أعلن وزير المالية أحمد كجوك، في القاهرة، زيادة ميزانية الهيئة الوطنية للإعلام بنحو 1 مليار جنيه سنويا، عبر رفع مقابل الخدمات المؤداة لأول مرة منذ 15 عاما، بما يمنح ماسبيرو دعما ماليا جديدا.
وتضع الزيادة أموال دافعي الضرائب داخل مؤسسة إعلامية حكومية تعاني ديونا وتراجعا في التأثير، بينما يظل السؤال الأساسي معلقا حول ما إذا كان التمويل سيطور خدمة عامة أم يعزز خطابا رسميا يضيق التعددية.
وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه مؤسسات الإعلام الحكومي تحديات مالية وتشغيلية متراكمة، تشمل ضعف الإيرادات الإعلانية، وتراجع المشاهدة، وتهالك البنية الفنية، وعجز المنصات الرسمية عن مجاراة التحولات الرقمية السريعة.
كما يعكس القرار إصرارا حكوميا على إنقاذ إعلام الدولة بالتمويل المباشر، بدل فتح نقاش عام حول استقلال الإدارة، ومعايير الإنفاق، وحق الجمهور في محتوى لا يعمل كامتداد للبيانات الرسمية.
مليار جديد على شاشة خاسرة
قالت الهيئة الوطنية للإعلام إن الزيادة تهدف إلى دعم قدرتها على أداء مهامها، وتطوير المحتوى الإعلامي، وتحسين جودة البث، ودعم العاملين، ورفع كفاءة الخدمات المقدمة عبر القنوات والمنصات التابعة للدولة.
لكن صياغة الهدف لا تجيب عن السؤال الأهم، لأن تطوير المحتوى لا يتحقق برفع المخصصات وحده، بل يحتاج إدارة مستقلة، ومعايير تحريرية، ومساءلة مالية، وخطة خروج من الخسائر المتراكمة.
وبحسب ما أعلنته وسائل محلية، جاءت زيادة الميزانية بعد رفع مقابل بند الخدمات المؤداة التي تقدمها الهيئة، وهي المرة الأولى لتحريك هذا المقابل منذ عام 2011.
وبذلك، تحصل الهيئة على مورد سنوي جديد يقارب 1 مليار جنيه، في وقت يحتاج فيه الجمهور إلى معرفة تفصيلية بمصارف الزيادة، وجدول التطوير، ونصيب العاملين، وكلفة البث، وخطة الديون.
وتعاني مؤسسات الإعلام الحكومي منذ سنوات من ضغوط مالية شديدة، بسبب تراكم الديون وتراجع الإعلانات لصالح القنوات الخاصة والمنصات الرقمية، ما جعل ماسبيرو واجهة لأزمة تمويل وأزمة جمهور معا.
وفي هذا المحور، يقدم خالد البلشي، نقيب الصحفيين، مدخلا مهما لتقييم الزيادة، إذ ربط أداء الهيئات الإعلامية بالمناخ القانوني والقيود المحيطة بالعمل الصحفي، لا بالموازنات وحدها.
وتخدم رؤية البلشي هذا الملف لأنها تنقل النقاش من خانة المال إلى خانة الحرية المهنية، فالإعلام الذي لا يعبر عن المواطنين لن يستعيد الجمهور بمجرد تحسين أجهزة البث أو زيادة الإنفاق.
كما قال البلشي إن الإعلام الحالي لا يتيح نقاشا حرا ولا نقدا موضوعيا، وهي ملاحظة تصيب جوهر المعضلة، لأن تمويل الصوت الواحد يطيل عمر الأزمة ولا يعالج فقدان الثقة.
تطوير بلا استقلال يوسع الصوت الواحد
يفترض الإعلام الحكومي، في أي نموذج خدمة عامة، أن يقدم معلومات موثوقة، ويخدم المواطن، ويناقش السياسات العامة، ويتيح مساحات للرأي المختلف، خاصة عندما يأتي تمويله من المال العام.
غير أن التجربة المصرية الحالية تضع الإعلام الرسمي في موقع مختلف، لأنه يتحرك غالبا داخل حدود الخطاب الداعم للحكومة، ويفسح مساحة واسعة للرواية الرسمية على حساب مساءلة القرار العام.
وتشير تقارير دولية إلى أن المشهد الإعلامي المصري تهيمن عليه منافذ موالية للحكومة، بينما أغلقت أو حوصرت معظم المنابر المعارضة والمستقلة منذ عام 2013، بما جعل التعددية أضعف.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو زيادة ميزانية الهيئة الوطنية للإعلام قرارا فنيا فقط، بل تبدو ضخا جديدا في منظومة تعمل داخل مجال سياسي وإعلامي ضيق، يخسر فيه المواطن حقه في تعدد الروايات.
