أشعلت حكومة الانقلاب العسكري موجة جديدة من الجدل بعد إتمام اتفاق تشغيل محطة رياح جبل الزيت، أحد أكبر مشروعات الطاقة المتجددة في البلاد، لصالح شركة "الكازار" الإماراتية، في صفقة تبلغ قيمتها 420 مليون دولار، وسط انتقادات متزايدة اعتبرت أن الدولة تتخلى عن أصل استراتيجي مقابل عائد مالي محدود، بينما تتحمل أعباء مالية طويلة الأجل قد تمتد لعقود.
وجاء الإعلان الرسمي عن توقيع اتفاقيتي الاستثمار والتشغيل وشراء الطاقة بين هيئة تنمية واستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة والشركة المصرية لنقل الكهرباء من جهة، وشركة الكازار من جهة أخرى، ليعيد إلى الواجهة ملف الخصخصة والطروحات الحكومية، خاصة في قطاع الطاقة الذي يمثل أحد أهم القطاعات السيادية في البلاد.
أخطر بنود الاتفاق.. الكهرباء بالدولار
أثار البند الخاص بتسعير الكهرباء المنتجة من محطة جبل الزيت بالدولار الأمريكي حالة واسعة من الجدل داخل الأوساط الاقتصادية وقطاع الطاقة، وبحسب مصادر مطلعة بوزارة الكهرباء، فإن التعريفة الجديدة للكهرباء ستُحدد بالدولار، بينما يتم السداد بالجنيه المصري وفق سعر الصرف وقت السداد، ما يعني أن أي تراجع جديد في قيمة الجنيه سيؤدي تلقائياً إلى ارتفاع التكلفة التي تتحملها الدولة.
ويرى منتقدون أن هذا البند يمنح المستثمر الأجنبي حماية كاملة ضد مخاطر تقلبات سعر الصرف، بينما تنتقل هذه المخاطر بالكامل إلى الحكومة المصرية والمستهلك النهائي بصورة غير مباشرة.
كما يشير خبراء إلى أن هذا النموذج سبق استخدامه في بعض مشروعات الطاقة الخاصة، لكنه يظل محل انتقاد عندما يتعلق الأمر بأصول كانت مملوكة للدولة بالكامل وتعمل بالفعل ضمن الشبكة القومية للكهرباء.
محطة بُنيت بأموال الدولة ثم انتقلت للقطاع الخاص
تُعد محطة جبل الزيت واحدة من أهم مشروعات الطاقة المتجددة التي نفذتها مصر خلال العقود الأخيرة، وتبلغ القدرة الإجمالية للمحطة نحو 580 ميجاوات، موزعة على ثلاث مراحل رئيسية تشمل محطة بقدرة 240 ميجاوات وأخرى بقدرة 220 ميجاوات وثالثة بقدرة 120 ميجاوات.
وجرى تنفيذ المشروع بالتعاون مع الحكومة الإسبانية ومؤسسات تمويل دولية، واستثمرت الدولة مليارات الجنيهات على مدار سنوات لإنشاء البنية الأساسية والشبكات ومحطات الربط اللازمة للمشروع.
ويرى منتقدو الصفقة أن الحكومة تتخارج من مشروع جاهز ومنتج للكهرباء بعد أن تحملت تكلفة إنشائه بالكامل تقريباً، بينما يحصل المستثمر الجديد على أصل قائم ومربح دون تحمل المخاطر المرتبطة بمراحل التأسيس والإنشاء.
من 300 مليون إلى 420 مليون دولار.. لماذا تعثرت الصفقة؟
شهد مشروع طرح محطة جبل الزيت سلسلة من المفاوضات المعقدة خلال العامين الماضيين، وكانت الحكومة قد واجهت صعوبة في استكمال الصفقة بعدما اعتبرت أن العروض المقدمة لا تعكس القيمة الحقيقية للمشروع، ما دفعها إلى تأجيل الطرح أكثر من مرة والضغط لرفع القيمة المالية.
