كشفت شكاوى أهالي قرية المنصورية التابعة لمركز دراو بمحافظة أسوان عن تلوث مياه الشرب بالرمال والطين نتيجة انخفاض منسوب نهر النيل عند مأخذ محطة الرفع الوحيدة التي تغذي القرية، ما أدى إلى تدهور جودة المياه ووصولها إلى المنازل بشكل غير آمن.

 

وتعكس الأزمة الممتدة منذ سنوات حالة من الإهمال في تحديث البنية الأساسية للمياه في القرى النائية، حيث يعيش السكان بين انقطاعات متكررة ومياه غير صالحة للاستخدام، بينما تتفاقم المخاطر الصحية في ظل غياب حلول جذرية طويلة الأمد.

 

تآكل محطة المياه يفتح باب التلوث ويهدد صحة الأهالي

 

وبحسب إفادات الأهالي، فإن محطة مياه الشرب في المنصورية تعاني من انحسار مياه النيل عن أماكن الصمامات، ما أدى إلى سحب كميات كبيرة من الرمال المخلوطة بالطين داخل الشبكة المغذية للبلدة.

 

وأوضحت الشكاوى أن هذه العكارة الشديدة في المياه تسببت في مشكلات صحية خاصة بين الأطفال وكبار السن، مع تسجيل حالات حمى وإجهاد كلوي مرتبطة بسوء جودة المياه المتداولة يوميا داخل المنازل.

 

كما يعتمد أهالي القرية على محطة واحدة فقط منذ سنوات طويلة، وهو ما يجعل أي خلل فني أو بيئي في المأخذ النهري يتحول مباشرة إلى أزمة شاملة تمس جميع السكان دون استثناء.

 

وفي هذا السياق، تشير الباحثة في شؤون البيئة المائية الدكتورة منى الشاذلي إلى أن انخفاض مناسيب المياه عند مآخذ المحطات يؤدي إلى زيادة السحب من الطبقات الملوثة بالرمال والطمي، ما يضاعف احتمالات تدهور جودة المياه.

 

وتوضح الشاذلي أن غياب أنظمة تنقية حديثة داخل المحطات الريفية يجعل أي تغير طبيعي في منسوب النيل عاملا مباشرا في تحويل المياه من مصدر حياة إلى مصدر خطر صحي يومي.

 

وتعزز هذه القراءة فهم ما يحدث في المنصورية، حيث تتحول المحطة إلى نقطة ضغط بيئي بدل أن تكون وسيلة لتأمين مياه آمنة للسكان في واحدة من أكثر المناطق اعتمادا على مصدر وحيد.

 

ومع استمرار التشغيل بنفس البنية القديمة، تصبح أي زيادة في الطلب أو انخفاض في المنسوب سببا مباشرا لتفاقم التلوث داخل الشبكة المائية المغذية للقرية.

 

محطة متهالكة منذ 1996 تفشل أمام تضاعف السكان

 

وتعتمد قرية المنصورية والنجوع التابعة لها على محطة مياه أنشئت عام 1996 بطاقة تصميمية محدودة لم تتجاوز 600 وصلة منزلية، بينما تخدم حاليا ما يقرب من 5800 وصلة، أي أكثر من تسعة أضعاف القدرة الأصلية.

 

وتشير البيانات المحلية إلى أن المحطة تخدم نحو 38 ألف مواطن موزعين على أربعة نجوع، إلا أن ضخ المياه يتم بنظام دوري متقطع قد لا يتجاوز أربع ساعات كل ثلاثة أيام.

 

ويؤدي هذا النظام إلى اعتماد السكان على تخزين المياه في ظروف غير صحية، ما يزيد من احتمالات التلوث الثانوي ويضاعف الضغط على الأسر في حياتها اليومية.

 

وفي هذا الإطار، يوضح خبير البنية التحتية للمياه الدكتور هشام قنديل أن تشغيل محطات فوق طاقتها التصميمية يؤدي إلى انهيار تدريجي في كفاءة المواتير والشبكات وزيادة معدلات الأعطال والانقطاعات.

 

ويضيف قنديل أن غياب خطط التحديث المستمر للمحطات الريفية يجعلها غير قادرة على مواجهة النمو السكاني الطبيعي، ما يحول الخدمة إلى نظام طوارئ دائم بدل خدمة مستقرة.

