نفذ مستوطنون متطرفون، هجمات متزامنة على مساجد في جلجليا ومزارع النوباني وبرقا ودير دبوان بالضفة الغربية، أسفرت عن حرائق وأضرار واسعة، ضمن موجة وثقت 50 اعتداء على المساجد والمقامات منذ بداية 2025.
وبذلك لم تعد الاعتداءات مجرد انفلات ميداني، بل تحولت إلى سياسة ترهيب مفتوحة، تستهدف بيوت العبادة والبيوت والممتلكات، وتدفع الفلسطينيين إلى العيش بين نار المستوطنين وتواطؤ جيش الاحتلال وصمت الحكومة الإسرائيلية.
إرهاب ديني يستهدف المساجد والمواطنين الفلسطينيين
في جلجليا شمال رام الله، استيقظ الشيخ محمد الخصيب، إمام المسجد الكبير، على أصوات انفجارات قريبة، بعدما ألقى المستوطنون إطارات مشتعلة داخل المسجد ومحيطه، وكادت النار تلتهم مسكنه وعائلته في الطابق الأرضي.
كما أن شهادة الخصيب تكشف حجم الجريمة، إذ لم يكن المسجد وحده هدفا للحرق، بل عائلة كاملة كانت مهددة بالموت، فيما تحولت شعارات الكراهية على الجدران إلى إعلان صريح لليلة حرق المساجد.
ولزيادة الرعب، كتب المهاجمون عبارات تحريضية تمجد مستوطنين شاركوا في اعتداءات سابقة، وتدعو آخرين إلى تكرار الحرق، بما يؤكد أن الهجوم لم يكن عفويا، بل رسالة منظمة لتوسيع دائرة النار.
لذلك تزامن إحراق مسجد جلجليا مع هجوم آخر على مسجد مزارع النوباني المجاور، في مشهد يعكس تنسيقا ميدانيا واضحا، ويكشف أن المستوطنين يتحركون بمنطق العصابة المحمية لا بمنطق الأفراد المنفلتين.
ومن ثم قام الأهالي والدفاع المدني بدور حاسم في منع الكارثة، بعدما هرع سكان جلجليا والقرى المجاورة لإخماد النيران، بينما بقيت أجهزة الاحتلال، كعادتها، جزءا من البيئة التي تسمح بوقوع الجريمة.
غير أن رئيس مجلس قروي جلجليا، أسامة أسعد، يرى أن الاعتداءات تستهدف المساجد بصورة أساسية لترهيب الفلسطينيين، مشيرا إلى أن القرية محاطة بمستوطنات وبؤر رعوية تحولت إلى منصات يومية للاعتداء والسرقة والحرق.
علاوة على ذلك، تعرضت المنطقة خلال الأسابيع الماضية لسرقة ماشية وإحراق مركبة ومحاولة إحراق منزل، ما يجعل المسجد حلقة في سلسلة عدوانية أوسع، هدفها كسر شعور الناس بالأمان داخل قراهم.
حكومة اليمين من التحريض إلى الرعاية
بناء على ذلك، يصبح الحديث عن مستوطنين متطرفين وحدهم تبسيطا مضللا، لأن هذه المجموعات تتحرك في ظل حكومة يمينية توفر الغطاء السياسي، وتسمح لخطاب الحرق والتهجير بالانتقال من الهامش إلى قلب المشهد.
في المقابل، يوثق أحمد الرفاعي، مسؤول قسم توثيق الاعتداءات في وزارة الأوقاف الفلسطينية، تصاعدا ملحوظا في استهداف المساجد والمقامات، من اقتحام وخط شعارات عنصرية إلى محاولات حرق وإغلاق في مناطق مختلفة.
وبحسب الرفاعي، فإن جيش الاحتلال والحكومة الإسرائيلية يتساهلان مع المستوطنين الذين ينفذون اعتداءات يومية، بل يوفران بيئة إفلات من العقاب تجعل المسجد والمزرعة والمنزل أهدافا مفتوحة أمام عصابات منظمة.
ثم إن حديث الرفاعي عن دعم مجموعات فتية التلال بمخصصات مالية يكشف انتقال الخطر من التواطؤ السلبي إلى الرعاية الفعلية، حيث تصبح الأموال الرسمية وقودا سياسيا لعنف ميداني ضد الفلسطينيين ومقدساتهم.
كذلك لا تنفصل هجمات المساجد عن اقتحامات الأقصى اليومية، التي تجري تحت حماية شرطة الاحتلال، وبقيادة رمزية من وزراء متطرفين مثل إيتمار بن غفير، ضمن محاولة مستمرة لكسر المكانة الدينية والسياسية للمقدسات.
وفي هذا السياق، شهد المسجد الأقصى الأربعاء اقتحام 107 مستوطنين بحماية الاحتلال، بينما تستمر الاقتحامات الصباحية والمسائية والصلوات الاستفزازية، بالتوازي مع قيود تضيق وصول المسلمين وأهالي القدس إلى المسجد.
ومن ناحية أخرى، يستخدم الاحتلال الحواجز وإغلاق المدن وهدم المنازل وتوسيع المستوطنات كأدوات ضغط يومية، تجعل حياة الفلسطيني أكثر قسوة، وتدفعه إلى خيارين أحلاهما مر: الصمود المكلف أو الرحيل القسري.
لهذا تبدو الحرائق في المساجد جزءا من سياسة أكبر، تبدأ بالاستيطان وتنتهي بالتهجير، مرورا بتفكيك الحياة اليومية للفلسطينيين، وتحويل القرى إلى جزر محاصرة بالخوف والنار والمستوطنات المسلحة.
التهجير هدف الجريمة لا نتيجتها
على الصعيد نفسه، شهدت قرية برقا شرقي رام الله محاولة إحراق مسجد أثناء وجود مصلين داخله قبيل صلاة العشاء، بعدما حمل المستوطنون إطارات مغطاة بالبنزين، وحطموا النوافذ وألقوا مواد حارقة في الطابق الأول.
لكن وجود المصلين داخل المسجد أفشل المخطط، إذ أطلقوا نداءات عبر مكبرات الصوت، فتوافد أهالي البلدة، وأخمدوا الحريق في المسجد والسيارة، وحولوا لحظة الرعب إلى مواجهة شعبية مباشرة مع المعتدين.
وفي تقدير رئيس بلدية برقا صايل كنعان، فإن هجمات فتية التلال تهدف إلى إفراغ البلدات الفلسطينية من سكانها عبر الحرق والتهديد والاعتداء المتكرر، مؤكدا أن البقاء في الأرض هو الرد العملي على الاستيطان.
كما أن الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي محمد دراغمة يربط تصاعد هجمات المستوطنين بسياسة الاحتلال العامة في الضفة، ويرى أن انتهاك المقدسات الإسلامية والمسيحية لم يعد فعلا جانبيا، بل جزءا من مشروع السيطرة.
ويضيف دراغمة أن استهداف المساجد لا يأتي من المستوطنين فقط، بل يجد امتداده في المستوى الرسمي الإسرائيلي، خصوصا داخل الأراضي المحتلة عام 1948، حيث يتقاطع التحريض الديني مع مشاريع التهويد والسيطرة.
بالتالي، يكشف حرق مساجد جلجليا ومزارع النوباني وبرقا ودير دبوان أن المستوطنين يختبرون حدود الجريمة بلا خوف، لأنهم يدركون أن الاحتلال سيلاحق الضحية بالحواجز، لا الجاني بالمحاسبة والعقاب.
إلى جانب ذلك، فإن توثيق 50 اعتداء على المساجد والمقامات منذ بداية 2025 يثبت أن المسألة ليست حادثة موسمية، بل نمط متكرر، يتغذى على حكومة يمينية تعتبر الضفة مساحة مفتوحة للتوسع والتنكيل.
ومن هنا، يصبح إحراق المتوضأ أو تحطيم زجاج المسجد أو كتابة شعار عنصري عملا سياسيا بامتياز، لأنه لا يستهدف الحجر وحده، بل يسعى إلى إهانة الجماعة ودفعها للشعور بأن مقدساتها بلا حماية.
ومع ذلك، أظهرت القرى المستهدفة أن الدفاع الشعبي السريع ما زال قادرا على تقليل الخسائر، لكن هذا الصمود لا يلغي مسؤولية الاحتلال، ولا يبرئ المجتمع الدولي من صمته أمام هندسة التهجير بالنار.
في النهاية، تكشف هذه الاعتداءات أن حكومة نتنياهو لا تدير احتلالا تقليديا فقط، بل ترعى منظومة إحلال عنيفة، تستخدم المستوطنين كذراع ميدانية، والمساجد كهدف رمزي، والترهيب كطريق لاقتلاع الفلسطينيين.