ويرى شريف منصور، الحقوقي المتخصص في حرية الصحافة والقيادي السابق في لجنة حماية الصحفيين، أن السلطات في مصر استخدمت الإعلام الرسمي طويلا كأداة سياسية لا كمنبر معلومات مستقل.
وتكشف أهمية رأي منصور أن الزيادة المالية تأتي داخل تاريخ ممتد من توظيف الإعلام العام لخدمة السلطة، لا داخل مشروع معلن لتحويله إلى خدمة عامة مستقلة وخاضعة للمحاسبة.
كما حذرت لجنة حماية الصحفيين سابقا من السيطرة التحريرية على الإعلام المملوك للدولة، لأن المصريين يحتاجون في الأزمات إلى معلومات مستقلة، لا إلى وسائل إعلام تتحول إلى أدوات سياسية.
وعليه، يصبح ربط الدعم المالي بالتطوير وحده صياغة ناقصة، لأن التطوير الحقيقي يبدأ بإبعاد الإدارة التحريرية عن التعليمات السياسية، وإتاحة حق النقد، ووقف تحويل الشاشة الرسمية إلى منصة ترويج.
وتزداد خطورة هذا المسار عندما تتزامن الزيادة مع أزمة اقتصادية تطال قطاعات عامة أساسية، لأن المواطن الذي يمول الإعلام الرسمي يحتاج خدمة صحية وتعليمية وسكنية، لا دعاية حكومية أعلى كلفة.
أموال عامة بلا ضمانات للمهنة والجمهور
تسوق الحكومة الزيادة باعتبارها خطوة لتحسين القدرات التشغيلية والفنية، لكن غياب ضمانات الاستقلال يجعل القرار أقرب إلى إعادة تمويل بنية قديمة، لا إلى تأسيس إعلام عام حديث.
وفي سوق الإعلام الحالي، لا يكفي تحديث البث أو شراء معدات رقمية، لأن الجمهور غادر المنصات الرسمية بسبب غياب المصداقية والتنوع، لا بسبب جودة الصورة وحدها.
لذلك، يحتاج ماسبيرو إلى إعلان خطة إصلاح تتضمن مؤشرات واضحة للمشاهدة، وتكلفة الإنتاج، وتوزيع الإنفاق، وحقوق العاملين، ونسبة المحتوى الخدمي، وآليات قبول الشكاوى، ومعايير اختيار القيادات.
كما يحتاج الجمهور إلى معرفة ما إذا كانت الزيادة ستذهب إلى الأجور المتأخرة والتدريب والتقنية، أم إلى برامج جديدة تعيد إنتاج الخطاب الرسمي نفسه بأسماء وديكورات مختلفة.
ويربط عمرو مجدي، الباحث في هيومن رايتس ووتش، بين أزمة الحقوق والحريات في مصر وبين خنق المجال المدني وحبس الصحفيين والنشطاء، وهو سياق يفسر حدود أي تطوير إعلامي رسمي.
وتخدم قراءة مجدي هذا المحور لأن الإعلام لا يعمل في فراغ، فالشاشة التي تبث من داخل مناخ تضييق لا تستطيع إنتاج خدمة عامة مستقلة حتى لو زادت موازنتها.
كما تؤكد تقارير حقوقية أن السلطات المصرية أبقت قبضة ضيقة على المجال العام، مع استمرار حبس صحفيين ونشطاء، وهي بيئة تجعل التمويل الإعلامي جزءا من إدارة الخطاب لا ضمانة للتعددية.
وبناء على ذلك، يصبح السؤال عن 1 مليار جنيه سؤالا سياسيا ومهنيا وماليا في الوقت نفسه، لأن المال العام لا يجب أن ينفق على مؤسسة لا تقدم مساحة حقيقية للمواطن.
ولا يكفي القول إن الإعلام الرسمي يواجه الشائعات، لأن مواجهة الشائعة تحتاج ثقة ومعلومات مفتوحة وحقا في السؤال، بينما يؤدي الإعلام الموجه إلى دفع الجمهور نحو مصادر بديلة أقل انضباطا.
كما أن تقديم الرواية الرسمية وقت الأزمات لا يبرر إغلاق المجال أمام روايات مهنية أخرى، لأن الجمهور لا يحتاج إلى نسخة واحدة من الخبر، بل يحتاج إلى معلومات قابلة للتحقق.
وفي النهاية، لا تكشف زيادة ميزانية الهيئة الوطنية للإعلام عن خطة إصلاح مكتملة، بل تكشف رغبة حكومية في إبقاء ماسبيرو حاضرا ماليا رغم تراجع تأثيره وغياب ضمانات استقلاله.
وتبقى الخلاصة أن مليار جنيه جديد لن ينقذ الإعلام الحكومي إذا بقيت الشاشة بلا نقد، والخدمة العامة بلا تعددية، والإنفاق بلا شفافية، لأن المشكلة ليست في نقص المال وحده بل في وظيفة الإعلام نفسه.

