شهدت منصات التواصل الاجتماعي، انتقادات موجهة ضد شركة بيكو مصر للأجهزة الكهربائية بسبب تراجع مستوى خدمات ما بعد البيع وتجاهل شكاوى الأعطال المفاجئة خاصة للثلاجات والغسالات.

 

وتأتي الأزمة في سوق أنهكته أسعار الأجهزة المعمرة وتراجع القدرة الشرائية، حيث يدفع المواطن ثمن الجهاز مرة عند الشراء وثمن العطل مرة ثانية عند الملاحقة اليومية للصيانة، بينما تكتفي جهات حكومية بواجهات الشكاوى دون إعلان نتائج فحص علنية.

 

شكاوى الأعطال تتسع وسط كلفة معيشة تخنق الأسر

 

تصاعدت الشكاوى بالتزامن مع تمدد بيكو في السوق المصري، إذ أعلنت الشركة في سبتمبر 2024 عن مصنع يضم خطوط إنتاج للأفران والثلاجات وغسالات الأطباق، بطاقة سنوية تستهدف 1.5 مليون جهاز لخدمة السوق المحلي والتصدير.

 

غير أن صورة الاستثمار الواسع لم تمنع ظهور روايات عملاء عن أعطال مبكرة في أجهزة منزلية باهظة الثمن، بينها ثلاجات وغسالات وتكييفات وغسالات أطباق، مع اتهامات بتأخر الاستجابة أو عودة الجهاز بعد الصيانة بالمشكلة ذاتها.

 

وبحسب الشكاوى المتداولة على صفحات التواصل، يواجه مستهلكون صعوبة في الوصول إلى حل نهائي، لأن البلاغ يبدأ باتصال بخدمة العملاء ثم زيارة فني ثم انتظار تقرير، قبل أن يدخل العميل في دائرة جديدة بين الإصلاح والاستبدال.

 

وأبدى أحد العملاء، يدعى صبري عطية استياءه الشديد من تعطل تبريد ثلاجه الخاصة بشكل مفاجئ رغم شرائها في فبراير 2023 وعدم استهلاكها بانتظام لظروف سفره الطويلة خارج البلاد؛ محذرا المستهلكين من التعامل مع الشركة نتيجة ما وصفه بالبرود والتعامل غير اللائق من قبل ممثلي خدمة العملاء.

 

وأوضح العميل، أنه تواصل مع الدعم الفني للشركة أكثر من 10 مرات دون جدوى؛ حيث أجرى اتصالًا وثق فيه بلاغه بتاريخ 21 مايو 2026 الحالي؛ لتكون النتيجة مرور 5 أيام كاملة دون تحرك أو رد رسمي من الشركة؛ والتي أفادت بأن فحص العطل سيتم تأجيله إلى ما بعد إجازة العيد؛ مما يعني استمرار المشكلة لأكثر من 15 يومًا.

 

وأبدى عميل آخر يدعى يوسف محمد استياءه من تعطل غسالة بيكون في اليوم الثاني لشرائه لها.

 

كما تكشف هذه الروايات عن فجوة بين الإعلان التجاري عن جودة المنتج وبين تجربة الاستخدام اليومية، إذ لا يشتري المواطن جهازا معمرا للرفاهية، بل يعتمد عليه في طعام أسرته وغسيل ملابسه وتبريد منزله داخل مناخ اقتصادي ضاغط.

 

في هذا السياق، يفسر الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أزمة الأجهزة المعمرة من زاوية القدرة الشرائية، إذ يرى أن ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل يدفعان الأسر إلى تأجيل الشراء أو التشبث بالصيانة، ما يجعل العطل عبئا معيشيا لا خلافا تجاريا عابرا.

 

لذلك تتحول الشكوى من مشكلة فردية إلى مؤشر سوقي عندما تتكرر في موديلات أو خدمات بعينها، لأن المستهلك لا يملك ترف تبديل الثلاجة أو الغسالة، ولا يستطيع تحمل انتظار طويل تحت ضغط العمل والأسرة والحرارة.

 

وتزيد خطورة الأزمة حين يتعامل مركز الخدمة مع البلاغ كملف إداري، بينما يتعامل المواطن معه كضرر يومي، لأن توقف الثلاجة يعني تلف الطعام، وتوقف الغسالة يعني تكلفة إضافية، وتعطل التكييف يعني معاناة مباشرة داخل المنازل.

 

خدمة ما بعد البيع أمام اختبار القانون والضمان

 

أعلنت بيكو عبر قنواتها الرسمية أن رقم 16165 هو الخط الساخن الوحيد لخدمة العملاء والشكاوى، غير أن وجود رقم رسمي لا يكفي وحده لإثبات فاعلية الخدمة، لأن معيار الحماية يقاس بسرعة الحل وجودة الإصلاح ووضوح حق الاستبدال.

 

وبالتوازي، يفرض قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 التزامات واضحة على المورد، تبدأ بضمان السلع المعمرة ضد عيوب الصناعة لمدة عامين على الأقل، وتشمل الكشف والفحص والإصلاح وقطع الغيار ونفقات انتقال الفنيين عند الحاجة.

 

كذلك يمنح القانون المستهلك حق استبدال السلعة أو إعادتها خلال 30 يوما إذا ظهر عيب أو عدم مطابقة للمواصفات أو للغرض المتعاقد عليه، من دون تحميله تكلفة إضافية بسبب عيب لم يتسبب فيه.

 

ثم يشتد الالتزام القانوني عند تكرار العيب ذاته أكثر من مرتين خلال العام الأول، إذ يلزم المورد باستبدال السلعة بأخرى جديدة من ذات النوع والمواصفات، أو رد قيمتها، عندما يؤثر العيب جوهريا على الأداء الوظيفي.

