كشف رئيس الجمعية المصرية للأوراق المالية محمد ماهر أن 20 شركة في البورصة المصرية حصلت على قيد أولي وتستكمل متطلبات الحوكمة والإفصاح، تمهيدا لطرح حصص منها وبيع بعضها لمستثمرين عرب وأجانب مقابل تدفقات دولارية.
وتأتي الخطوة بينما تدفع أزمة الديون والحاجة المستمرة إلى الدولار الحكومة نحو تحويل ممتلكات عامة راكمها المصريون إلى سيولة عاجلة، بما يهدد بتآكل نصيب الأجيال المقبلة إذا جرى البيع تحت ضغط التمويل وبعيدا عن رقابة حقيقية.
طرح تحت ضغط الدولار
في البداية، قال ماهر إن الحكومة أنشأت قبل أكثر من 7 أشهر وحدة متخصصة لإدارة أصول الدولة تتبع مجلس الوزراء، وتعمل على حصر الشركات والأراضي والأصول التابعة لقطاع الأعمال العام والهيئات الاقتصادية وتحديد أفضل استخدام لها.
وبحسب تصريحاته، ناقش اجتماع برئاسة مصطفى مدبولي وبحضور وزير الاستثمار ورئيس وحدة الأصول إعادة هيكلة ملكية الشركات العامة، واستغلال الأصول غير المستغلة، وطرح حصص في البورصة أو بيعها مباشرة إلى مستثمرين استراتيجيين.
في المقابل، لا تمثل إعادة الهيكلة إجراء إداريا محايدا حين تنتهي بنقل ملكية أصول رابحة مقابل عملة أجنبية، لأن القرار يعيد توزيع الثروة العامة ويحدد من يملك عوائد الشركات والأراضي لعقود قادمة.
ومن جانبه، أوضح شريف سامي رئيس هيئة الرقابة المالية الأسبق أن الطروحات ينبغي أن تفتح الاقتصاد أمام القطاع الخاص وتحسن كفاءة إدارة الأصول، لا أن تتحول إلى أداة مؤقتة لسد نقص الدولار والالتزامات الخارجية.
وفوق ذلك، حذر سامي من ربط البرنامج بظرف الأزمة وحده، لأن التخارج المتعجل يضعف قدرة الدولة على التفاوض، بينما يحتاج نجاح الطرح إلى توسع المستثمر في النشاط وزيادة الإنتاج، وليس مجرد تحويل حصيلة البيع للخزانة.
وعمليا، يمنح نقص العملة المشترين أصحاب السيولة الدولارية أفضلية كبيرة، إذ يستطيع المستثمر العربي أو الأجنبي اقتناص حصص مؤثرة بأسعار تبدو منخفضة بعد تراجع قيمة الجنيه، فيما تتحمل الدولة خسارة تدفقات أرباح مستقبلية.
ومن ناحية أخرى، تقول الحكومة إن البيع يستهدف أفضل عائد اقتصادي وخفض الدين العام، لكن غياب قائمة نهائية معلنة بالتقييمات ونسب الطرح واستخدام الحصيلة يجعل المواطنين عاجزين عن التحقق من عدالة المقابل وحماية الملكية العامة.
وبالتوازي، يمتد الحصر الحكومي إلى أراضي الشركات غير المستغلة، وهي أصول قد تتجاوز قيمتها العقارية قيمة النشاط نفسه، لذلك يثير تغيير استخدامها أو بيعها مخاوف من تغليب المكسب السريع على التطوير الصناعي والتشغيل.
ملكية تنتقل بلا ضمانات
إلى جانب ذلك، قال ماهر إن نسب الطرح قد تبدأ من 10 بالمئة وترتفع بحسب طبيعة الشركة، مع إتاحة المجال لمستثمرين استراتيجيين لشراء حصص مؤثرة أو حاكمة، ما يفتح الباب أمام انتقال السيطرة لا مجرد توسيع الملكية.
غير أن القيد الأولي لا يعني بدء تداول الأسهم فورا، بل يسبق تقييم الشركات وتوفيق أوضاع مجالس إدارتها وإعداد الإفصاحات والتسجيل النهائي، وهو ما يجعل الحديث عن 20 شركة مسارا تمهيديا قابلا للتعديل وليس طرحا مكتملا.
وفي السياق نفسه، يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن اللجوء إلى البيع المباشر لمستثمرين خليجيين خلال اضطراب السوق وفر دولارا سريعا، لكنه طرح سؤالا جوهريا حول تحقيق تنمية فعلية أو مجرد سد عجز مالي مؤقت.
وبدوره، يحذر هذا التقييم من أن اختيار مشتري استراتيجي خارج منافسة عامة قد يقلص قدرة السوق على اكتشاف السعر العادل، خصوصا إذا غابت المزادات المفتوحة والتقييمات المستقلة والإفصاح الكامل عن شروط الصفقات والتزامات المستثمر.
