في الوقت الذي يستقبل فيه ملايين المصريين تراجع أسعار الدواجن والبيض بارتياح بعد سنوات من الارتفاعات القياسية، تتشكل خلف الكواليس أزمة متصاعدة تهدد واحدة من أكبر الصناعات الغذائية في البلاد. فبينما يرى المستهلك أن انخفاض الأسعار يمثل انفراجة طال انتظارها، يؤكد المنتجون أن القطاع يمر بمرحلة حرجة قد تدفع آلاف المربين إلى الخروج من السوق إذا استمرت الخسائر الحالية.
خلاف حول أسباب الأزمة.. بين المرض وفائض الإنتاج
أثارت الأزمة جدلًا واسعًا بين العاملين في القطاع حول أسبابها الحقيقية. فبينما تحدث عدد من المستثمرين عن انتشار فيروس يُعرف باسم "آي بي" داخل المزارع وتأثيره على الإنتاج، أكد منتجون أن الفيروس تسبب في خسائر كبيرة وأجبر بعض المربين على التخلص من الدواجن قبل انتهاء دوراتها الإنتاجية، ما أدى إلى تدفق كميات ضخمة إلى الأسواق وانخفاض الأسعار بشكل حاد.
في المقابل، رفضت شعبة الدواجن الربط بين الفيروس والانهيار الحالي للأسعار، مؤكدة أن المرض معروف منذ سنوات وتتوفر له وسائل التحصين والعلاج، وأن جوهر الأزمة يرتبط بانخفاض الأسعار إلى مستويات تقل عن تكلفة الإنتاج، في وقت تشهد فيه الصناعة ارتفاعًا مستمرًا في النفقات التشغيلية.
صناعة بمليارات الجنيهات تواجه اختبار البقاء
يحذر المنتجون من أن قطاع الدواجن، الذي تتراوح استثماراته بين 100 و200 مليار جنيه ويضم أكثر من 38 ألف منشأة ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأكثر من 3.5 ملايين مواطن، يواجه تحديًا غير مسبوق.
ورغم أن مصر تقترب من تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من الدواجن بنسبة تصل إلى 97%، وتنتج كميات من البيض تفوق الاحتياجات المحلية، فإن انهيار الأسعار إلى ما دون تكلفة الإنتاج يهدد استدامة هذا الإنجاز. فقد هبط سعر كيلو الدواجن في المزارع إلى أقل من 60 جنيهًا بعد أن تجاوز 120 جنيهًا في فترات سابقة، كما تراجع سعر طبق البيض من مستويات قاربت 200 جنيه إلى أقل من 80 جنيهًا.
ويحذر المنتجون من أن استمرار هذه الخسائر قد يؤدي إلى خروج أعداد كبيرة من المربين من السوق، الأمر الذي قد ينعكس لاحقًا في صورة نقص بالإنتاج وعودة الأسعار إلى الارتفاع بوتيرة أكبر.
من رمز للغلاء إلى ضحية للوفرة
قبل أقل من عام، كانت الدواجن والبيض من أبرز رموز التضخم الغذائي في مصر، بعدما سجلت الأسعار مستويات تاريخية دفعت الحكومة إلى التدخل عبر الاستيراد لزيادة المعروض وضبط الأسواق.
لكن المشهد تغير بالكامل مع ارتفاع الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة. فبحسب تقديرات العاملين بالقطاع، يبلغ إنتاج مصر نحو 16 مليار بيضة سنويًا، مقابل استهلاك محلي يتراوح بين 10 و11 مليار بيضة فقط، ما يخلق فائضًا ضخمًا يضغط بقوة على الأسعار.
كما ساهم انتهاء العام الدراسي وارتفاع درجات الحرارة وتراجع القوة الشرائية للمواطنين في تقليص الطلب، ما عمّق أزمة فائض المعروض ودفع المنتجين إلى البيع بخسائر متزايدة.
تكاليف مرتفعة وسوق غير متوازنة
يرى خبراء أن الأزمة الحالية جاءت نتيجة اختلال واضح بين العرض والطلب. فارتفاع الأسعار خلال السنوات الماضية شجع المستثمرين على التوسع في الإنتاج، خاصة بعد تحسن توافر الأعلاف والإفراج عن شحنات الذرة والصويا.
لكن زيادة الإنتاج تزامنت مع ضعف الطلب المحلي، ما أدى إلى تخمة في الأسواق. وفي الوقت نفسه، يواجه المنتجون ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف التشغيل، تشمل أسعار الكتاكيت والأعلاف والطاقة والعمالة والأدوية البيطرية والتحصينات، وهو ما جعل الخسائر أكثر حدة.
ويؤكد عدد من المربين أن استمرار الوضع الحالي دفع بعض المزارع إلى تقليص الإنتاج أو تأجيل دورات التربية الجديدة، وهو مؤشر مقلق في صناعة تعتمد على دورات إنتاج قصيرة وسريعة التأثر بأي تراجع في أعداد المنتجين.
تحركات رسمية لمنع انهيار القطاع
مع اتساع نطاق الأزمة، انتقلت القضية إلى مجلس النواب، حيث طالب عدد من النواب الحكومة بالتدخل العاجل لحماية المنتجين والحفاظ على استدامة الصناعة.
كما عقد وزير الزراعة اجتماعًا موسعًا مع ممثلي قطاع الدواجن وبيض المائدة لبحث آليات استيعاب فائض الإنتاج والحد من الضغوط الواقعة على الأسعار. وأكد الوزير خلال الاجتماع أن الحفاظ على المنتج المصري يمثل أولوية، مشددًا على أن صناعة الدواجن والبيض تعد أحد أهم ركائز الأمن الغذائي في البلاد.
وبينما يستفيد المستهلك حاليًا من تراجع الأسعار، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة والقطاع هو تحقيق معادلة تضمن استمرار انخفاض الأسعار بصورة عادلة، من دون أن يؤدي ذلك إلى خسائر تدفع المنتجين إلى مغادرة السوق، بما يحمله ذلك من مخاطر على الأمن الغذائي واستقرار الأسعار مستقبلًا.