 

ومن هنا، لا تبدو شكاوى بيكو مجرد خلاف بين عميل غاضب وشركة كبرى، بل اختبار مباشر لتطبيق القانون على سوق الأجهزة الكهربائية، خصوصا عندما يتحول الضمان من حماية للمستهلك إلى باب انتظار مفتوح بلا موعد حاسم.

 

ويخدم رأي الخبير القانوني محسن جمال هذا المحور، إذ يوضح في سياق قضايا حماية المستهلك أن مسؤولية المورد لا تسقط بمجرد توصيف البيع أو الخدمة، وأن امتناع البائع عن استبدال سلعة معيبة قد يفتح باب المساءلة القانونية.

 

وبناء على ذلك، يجب أن يجيب أي فحص جاد عن سؤال محدد، هل تعكس الشكاوى حالات سوء استخدام متفرقة، أم تكشف نمطا متكررا في المنتج أو الصيانة، لأن الإجابة هي التي تحدد الاستبدال أو الإصلاح أو المساءلة.

 

لكن طريقة إدارة الشكاوى تصبح جزءا من المشكلة عندما لا يحصل العميل على تقرير فني مفهوم، أو حين يظل قرار الاستبدال معلقا بين الشركة والوكيل ومركز الخدمة، بينما يستمر الجهاز المعطل داخل منزل المستهلك.

 

وزارة الصناعة تملك أدوات التدخل وتترك المستهلك وحده

 

تمتلك وزارة الصناعة ومصلحة الرقابة الصناعية مسارا واضحا لتلقي شكاوى المواطنين من المنتجات الصناعية الرديئة أو المغشوشة أو غير المطابقة للمواصفات، كما تشمل الاختصاصات شكاوى مراكز خدمة ما بعد البيع للأجهزة الكهربائية والإلكترونية.

 

ومع ذلك، لا تظهر للعلن حتى الآن نتائج رقابية واضحة بشأن شكاوى بيكو، ولا توجد بيانات منشورة توضح عدد البلاغات أو طبيعة الأعطال أو ما إذا كانت الوزارة طلبت فحص عينات من موديلات بعينها.

 

وهنا تتجلى الأزمة الحكومية في أبسط صورها، لأن الدولة التي حضرت افتتاح مصنع ضخم واستعرضت أرقام الاستثمار والتصدير والوظائف، مطالبة بالظهور نفسه عندما يشتكي المواطن من عيب تصنيع أو خدمة صيانة لا تنهي المشكلة.

 

كما يتيح جهاز حماية المستهلك تقديم الشكاوى عبر موقعه وخطه الساخن 19588، ويصنف السلع المعمرة والأجهزة الإلكترونية والتكييفات ضمن أنواع الشكاوى الممكنة، لكن الإتاحة الرقمية لا تعوض غياب ردع معلن عند تكرار البلاغات.

 

وفي تصريحات منشورة، قال رئيس جهاز حماية المستهلك إبراهيم السجيني إن الجهاز يفرق فنيا بين عيب الصناعة وسوء الاستخدام، ويستدعي إدارة الشركات عند زيادة الشكاوى، وقد يصل الأمر إلى سحب المنتج للصيانة أو من السوق.

 

غير أن هذه الآلية تبقى بلا أثر سياسي أو اجتماعي إذا لم تتحول إلى إعلان واضح للمواطنين، لأن المستهلك لا يحتاج فقط إلى رقم شكوى، بل يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت الجهة الرقابية اختبرت المنتج وحاسبت المقصرين.

 

ويدعم الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني هذا الاتجاه من زاوية أوسع، إذ ينتقد سياسات اقتصادية تنحاز إلى رجال الأعمال على حساب محدودي الدخل، وهي قراءة تجعل حماية المستهلك جزءا من ميزان العدالة لا ملحقا دعائيا للاستثمار.

 

لذلك تبدو أزمة بيكو مرآة لاختلال أوسع في إدارة السوق، حيث تحصل الشركات الكبرى على مساحات واسعة من الاحتفاء الرسمي عند الافتتاح، بينما يتحمل المواطن وحده تكلفة التعطل والانتظار والإثبات والملاحقة اليومية لمراكز الصيانة.

 

وإذا أرادت وزارة الصناعة الخروج من موقع المتفرج، فعليها نشر حصر رسمي بعدد شكاوى بيكو، وتحديد المنتجات الأكثر ورودا في البلاغات، وإعلان نتائج فحص فني مستقل، وإلزام الشركة بجدول زمني للاستبدال أو الإصلاح.

 

كما يجب على جهاز حماية المستهلك أن ينشر موقفا واضحا من الشكاوى الجماعية، لأن تركها داخل منشورات متفرقة يبدد الحق العام، بينما توحيدها في ملف رقابي يكشف هل المشكلة في منتج بعينه أم في منظومة خدمة ما بعد البيع.

 

وتتحمل بيكو بدورها مسؤولية الرد العلني، لا عبر عبارات تسويقية عن الجودة، بل عبر إعلان عدد البلاغات ونسب الحل والاستبدال ومتوسط زمن الصيانة، لأن الشفافية تصبح شرطا أساسيا عندما يتسع حضور الشركة داخل السوق المصري.

 

في النهاية، لا تقف أزمة بيكو عند جهاز تعطل أو زيارة فني تأخرت، بل تكشف خللا بين خطاب التصنيع الرسمي وواقع المستهلك، فإذا غابت الرقابة العلنية أصبح الضمان ورقة، وأصبح المواطن الطرف الأضعف في سوق شديد القسوة.