لهذا، لا يكفي أن تصف الحكومة المستثمر بأنه استراتيجي، إذ يجب إلزامه بخطط واضحة للإنتاج والتشغيل والاستثمار ونقل المعرفة، ومنع تفكيك الأصول أو إعادة بيعها، مع ضمان حقوق العمال وعدم تحميلهم تكلفة الصفقة.
وعلى صعيد آخر، تطرح تجربة نقل شركات التأمين إلى الصندوق السيادي ثم إعداد بعضها للبيع تساؤلات بشأن أثر تغيير جهة الملكية على الرقابة العامة، ومدى خضوع القرارات لمناقشة مجتمعية وبرلمانية تسبق التصرف في أصول مربحة.
ومع ذلك، يروج ماهر لقدرة البورصة على استيعاب الشركات الجديدة ووجود طلب محلي مرتفع، وهي فرصة يمكن أن توسع قاعدة الملكية إذا خصصت حصص حقيقية للمستثمرين المصريين، بدلا من حصر الصفقات في كيانات أجنبية كبيرة.
وبناء على ذلك، يصبح الفارق حاسما بين طرح عام شفاف يتيح المنافسة والإفصاح، وبين بيع تفاوضي لحصة حاكمة تحت ضغط السيولة، لأن المسارين قد يحملان الاسم الحكومي نفسه بينما تختلف نتائجهما على الملكية والسيادة الاقتصادية.
بيع لا يعالج الديون
أما في خلفية البرنامج، فتواجه الحكومة التزامات تمويلية كبيرة وتسعى إلى دعم مواردها بالنقد الأجنبي، بعدما أصبح برنامج الطروحات جزءا من إصلاحات متفق عليها مع صندوق النقد الدولي لتقليص حضور الدولة وزيادة مشاركة القطاع الخاص.
لكن بيع أصل يدر أرباحا مقابل حصيلة تستخدم في سداد التزامات عاجلة يشبه استبدال دخل مستمر بدفعة واحدة، وقد يمنح الموازنة راحة مؤقتة من دون إصلاح أسباب العجز أو ضعف الصادرات والاستثمار المنتج.
وفي تفسير مواز، يؤكد الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أن المديونية المزمنة لا تعالج بصفقات خصخصة منفردة، محذرا من حلقة تبيع فيها الدولة أصولا لسداد الديون، ثم تعود الديون للتراكم فتبيع أصولا أخرى.
ومن ثم، تكمن المشكلة في توجيه الحصيلة، فإذا ذهبت الدولارات إلى خدمة الدين والواردات من دون توسيع القاعدة الإنتاجية، ستختفي السيولة ويبقى الاقتصاد فاقدا لأصل كان قادرا على توليد أرباح وفرص عمل سنوية.
علاوة على ذلك، يثير ترشيح جهاز مستقبل مصر لإدارة أصول إضافية تساؤلات حول اتساع نفوذ كيان يعمل في الزراعة والعقارات والصناعة والسياحة، وحول قواعد الرقابة والمنافسة حين تجمع جهة واحدة بين الإدارة والاستثمار وتلقي الأصول.
وبالنتيجة، لا يضمن نقل الشركات بين الوزارات والصندوق السيادي والأجهزة الحكومية رفع الكفاءة بذاته، إذ يتطلب الإصلاح مجالس مستقلة وميزانيات منشورة ومحاسبة واضحة، وإلا أصبحت إعادة الهيكلة مجرد تغيير للأسماء قبل طرح الملكية للبيع.
في غضون ذلك، يبقى العمال الطرف الأكثر عرضة للقلق، لأن تجارب الخصخصة ارتبطت بإعادة هيكلة العمالة والأجور والمزايا، بينما تخلو التصريحات الحالية من ضمانات تفصيلية بشأن استمرار التشغيل ومنع التسريح بعد دخول المستثمر الجديد.
ومن زاوية أوسع، لا يجوز اختزال الأصول العامة في قيمتها السوقية، فهي تضم مواقع استراتيجية وخبرات متراكمة وشبكات إنتاج وحقوقا اجتماعية، وأي تقييم يتجاهل هذه العناصر قد يمنح المشتري مكسبا بينما يحمل المجتمع الخسارة طويلة الأجل.
لهذا السبب، تتطلب حماية المال العام نشر أسماء الشركات قبل طرحها، وتقييماتها المستقلة، ونسب الملكية المعروضة، وهوية المشترين، وشروط المنافسة، وخطة استخدام الحصيلة، مع تمكين البرلمان والأجهزة الرقابية من مراجعة الصفقات قبل إتمامها.
في المحصلة، يكشف تجهيز 20 شركة أن موجة جديدة من الطروحات تقترب، لكن نجاحها لا يقاس بعدد الصفقات أو الدولارات المحصلة، بل بقدرة الدولة على منع البيع المتعجل وحماية الأصول وحقوق العمال والأجيال.

