طالبت 59 نائبًا في مجلس النواب بمحاسبة وزارة الكهرباء داخل لجنة الطاقة والبيئة، بعد تصاعد شكاوى المواطنين من العدادات الكودية في المحافظات، بينما زاد غياب وزير الكهرباء عن جلسة المناقشة من غضب النواب، ودفع الأزمة من ملف خدمي إلى مساءلة سياسية محرجة للحكومة.
وتكشف الأزمة حجم الانفصال بين قرارات الحكومة اليومية وقدرة الأسر على احتمال تكلفتها، لأن المواطن الذي لجأ إلى العداد الكودي لتقنين وضعه أو إنهاء نظام الممارسة وجد نفسه أمام شحن متكرر وخصومات غير مفهومة، بينما اختارت الوزارة الدفاع عن المنظومة بدل فتح حساباتها أمام المتضررين.
غياب الوزير يحول الأزمة إلى مواجهة سياسية
قالت النائبة إيرين سعيد إن البرلمان ناقش الملف بتوافق بين مختلف القوى السياسية، وأكدت أن طريقة إدارة وزارة الكهرباء للأزمة لا تصح ولا تجوز، وجاء تصريحها بعد جلسة حضر فيها النواب بمطالب مباشرة، بينما غاب الوزير عن مواجهة أسئلة تخص ملايين المشتركين.
كما اعتبرت سعيد أن عدم حضور الوزير لا يليق بحجم الأزمة، خصوصًا بعد توجيهات رئيس الوزراء للوزراء بإعطاء الأولوية لحضور جلسات مجلس النواب، ولذلك بدا الغياب رسالة سلبية للأسر التي تنتظر تفسيرًا رسميًا لسرعة نفاد الرصيد وظهور خصومات عند إعادة الشحن.
وبحسب الطرح الفني لحافظ سلماوي، الرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، فإن أي منظومة محاسبة كهربائية تحتاج وضوحًا في آلية القراءة والتسعير والرسوم، لذلك يخدم موقفه محور الشفافية الفنية، لأن الأزمة لا تتعلق بوجود عداد مسبق الدفع فقط، بل بطريقة تحميل المستهلك أعباء لا يراها مسبقًا.
ومن هنا يتحول طلب الإحاطة إلى اختبار رقابي حقيقي، لأن النواب لم يناقشوا شكوى فردية أو خطأ إداريًا محدودًا، بل ناقشوا نظامًا واسع التطبيق يخص وحدات سكنية كثيرة، ويؤثر مباشرة على ميزانيات أسر لا تملك رفاهية دفع شحنات متقاربة خلال الشهر نفسه.
شكاوى الرصيد تكشف كلفة مخفية على الأسر
تزايدت شكاوى مستخدمي العدادات الكودية خلال الأشهر الأخيرة بسبب نفاد الرصيد بسرعة مقارنة بمعدلات الاستهلاك المعتادة، وأكد مواطنون أن قيمة الشحن لم تعد تمنحهم كمية الكهرباء نفسها، وهو ما خلق شعورًا واسعًا بأن العداد تحول من أداة ضبط إلى عبء شهري دائم.
في المقابل، تقول وزارة الكهرباء إن العدادات مسبقة الدفع تحتسب الاستهلاك الفعلي، وإن الخصومات التي تظهر عند الشحن ترتبط بأقساط أو فروق أو رسوم مقررة، لكن هذا الرد لم يعالج جوهر الاعتراض، لأن المواطن لا يرى كشفًا مبسطًا يوضح لماذا اختفى جزء من الرصيد قبل الاستهلاك الفعلي.
ويضع الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني هذه الأزمة داخل سياق أوسع يتعلق بتآكل الحماية الاجتماعية وارتفاع تكلفة الخدمات الأساسية، ولذلك تخدم قراءته هذا المحور تحديدًا، لأن العدادات الكودية لا تضرب بند الكهرباء وحده، بل تزاحم الإنفاق على الطعام والدواء والمواصلات داخل البيوت محدودة الدخل.
لذلك تبدو الأزمة أشد قسوة على الأسر التي لا تملك سندًا قانونيًا مكتملًا لوحداتها السكنية، لأن الدولة تأخرت في حسم ملفات التصالح وتقنين الأوضاع، ثم عاقبت السكان بتسعير أعلى أو محاسبة أقل عدالة، بدل أن تتحمل مسؤوليتها عن تعقيد الإجراءات وتضارب القرارات.
البرلمان يطالب بالمراجعة والوزارة تتمسك بالدفاع
طالب نواب ومراقبون بمراجعة منظومة العدادات مسبقة الدفع بالكامل، لأن استمرار الشكاوى يضرب الثقة في طريقة احتساب الاستهلاك والرسوم، كما أن غياب إعلان حكومي واضح عن زيادة جديدة في الأسعار لم يمنع شعور المواطنين بأن الفاتورة ارتفعت فعليًا عبر الخصومات والشحن المتكرر.
في هذا السياق، يخدم رأي خبير الطاقة هاني النقراشي محور الكفاءة والرقابة، لأنه يركز في مداخلاته العامة على أن إدارة الطاقة لا تنفصل عن دقة القياس وحسن التخطيط، ولذلك لا يكفي أن تتحدث الوزارة عن وفرة كهرباء بينما يعجز المواطن عن فهم طريقة محاسبته اليومية.
وبدل أن تقدم الحكومة آلية مراجعة مستقلة لشكاوى العدادات الكودية، واصلت وزارة الكهرباء خطابها التقليدي عن القواعد المنظمة والخصومات المستحقة، وهو خطاب يزيد الغضب ولا يخففه، لأن المشكلة لم تعد في وجود رسوم فقط، بل في غياب كشف تفصيلي يسبق الخصم ويمنح المواطن حق الاعتراض.
كما أن تحويل الملف إلى البرلمان يضع الحكومة أمام مسؤولية أكبر من مجرد رد إداري، لأن 59 نائبًا لم يتحركوا من فراغ، بل من تراكم شكاوى في دوائرهم، ومن شعور شعبي بأن العدادات الكودية صارت قناة لتحصيل أموال إضافية من فئات تعيش أصلًا تحت ضغط اقتصادي شديد.
وتؤكد الوقائع أن الأزمة تحتاج قرارًا واضحًا بإعادة فحص التسعير والخصومات والشريحة الموحدة، مع نشر قواعد المحاسبة بلغة مبسطة على كل إيصال شحن، لأن أي منظومة لا يستطيع المواطن مراجعتها تتحول عمليًا إلى سلطة مالية مغلقة، مهما كررت الوزارة أنها تطبق القانون.
وفي النهاية، لا تستطيع وزارة الكهرباء أن تطالب الناس بالثقة بينما يشتكي المواطنون من رصيد يتبخر، ولا يستطيع الوزير أن يغيب عن البرلمان ثم ينتظر تهدئة الغضب، لأن العدادات الكودية كشفت خللًا أعمق في إدارة المرافق، حيث تدفع الأسر الثمن أولًا وتحصل على التفسير آخرًا.

