهر في أسواق المال عبر موجة بيع واسعة تؤدي إلى تراجع حاد في أسعار الأسهم.

 

وسينعكس ذلك مباشرة على إنفاق الأسر والشركات، حيث يؤدي تراجع الثروة المالية إلى خفض الاستهلاك والاستثمار، كما تتراجع فرص التوظيف وترتفع معدلات البطالة، في الوقت الذي تتوقف فيه العديد من المشروعات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

 

ووفقاً للسيناريو الذي أعدته "بلومبرغ إيكونوميكس"، فإن الاقتصاد الأمريكي قد يقترب من الركود، مع تراجع النمو بشكل ملحوظ ودخول الاقتصاد في فترات انكماش متتالية إذا وقع الانهيار خلال الفترة المقبلة.

 

وفي المقابل، قد يضطر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى خفض أسعار الفائدة عدة مرات لمواجهة التباطؤ الاقتصادي، كما قد تتجه بنوك مركزية أخرى حول العالم إلى سياسات تحفيزية مشابهة.

 

تايوان وكوريا الجنوبية في قلب العاصفة


تبدو تايوان وكوريا الجنوبية الأكثر عرضة لمخاطر أي تراجع حاد في قطاع الذكاء الاصطناعي، نظراً لاعتمادهما الكبير على صناعة أشباه الموصلات التي تمثل العمود الفقري للتكنولوجيا الحديثة.

 

فقد بنت تايوان خلال السنوات الماضية منظومة متكاملة لإنتاج الرقائق والخوادم ومكونات البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما ساهم في تحقيق معدلات نمو مرتفعة مدفوعة بالطلب العالمي المتزايد.

 

أما كوريا الجنوبية، فرغم امتلاكها اقتصاداً أكثر تنوعاً، فإن قطاع الرقائق الإلكترونية لا يزال يشكل أحد أهم محركات النمو الاقتصادي فيها، ما يجعل أي تراجع في الطلب العالمي على هذه المنتجات عاملاً ضاغطاً على الاقتصاد الكوري.

 

وتشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في تايوان قد يتراجع بنحو 4% في حال انفجار الفقاعة، بينما قد تخسر كوريا الجنوبية أكثر من 2% من ناتجها المحلي خلال الفترة نفسها.

 

بين التفاؤل والمخاوف


ورغم هذه التحذيرات، لا يزال كثير من الخبراء يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على إحداث تحول اقتصادي عميق على المدى الطويل، وأن التكنولوجيا قد تحقق بالفعل الوعود الكبيرة المرتبطة بها.

 

غير أن التاريخ الاقتصادي يشير إلى أن الفارق بين الابتكار العلمي وتحويله إلى أرباح مستدامة قد يستغرق سنوات أو حتى عقوداً، وهو ما يضع الأسواق أمام اختبار حقيقي يتمثل في مدى واقعية التوقعات الحالية.

 

وبينما يراهن المتفائلون على ولادة عصر اقتصادي جديد تقوده تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يحذر المتشائمون من أن الإفراط في التوقعات قد يقود إلى تصحيح مؤلم يعيد تقييم القطاع بأكمله، ويترك آثاراً تمتد من وول ستريت إلى أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم.