اعتمد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، في دورته المستأنفة بالعاصمة الأردنية عمان، تعيين نبيل فهمي أمينًا عامًا جديدًا للجامعة لمدة 5 سنوات تبدأ في 1 يوليو 2026، خلفًا لأحمد أبو الغيط الذي تنتهي ولايته في 30 يونيو، ليصبح فهمي الأمين العام التاسع في تاريخ المنظمة العربية التي تأسست عام 1945.

 

غير أن تمرير الاسم بالإجماع لا يلغي الأسئلة الثقيلة حول دلالة الاختيار، ولا يحوله إلى إنجاز سياسي للنظام المصري، بقدر ما يعيد إنتاج تقليد قديم يجعل منصب الأمين العام أقرب إلى حصة مصرية ثابتة داخل مؤسسة عربية مترهلة، عاجزة منذ عقود عن وقف الحروب أو حماية الشعوب أو فرض كلفة سياسية حقيقية على الاحتلال والأنظمة القمعية.

 

 

الدبلوماسي القادم من لحظة 3 يوليو

 

يأتي نبيل فهمي إلى الجامعة العربية محملًا بسيرة دبلوماسية طويلة، لكنه أيضًا محمل بلحظة سياسية لا يمكن فصلها عن مساره العام؛ فقد تولى وزارة الخارجية المصرية في يوليو 2013 داخل حكومة ما بعد انقلاب الجيش على الرئيس المنتخب د. محمد مرسي، وهي اللحظة التي يعدها المصريون انقلابًا عسكريًا أسس لمسار استبدادي طويل في مصر.

 

ومن هنا، لا تبدو الإشارة إلى فهمي باعتباره “وزيرًا انقلابيًا” مجرد وصف هجومي، بل قراءة سياسية لموقعه في حكومة جاءت مباشرة بعد تدخل الجيش بقيادة عبد الفتاح السيسي في المشهد السياسي، قبل أن يتحول هذا التدخل إلى حكم كامل أحكم قبضته على المجال العام، وأعاد هندسة السياسة والإعلام والقضاء والأمن على مقاس السلطة الجديدة.

 

كان فهمي بالنسبة لتلك المرحلة واجهة خارجية ناعمة لحكم يحتاج إلى إعادة تقديم نفسه للعالم بعد مشاهد الدم والقمع والانقسام الداخلي. فبينما كانت السلطة الجديدة تبحث عن اعتراف دولي وتخفيف الضغوط الغربية، تولت الخارجية المصرية مهمة صياغة خطاب يبرر ما جرى باعتباره “تصحيحًا شعبيًا” لا انقلابًا، رغم أن جزءًا واسعًا من المعارضة والحقوقيين رأوه تأسيسًا لحكم عسكري مقنع.

 

لذلك فإن وصول فهمي إلى الأمانة العامة لا يمكن قراءته بوصفه انتقالًا مهنيًا محايدًا من دبلوماسي سابق إلى منصب إقليمي، بل بوصفه امتدادًا لمدرسة سياسية اعتادت فصل لغة الدبلوماسية عن دماء الداخل، وتحويل العبارات الهادئة إلى ستار يغطي على وقائع القمع والاعتقال وإغلاق المجال العام.

 

 

جامعة عربية تحت سقف العجز

 

تتولى الجامعة العربية هذا التغيير في قيادة أمانتها العامة بينما تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها قسوة: حرب إبادة في غزة، احتلال مستمر، تدخلات خارجية، انهيارات اقتصادية، صراعات أهلية، وخرائط نفوذ تتغير فوق رؤوس الشعوب. وفي مثل هذه اللحظة، لا يكفي اختيار أمين عام جديد إذا بقيت المؤسسة نفسها محكومة بمنطق البيانات والتوافقات الباردة.

 

فالجامعة التي تأسست عام 1945 لم تعد تُقاس بقدمها أو بعدد قممها، بل بقدرتها على حماية الحد الأدنى من الموقف العربي. والحصيلة القاسية تقول إن المؤسسة ظلت غالبًا عاجزة أمام فلسطين، وعاجزة أمام تدمير دول عربية من الداخل، وعاجزة أمام الاستبداد، وعاجزة حتى عن تحويل الإجماع الشكلي إلى أدوات ضغط دبلوماسية أو اقتصادية ملموسة.

