منذ اللحظة الأولى التي انقلب فيها عبدالفتاح السيسي على الرئيس المنتخب محمد مرسي، وأطاح بأحلام ملايين المصريين الذين كانوا يتطلعون لممارسة الديمقراطية والحكم المدني، لم يعط انطباعًا مغايرًا يوحي بعكس نظرة المعارضين له، او على الأقل يعمل على محاولة تجميل الصورة القبيحة له كحاكم استبدادي، لا يؤمن برأي سوى رأيه، ولا يستمع إلى صوت سوى صوته.
فلم يكن السيسي الذي قدّم نفسه لأنصاره الذين دعموا انقلابه على الحاكم المنتخب، بوصفه "المنقذ" لمصر من الظلامية، وحاميها من الاحتراب والاقتتال الداخلي، إلا حاكمًا مستبدًا مهما أطلق عليه جوقة إعلامه من أوصاف توحي بعكس ذلك، وهو نفسه قال يومًا بلهجة غاضبة: "أنا عسكري.. أنل لست سياسيًا"، وهو ما يعني أنه لا يؤمن بحرية الرأي، أو يتقبل المعارضة، لأنه غير مؤهل لذلك من الأساس.
أكثر الحكام الاستبداديين في تاريخ مصر الحديث
ويظل السيسي في أعين المصريين أكثر الحكام الاستبداديين في تاريخ مصر الحديث، بعد أن قاد مصر إلى مزيد من الاستبداد، وبصورة أكثر بطشًا وقسوة حتى من الرئيس الراحل حسني مبارك، الذي أطاحت به ثورة 25 يناير بعد أن حكم لمدة ثلاثة عقود في ظل حالة الطوارئ.
ووثقت منظمات حقوق الإنسان كيف إن السيسي كمم أفواه المعارضين السياسيين والناشطين ووسائل الإعلام، في حين قامت قوات الأمن في عهده بعمليات اعتقال تعسفية وتعذيب دون عقاب، وأصدرت المحاكم أحكامًا بالإعدام على المئات من أنصار جماعة "الإخوان المسلمين".
وقد عمد السيسي إلى محاولة طمس جريمته الأبشع في تاريخ مصر، التي راح ضحيتها مئات المعتصمين السلميين في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة في 14 أغسطس 2013، دفاعًا عن شرعية الرئيس المنتخب محمد مرسي، من خلال تغيير ملامح المنطقة التي اختلط فيها دماء المعتصمين، وغلق مسجد رابعة أمام الصلاة، بل وتحويل اسم الميدان إلى ميدان "الشهيد هشام بركات".
شراء ولاء طاعة الجيش بالامتيازات
أحال السيسي تحت قيادته الجيش من كونه حاميًا للدولة، إلى مالك لها، بعد أن أطلق يده في كل شيء، وأصبح دولة موازية داخل الدولة، تتمتع بامتيازات، وتمتلك حصانة من أية مساءلة، وفي مقابل الولاء والطاعة له، سمح قائد الانقلاب للجيش بالسيطرة على ثروات الدولة ومؤسساتها، حيث يدير كبارر القادة هذه الموارد في المقام الأول لمصلحتهم الشخصية، دون أي مساءلة.
حتى إن ولاء الجيش للسيسي يمتد إلى قرارات قد تُهدد الأمن القومي في الصميم، مثل التنازل عن السيادة على جزيرتي تيران وصنافير الاستراتيجيتين في البحر الأحمر، الواقعتين في خليج العقبة، لصالح المملكة العربية السعودية، والوقوف موقف المتفرج من بناء سد النهضة الإثيوبي الذي يهدد موارد مصر المائية، على خلاف الرئيس الأسبق مبارك الذي لم يخف عزمه قصفه السد منذ اللحظة الأولى لبنائه.
ولا تزال معادلة الحكم الراسخة بين الرئاسة والجيش كما يقول المعلقون قائمة: فالرئيس يمتلك السلطة المطلقة، شريطة أن يحافظ على السيطرة والاستقرار. وفي أوقات الاضطرابات، يتدخل الجيش ويفرض شروطه، كما حدث في انتفاضة يناير 1977 وثورة يناير 2011. وقد تكرر هذا عقب الاحتجاجات الجماهيرية في سبتمبر 2019.
ويقول مراقبون إن خبرة السيسي الواسعة في الجيش لعبت دورًا حاسمًا في الحفاظ على الاستقرار الداخلي للمؤسسة العسكري، من خلال كبح جماح الطموحات الشخصية، ومنع تشكيل مراكز القوى، واستخدام أساليب الترغيب والترهيب معًا. وترسخت التغييرات السريعة والمنتظمة في مواقع القيادة مؤسسيًا من خلال تقليص مدة شغل المناصب العسكرية العليا من أربع سنوات إلى سنتين فقط؛ ويحتفظ السيسي بسلطة تمديدها، مما يضمن السيطرة المطلقة والولاء التام.
أكثر من 5 آلاف انتهاك خلال عام 2025
ورصد "مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب"، في تقريره السنوي عن حالة حقوق الإنسان في مصر، 5053 انتهاكًا خلال عام 2025، من بينها 81 حالة وفاة في السجون ومقار الاحتجاز المختلفة.
ووثق التقرير، الذي صدر بالتزامن مع الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير، ظهور 1444 حالة اختفاء قسري بعد مدد متباينة، فيما بلغ عدد حالات الإخفاء الجديدة المرصودة 581 حالة.
كما سجل التقرير 820 حالة "تكدير" (تضييق متعمد)، و515 حالة عنف، و274 حالة إهمال طبي، و188 انتهاكًا جماعيًا. وفي ما يخص التعذيب الفردي، ورصد 84 حالة، بينما استقرت حالات "القتل" (خارج إطار القانون) عند 66 حالة إجمالية.
ورصد التقرير وفاة 78 محتجزًا خلال عام 2025، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بـ57 حالة في العام السابق. وتوزعت الوفيات بين 44 حالة في السجون (بما في ذلك حالة واحدة في سيارة ترحيلات)، و31 حالة في أقسام الشرطة، و3 حالات أثناء الإخفاء في مقار "أمن الدولة".
وشدد التقرير على أن حالات الوفاة نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي المتعمد تُعد جرائم لا تسقط بالتقادم وفقاً للدستور والقانون، كما أشار إلى وجود "فجوة بين الواقع المرصود والدعاية الرسمية لمراكز الإصلاح والتأهيل الجديدة المسماة (الطراز الأمريكي)"، مؤكدًا غياب آليات الإنصاف والمحاسبة.
وأشار التقرير إلى أن "هزيمة الجولة الأولى من الثورة لم تنهِ أسبابها؛ إذ استعاد النظام السياسي قبضته الأمنية ووسع من سياسات القمع"، معتبرًا أن تجربة يناير أكدت أن "القهر مهما طال لا يدوم، وأن الصمت المفروض ليس أبديًا".