 

وتؤكد هذه المعطيات أن الأزمة ليست طارئة بل هي نتيجة تراكم سنوات من التشغيل فوق القدرة الفعلية دون توسعة أو إحلال جذري للبنية الأساسية.

 

كما تعاني المحطة من تهالك في المواتير والخطوط، وهو ما يفسر الانقطاعات المتكررة وضعف الضغوط التي تصل إلى المنازل في أطراف القرى والنجوع البعيدة.

 

جفاف النيل يضاعف الأزمة ومخاوف بيئية تتصاعد

 

ويزيد انخفاض منسوب مياه النيل في فترات الجفاف من تعقيد الوضع داخل محطة المنصورية، حيث يصبح مأخذ المياه غير قادر على سحب كميات كافية أو نظيفة للتشغيل الطبيعي.

 

كما أن تراكم الطمي في محيط المأخذ يؤدي إلى دخول مواد عالقة إلى الشبكة، ما يفسر ارتفاع نسبة العكارة التي يشكو منها الأهالي بشكل متكرر خلال فترات معينة من العام.

 

وتتفاقم الأزمة بسبب موقع المحطة القريب من مرسى العبارات والمراكب النيلية، وهو ما يثير مخاوف من تسرب الزيوت ومخلفات الوقود إلى مصدر المياه الرئيسي للقرية.

 

وفي هذا السياق، يشير خبير الموارد المائية الدكتور أيمن فؤاد إلى أن اختيار مواقع مآخذ المياه دون مراعاة الأنشطة الملاحية يمثل خطرا مباشرا على جودة المياه وصحة السكان.

 

ويضيف فؤاد أن أي تداخل بين مصادر التلوث البحري أو النهري ومحطات الشرب يتطلب إعادة تقييم هندسي شامل للمواقع وليس مجرد صيانة تشغيلية مؤقتة.

 

كما أن استمرار الاعتماد على نفس الموقع القديم للمأخذ رغم تغير الظروف البيئية يزيد من احتمالات تكرار الأزمات بشكل دوري خلال السنوات المقبلة.

 

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن بعض السكان اضطروا للاعتماد على مصادر مياه بديلة أو شراء المياه من خارج القرية، وهو ما يضيف عبئا اقتصاديا إضافيا على الأسر.

 

مشروع متوقف ومطالب بإعادة تشغيل عاجلة

 

وتعود جذور الأزمة إلى مشروع محطة جديدة تم تخصيص قطعة أرض له بمنطقة المنصورية بحري منذ عام 2015، حيث تم اعتماد الموقع فنيا لعدم تأثره بانخفاض منسوب النيل.

 

كما تمت معاينة الأرض والموافقة عليها من الجهات المختصة، وسبق إسناد المشروع لإحدى شركات المقاولات، إلا أن التنفيذ توقف بشكل مفاجئ دون استكمال الأعمال.

 

ويؤدي هذا التوقف إلى استمرار اعتماد السكان على المحطة القديمة رغم تدهور حالتها الفنية وعدم قدرتها على تلبية الاحتياجات الحالية أو المستقبلية.

 

وفي هذا السياق، يؤكد خبير الإدارة المحلية الدكتور صلاح عبدالعزيز أن توقف المشروعات الخدمية بعد اعتمادها يمثل أحد أهم أسباب تراكم الأزمات في القرى الريفية.

 

ويضيف عبدالعزيز أن إعادة تشغيل المشروعات المتوقفة أسرع وأقل تكلفة من استمرار تشغيل منشآت متهالكة تهدد الصحة العامة وتستهلك موارد إضافية للصيانة الطارئة.

 

كما يطالب السكان بسرعة استئناف المشروع الجديد وإدراجه ضمن أولويات خطط مياه الشرب، إلى جانب رفع كفاءة المحطة الحالية لحين الانتهاء من التنفيذ.

 

وفي ظل استمرار الأزمة، تبقى قرية المنصورية نموذجا واضحا لتداخل الإهمال الفني مع الضغط السكاني والتغيرات البيئية، ما يحول الماء من خدمة أساسية إلى مصدر معاناة يومية.

 

وتختتم الأزمة مشهدا أكثر تعقيدا، حيث يعيش الأهالي بين مياه ملوثة ومحطة عاجزة ومشروع متوقف، دون حلول جذرية تعيد الاستقرار لمصدر الحياة الأساسي في القرية.