د. سلطان الخليفي

باحث أول في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني

 

حين يضع مسؤولون أمريكيون وإيرانيون توقيعهم على مذكرة التفاهم المزمع توقيعها- ولو عن بعد وبحضور وسطاء من باكستان وقطر- فقد تجاوزوا عقبة كبيرة لإنهاء الحرب رغم بقاء حالة الشك بين الطرفين. تأتي أخبار الوصول لاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بعد حرب أغلقت مضيق هرمز، وأربكت أسواق الطاقة في العالم، وكسرت قواعد الاشتباك في منطقة الخليج العربي التي ظلت لفترة طويلة ساحة آمنة خارج سياقات الحروب الأهلية التي عمت العالم العربي.

 

برغم تضارب الأخبار حول موعد توقيع مذكرة التفاهم، فإنها لحظة تستحق الترحيب، لكنه ترحيب ينبغي أن يبقى حذرا؛ فأفضل ما نقدمه لهذا الإنجاز الهش هو الواقعية في تقدير ما لم ينجَز بعد.

 

إن الدرس الأول لهذا الطريق الطويل: أنه لا تتحرك أطراف النزاع نحو التسوية إلا حين ينضج الصراع، أي حين يبلغ جمودا يتساوى فيه الطرفان في الألم، فتصير كلفة الاستمرار في القتال أكبر من أي مكسب، ويلوح المخرج أمام الجميع بمساعدة الوسطاء ذوي الخبرة والمصداقية. والحصار الذي يقال إنه كبد إيران نصف مليار دولار يوميا، والضغوط التي واجهتها واشنطن في الداخل، والإنهاك الذي أصاب الأطراف كافة، صنعت كل هذه الظروف هذا النضج في الصراع للوصول إلى تلك اللحظة.

 

ومع ذلك، تبقى هناك أسباب وجيهة للحذر:

 

  • أولها، أن المذكرة هي اتفاق مبدئي على قواعد عامة، ويتبعها التفاوض التفصيلي حول نقاط الخلاف الأشد تعقيدا. فمذكرة التفاهم تؤجل أصعب الأسئلة إلى اتفاق تفصيلي لاحق، فحسب نظريات المفاوضات اتفق الطرفان على صيغ مبدئية لحل الخلاف وأجّلا المساومة على التفاصيل، وهي تحديدا المساومة حول الملف النووي التي كثيرا ما تنهار عندها عمليات السلام.

 

فالعمومية التي سهلت التوقيع هي نفسها التي تزرع بذور الأزمة المقبلة. التطور الإيجابي هو أن إطار حل الأزمة الذي يجمع الجميع إلى طاولة واحدة قد صُنع، لكنه يفتح الباب لاستمرار التفاوض، ولا يعني ضمان الوصول لاتفاق نهائي.

 

  • وثانيها، أن بنية المذكرة حسب النقاط التي نقلت للصحافة الدولية تعكس التسلسل الذي تفضله طهران. فالفصل بين فتح هرمز فورا وبين الملف النووي المؤجل والمشروط يتيح لإيران أن تحتفظ بهامش المناورة في المسألة الأهم بالنسبة إليها، أي مستقبل برنامجها، بينما يبدأ رفع الحصار البحري فور توقيع الاتفاق.

 

كانت واشنطن تريد التزامات نووية مسبقة ومحددة، فجاء بدلا منها تسلسل أكثر تدرجا. لا يعني هذا انتصارا لطرف على آخر، لكنه يعني أن الخطوات الأسهل تتقدم، فيما تبقى الأصعب رهن مفاوضات لم تبدأ بعد.

 

  • وثالثها، أن مسألة الأموال المجمدة تكشف معضلة التزام معروفة. فواشنطن لن تفرج عن أصول إيران، المقدرة بنحو 24 مليار دولار، ولا عن تخفيف جدي للعقوبات، من دون تنازلات يمكن التحقق منها؛ وإيران لن تقدم تنازلات لا رجعة فيها من دون تخفيف تستطيع أن تعرضه على جمهورها.