وكشفت تقارير سابقة أن التقييمات الأولية دارت حول 300 مليون دولار فقط، قبل أن ترتفع لاحقاً إلى نطاق يتراوح بين 350 و400 مليون دولار، وصولاً إلى الرقم النهائي المعلن وهو 420 مليون دولار.
ورغم زيادة القيمة النهائية، فإن عدداً من المتخصصين يرون أن العائد لا يزال أقل من القيمة الاستراتيجية للمحطة وما يمكن أن تحققه من إيرادات مستقبلية للدولة إذا استمرت تحت الإدارة الحكومية.
هل تحصل الدولة على قيمة عادلة؟
أحد أبرز الأسئلة المطروحة حالياً يتعلق بما إذا كانت الدولة قد حصلت بالفعل على مقابل عادل للمشروع، فالمحطة لا تقتصر قيمتها على التوربينات والمعدات فقط، بل تشمل موقعاً استراتيجياً من أفضل مواقع الرياح في العالم، وشبكات ربط قائمة، وأرضاً مخصصة للطاقة المتجددة، إضافة إلى الخبرات الفنية المتراكمة طوال سنوات التشغيل.
ويعتقد خبراء أن تقييم أي مشروع من هذا النوع يجب ألا يعتمد فقط على الأصول الحالية، بل على التدفقات النقدية المستقبلية التي يمكن أن يحققها المشروع خلال العقود المقبلة.
عمر تشغيلي محدود يثير تساؤلات إضافية
رغم تقديم الصفقة باعتبارها فرصة لتطوير المحطة ورفع كفاءتها، فإن بيانات رسمية تشير إلى أن العمر التشغيلي المتبقي لبعض مكونات المشروع يتراوح بين 9 و12 عاماً، ويعني ذلك أن المستثمر قد يضطر مستقبلاً إلى تنفيذ عمليات إحلال وتجديد واسعة لبعض التوربينات والمكونات الرئيسية.
لكن منتقدين يرون أن هذا الأمر كان يمكن أن تقوم به الدولة بنفسها مع الاحتفاظ بكامل العائد الاقتصادي للمشروع بدلاً من نقل حق التشغيل إلى جهة أجنبية.
التزامات طويلة الأجل مقابل عائد فوري
تحصل الحكومة من الصفقة على 420 مليون دولار سيتم توجيهها إلى الخزانة العامة، وفق تصريحات رسمية، إلا أن اقتصاديين يشيرون إلى أن الدولة في المقابل تتحمل التزاماً طويل الأجل بشراء الكهرباء المنتجة من المحطة وفق آلية تسعير مرتبطة بالدولار.
ويحذر هؤلاء من أن المكاسب المالية الفورية قد يقابلها عبء مستقبلي مستمر على الموازنة العامة إذا استمرت تقلبات سعر الصرف أو ارتفع الدولار خلال السنوات المقبلة.
ضغوط برنامج الطروحات الحكومية
تأتي صفقة جبل الزيت ضمن برنامج أوسع تنفذه الحكومة للتخارج من بعض الأصول العامة وزيادة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة من المؤسسات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي للإسراع في تنفيذ برنامج الطروحات، بينما تؤكد السلطات أن الهدف هو جذب استثمارات جديدة وتحسين كفاءة إدارة الأصول.
إلا أن معارضين يرون أن وتيرة التخارج المتسارعة تعكس احتياجات مالية عاجلة أكثر من كونها رؤية اقتصادية طويلة الأجل، خاصة مع تكرار بيع أو تأجير أصول رابحة في قطاعات استراتيجية.
مخاوف من تحول الطاقة المتجددة إلى مصدر التزامات دولارية جديدة
ويرى متخصصون في شؤون الطاقة أن أخطر ما في الصفقة ليس بيع حق التشغيل بحد ذاته، وإنما التحول التدريجي إلى ربط مشروعات الكهرباء المتجددة بعقود دولارية طويلة الأجل.
ويحذر هؤلاء من أن توسع هذا النموذج مستقبلاً قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على قطاع الكهرباء والمالية العامة، خصوصاً إذا جرى تطبيقه على مشروعات أخرى ضمن برنامج الطروحات.

