شهد الاتفاق الذي توصلت إليه الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لإنهاء المواجهة العسكرية الأخيرة ترحيبًا واسعًا من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي اعتبره خطوة مهمة نحو احتواء التوترات الإقليمية وفتح نافذة جديدة أمام جهود السلام والاستقرار في المنطقة، داعيًا في الوقت ذاته إلى استثمار أجواء التهدئة الناشئة عن الاتفاق من أجل وقف الحرب على قطاع غزة ووضع حد للكارثة الإنسانية المتفاقمة التي يعيشها الفلسطينيون.
الاتفاق يفتح نافذة جديدة لخفض التوتر الإقليمي
وأكد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في موقف رسمي صدر عن رئيسه الشيخ الدكتور علي محيي الدين القره داغي، أن أي جهد صادق يسهم في حقن الدماء ووقف الحروب وإعلاء قيم الحوار والعدل يستحق الدعم والتأييد، لما يحققه من مصالح للشعوب ويحفظ أمنها واستقرارها.
وأوضح القره داغي أن الاتفاق الأمريكي الإيراني يمثل تطورًا مهمًا في مسار احتواء التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة خلال الأسابيع الماضية، مشيرًا إلى أنه يوفر فرصة حقيقية للانتقال من منطق المواجهة والصدام إلى منطق الحوار والتفاهم السياسي.
كما ثمّن الجهود الدبلوماسية والوساطات التي ساهمت في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، مشيدًا بالدور الذي لعبته دول عدة في تهيئة المناخ المناسب للوصول إلى هذا التفاهم، ومؤكدًا أن نجاح أي مبادرة سلمية ينعكس إيجابًا على أمن المنطقة واستقرارها.
دعوات لاستثمار الاتفاق في وقف معاناة غزة
ورغم الترحيب بالاتفاق، أعرب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عن أسفه لعدم امتداد نتائج التهدئة إلى قطاع غزة، الذي ما زال يعيش أوضاعًا إنسانية مأساوية نتيجة استمرار العمليات العسكرية وتفاقم معاناة المدنيين.
وأشار القره داغي إلى أن الفلسطينيين يواجهون ظروفًا بالغة الصعوبة في ظل استمرار القتل والتدمير والتجويع، إضافة إلى القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية، وهو ما يستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا لإنهاء هذه المأساة.
ودعا الاتحاد المجتمع الدولي والقوى المؤثرة إلى البناء على المناخ الإيجابي الذي أوجده الاتفاق الأمريكي الإيراني، والعمل بشكل جاد من أجل وقف الحرب على غزة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وكافية، وتوفير الحماية للمدنيين، وصولًا إلى تحقيق سلام عادل يحفظ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويعزز الاستقرار في المنطقة.
الصلابي: حقن الدماء مقصد شرعي وإنساني
من جانبه، أكد الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور علي محمد الصلابي أن السلام وحماية الأرواح ووقف نزيف الدماء تمثل مقاصد أساسية في الشريعة الإسلامية، مشددًا على أن أي اتفاق يساهم في إنهاء الحروب وتخفيف معاناة الشعوب يستحق الترحيب والدعم.
وأشاد الصلابي بالأدوار التي قامت بها عدة دول في دعم جهود الوساطة وتقريب وجهات النظر، مشيرًا إلى مساهمات كل من باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر في تهيئة الظروف المناسبة للوصول إلى الاتفاق.
وأوضح أن هذه الجهود تعكس قدرة الدول الإسلامية والإقليمية على لعب أدوار إيجابية في معالجة الأزمات المعقدة عبر الحوار والدبلوماسية، بعيدًا عن منطق القوة العسكرية والصراعات المفتوحة.
كما أثنى على المواقف التي اتخذتها دول الخليج خلال الأزمة، معتبرًا أن تعاملها اتسم بالحكمة والمسؤولية، سواء من خلال حماية أمنها الوطني أو عبر تجنب الانجرار إلى مسارات تصعيدية كان من الممكن أن تدفع المنطقة نحو مواجهات أوسع وأكثر خطورة.
من التهدئة العسكرية إلى معالجة أزمات المنطقة
ويرى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن نجاح الاتفاق الأمريكي الإيراني يجب ألا يقتصر على وقف المواجهة الحالية، بل ينبغي أن يشكل نقطة انطلاق لمعالجة ملفات إقليمية أخرى لا تزال تشكل مصدر توتر وعدم استقرار.
ويأتي هذا الموقف في ظل ما شهدته المنطقة خلال الأسابيع الماضية من تصعيد عسكري غير مسبوق بين واشنطن وطهران، تخللته ضربات متبادلة واستهداف مواقع ومنشآت حساسة، الأمر الذي أثار مخاوف إقليمية ودولية واسعة من احتمال انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدًا أن التفاهم الجديد يهدف إلى إنهاء المواجهة العسكرية وفتح الباب أمام مسار سياسي ودبلوماسي يمنع عودة التصعيد مستقبلًا. كما أبدت طهران استعدادها للالتزام بالاتفاق طالما التزمت الأطراف الأخرى ببنوده.
وجاء الاتفاق نتيجة سلسلة من الاتصالات والوساطات الإقليمية والدولية المكثفة التي سعت إلى احتواء الأزمة ومنع توسعها، خاصة في ظل التحذيرات من التداعيات الاقتصادية والأمنية الخطيرة لأي مواجهة مفتوحة على أسواق الطاقة وحركة الملاحة الدولية واستقرار الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي ينظر فيه كثير من المراقبين إلى الاتفاق باعتباره فرصة مهمة لخفض التوتر ومنع اتساع دائرة الحرب، تتزايد الدعوات إلى استثمار هذه اللحظة السياسية في معالجة أزمات أكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها الحرب المستمرة على قطاع غزة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي ويخفف من معاناة الشعوب التي دفعت ثمنًا باهظًا للصراعات المتلاحقة في المنطقة.