 

وقد وصف فهمي المنصب بأنه “مسؤولية كبيرة” في ظل تحديات غير مسبوقة ومخالفات صارخة للقانون الدولي، بحسب النص المنقول عن بيانه. لكن المشكلة ليست في فصاحة التشخيص، بل في أن الجامعة العربية امتلأت لعقود بهذا النوع من العبارات، بينما ظل الفعل السياسي الحقيقي غائبًا أو مؤجلًا أو مرهونًا بإرادة العواصم الأقوى والأكثر ارتباطًا بالحسابات الدولية.

 

ومن المفارقة أن منصب الأمين العام بقي شبه محتكر مصريًا، باستثناء فترة الشاذلي القليبي بعد نقل مقر الجامعة إلى تونس وتعليق عضوية مصر عقب اتفاقية السلام مع الاحتلال. وهذا الاحتكار لا يعكس بالضرورة قوة دبلوماسية عربية، بل يكشف طبيعة مؤسسة تدور داخل أعراف مغلقة أكثر مما تستند إلى مساءلة أو برامج أو تنافس سياسي حقيقي.

 

 

تاريخ لا يصنع شرعية وحده

 

لا يمكن إنكار أن فهمي ينتمي إلى جهاز دبلوماسي محترف، وأنه عمل سفيرًا لمصر في الولايات المتحدة، وارتبط اسمه بملفات دولية وأكاديمية، كما أنه ابن وزير الخارجية الأسبق إسماعيل فهمي الذي استقال احتجاجًا على مسار السادات نحو إسرائيل. لكن التاريخ العائلي والمهني لا يمنح صاحبه براءة سياسية مطلقة، ولا يمحو موقعه في لحظة 2013.

 

فالمنطقة لا تحتاج اليوم إلى دبلوماسي يجيد صياغة البيانات فقط، بل إلى قيادة عربية تصطدم مع حدود العجز الرسمي، وتعيد فتح ملفات الاحتلال والحصار والعدالة واللاجئين والحريات. لكن تجربة الجامعة تقول إن الأمين العام، أيًا كان اسمه، يبقى غالبًا موظفًا كبيرًا داخل سقف الدول، لا صوتًا مستقلًا قادرًا على محاسبتها أو إحراجها.

 

وهنا تكمن خطورة الاحتفاء الرسمي بالاختيار؛ إذ يحاول الإعلام الموالي للسلطة تصوير المنصب كعلامة على “مكانة مصر”، بينما الحقيقة أن الشعوب لا تقيس المكانة بعدد المناصب البروتوكولية، بل بقدرة الدولة على الدفاع عن كرامة مواطنيها وعن قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين، لا بمجرد بقاء المقر في القاهرة أو استمرار العرف المصري داخل الجامعة.

 

ويبدو تعيين نبيل فهمي أقل من كونه تحولًا في مسار الجامعة، وأكثر من كونه تدويرًا لشخصية دبلوماسية خرجت من رحم مرحلة الانقلاب المصري إلى موقع عربي عام. والسؤال الآن ليس هل يستطيع فهمي إدارة الاجتماعات والبيانات، بل هل يملك أصلًا مساحة سياسية تتجاوز حدود النظام العربي الرسمي الذي أوصل الجامعة إلى هذا العجز المزمن.

 

إن الجامعة العربية، وهي تسلم قيادتها لأمين عام جديد، لا تواجه اختبار الأشخاص فقط، بل اختبار المعنى ذاته: هل تبقى مكتبًا لتجميع مواقف الأنظمة، أم تتحول إلى منصة ضغط من أجل الشعوب والقضايا العادلة؟ وحتى تظهر إجابة مختلفة، سيظل تعيين فهمي مجرد تغيير في الاسم، لا في وظيفة المؤسسة ولا في حدودها ولا في صمتها الطويل.