 

كل طرف يخشى أن يقبض الآخر ثمنه ثم يتراجع. هذه هي معضلة الالتزام الكامنة في صميم كل صفقة لإنهاء أي حرب، ونادرا ما يحلها حسن النية. إنما تحل، إن حلت، بضمانات من طرف ثالث، وبخطوات متبادلة محكمة الترتيب تجعل أي تراجع مكشوفا ومكلفا.

 

  • ورابعها، أن إدراج لبنان ضروري وخطير في آن. فلا مصداقية لأي تهدئة إقليمية ما دامت الحرب مشتعلة على جبهة إسرائيل الشمالية، ومن هنا كان ضم لبنان إلى المذكرة هو الخيار الصائب. لكنه في الوقت ذاته يدخل أخطر طرف معرقِل إلى عملية بنيت من دونه. فإسرائيل لم تكن على الطاولة، وهي ترى في البنود هزيمة إستراتيجية، وتملك القدرة العسكرية على التحرك منفردة.

 

وأدبيات الوساطة لا لبس فيها هنا: الطرف المستبعَد الذي يملك الدافع والقدرة معا على نسف الاتفاق هو أخطر ما يهدد بقاءه. واحتواء هذا الطرف، عبر الضغط الأمريكي والدولي، سيختبر المذكرة أكثر من أي بند فيها.

 

وهنا يصبح الوسطاء عنصرا لا يستغنى عنه. فالطريقة التي ولد بها هذا الانفراج كانت درسا بذاتها: قدمت باكستان ثقلها ونفوذها بوصفها قوة مسلمة لها منفذ إلى العاصمتين، فيما قدمت قطر شيئا مختلفا: قنوات موثوقة، وخبرة طويلة في الوساطة الهادئة، وصبرا على إبقاء الخصمين يتحادثان حين تعطلت القنوات الرسمية. النفوذ والثقة لا يغني أحدهما عن الآخر، وقد احتاجت هذه العملية إليهما معا، وستحتاج إليهما من جديد.

 

وتبقى المهمة الأصعب أمام الوسطاء هي تحويل وقف إطلاق النار إلى ترتيب مؤسسي يصمد أمام تفلتات الصراع. فالهدنة التي يسندها التواصل الشخصي والتوقيت الصحيح تظل رهينة الحادث التالي، والمناوشات الأخيرة في المضيق تنبه إلى السهولة التي يمكن بها لاستفزاز غير محسوب أن يعيد إشعال حرب لا يريدها أحد رسميا. وأكثر إجراءات بناء الثقة عملية هو أبسطها أيضا: خط ساخن دائم لمنع الاشتباك، قناة مباشرة ومتصلة للتأكد من النوايا وخفض التصعيد لحظة وقوعه.

 

سيقاوم الطرفان الالتزام به لأنه يقيد حريتهما في الاستعراض والتلويح بالقوة، وهذه المقاومة بالذات هي ما يفرض على الوسطاء الإصرار عليه. فالهدنات قلما تنهار بقرار استئناف القتال، وإنما تنهار بحوادث لا تملك أطرافها آلية لاحتوائها.

 

إن الوصول لمذكرة تفاهم بين الطرفين هو خطوة حقيقية نحو وقف الحرب، وترد الاعتبار للعمل الدبلوماسي في مواجهة الوعد الزائف بالنصر عبر استخدام القوة العسكرية. لكن الإطار هو خطوة أولى ولا يعني تجاوز مرحلة الخطر في الصراع بين الطرفين.

 

وسواء استذكر هذا الأسبوع بوصفه نقطة تحول، أو فرصة ضائعة جديدة في تاريخ طويل من الفرص الضائعة، فالأمر رهن بقدرة هذه الصيغة الهشة على أن تتحول إلى تأسيس راسخ لوقف الحرب خلال الأيام الستين المقبلة. لقد فتح الباب، أما الطريق الأطول والأشق فلم يبدأ إلا الآن.