“إحنا مش شايفين تطوير…. إحنا شايفين دهان من بره وخراب من جوه، ووعود بتتغير كل يوم”، بهذه الكلمات تختصر نها المنيسي إحدى سكان منطقة “المستعمرة” بالمحلة الكبرى، حكاية أكثر من ثلاث سنوات من الانتظار والقلق، تعيشها نحو 65 أسرة، وما زالت متمسكة بالبقاء، في قلب المنطقة التي كانت يومًا ما مجتمعًا عماليًا متكاملًا يضم مئات الأسر المرتبطة بمصانع الغزل والنسيج، لم يتبق اليوم سوى عمارات قليلة مأهولة، تحاصرها مساحات واسعة من الهدم والفراغ، وتغيب عنها الخدمات الأساسية وشعور الأمان. بينما اختارت نحو 685 أسرة المغادرة بعد حصولها على تعويضات مالية، قد تكون غير عادلة لكنها توفر الكثير من النزاعات عليهم.
أعلنت اللجنة الشعبية للدفاع عن أرض المحلة الكبرى تشكيل لجنة قانونية من 10 محامين في محافظة الغربية، لمواجهة التصرف في أراضي شركة مصر للغزل والنسيج، بما يفتح معركة شعبية جديدة حول السكن والملكية العامة وذاكرة العمال.
ومن جديد، لا تبدو الأزمة مجرد خلاف عقاري داخل مدينة صناعية، بل فصل آخر من سياسة تحويل حياة الفقراء إلى فرص استثمار. فالسلطة التي تتحدث عن التطوير تترك السكان أمام الخوف والطرد وغياب المعلومات.
أرض الشركة خط أحمر في مدينة العمال
وبالتالي، جاءت اللجنة الشعبية باعتبارها ردًا محليًا على غموض رسمي يحيط بمصير أراضي الشركة، خصوصًا المستعمرة، حيث يخشى الأهالي أن تتحول الملكية العامة إلى مشروعات مغلقة تخدم المستثمرين لا أبناء المدينة.
كما أن بيان اللجنة شدد على أن أراضي المحلة ليست فائضًا عقاريًا للبيع، بل مقدرات عامة تخص المدينة والأجيال القادمة. لذلك طالبت اللجنة بإتاحة المعلومات للرأي العام وفتح حوار مجتمعي قبل أي تصرف.
لزيادة الضغط، أعلن النائب أحمد بلال البرلسي تفعيل أدوات الرقابة البرلمانية، وتشكيل فريق قانوني لمتابعة الملف. وهذه الخطوة تعكس أن الأزمة خرجت من الشائعات إلى مواجهة سياسية وقانونية حول حق المدينة في أرضها.
لذلك انتشر وسم #أرض_الشركة_خط_أحمر بين أبناء المحلة، لا بوصفه شعارًا عاطفيًا فقط، بل إعلانًا بأن المدينة التي عرفت التمرد العمالي لن تقبل تمرير البيع في صمت أو عبر قرارات مبهمة.
ومن ثم، يصبح حق الانتفاع بديلاً مطروحًا عن البيع الكامل، لأنه يحقق عائدًا اقتصاديًا مع بقاء الملكية العامة. أما البيع، فيعني اقتلاع أصل تاريخي من جسد المدينة وتسليمه لمنطق الربح العقاري.
غير أن الدولة تتعامل غالبًا مع الأراضي العامة كخزان مالي جاهز، لا كذاكرة اجتماعية. وهذا ما يجعل خوف الأهالي مفهومًا، لأن تجارب سابقة أثبتت أن كلمة تطوير قد تتحول سريعًا إلى إخلاء وتهجير.
علاوة على ذلك، يلفت الباحث العمراني يحيى شوكت في نقده لسياسات المدن الجديدة إلى غياب الدراسات الاجتماعية والاقتصادية عن مشروعات عمرانية كبرى، وهو ما ينطبق على أي قرار يتجاهل السكان لصالح العقار.
من سكن العمال إلى كومباوند المستثمرين
بناءً على ذلك، تبدو المستعمرة قلب الأزمة، فهي ليست قطعة أرض مهملة، بل منطقة عمالية تاريخية تمتد على نحو 69 فدانًا، نشأت لإيواء عمال الغزل والنسيج وتحولت إلى مجتمع متكامل داخل المحلة.
في البداية، ظهرت نواتها عام 1941 لإيواء المتضررين من الحرب العالمية الثانية، ثم خصصت عام 1945 لعمال الشركة. وبعد عقود، انتقلت ملكية مبانيها إلى الشركة عام 1976 بعد سداد قيمتها من أرباح العمال.
على هذا الأساس، يرى السكان أن الحديث عن بيع أو تخصيص الأرض لمستثمرين يسرق عرق العمال مرتين، مرة حين دفعوا من أرباحهم، ومرة حين يجري تهديد ورثتهم وسكانهم باسم التطوير العمراني.
إلى جانب ذلك، كشف ديوان العمران أن نحو 65 أسرة ما زالت متمسكة بالبقاء داخل المستعمرة، وسط فراغات وهدم وغياب خدمات. وقالت نها المنيسي إن ما يجري دهان من الخارج وخراب من الداخل.
في المقابل، قبلت مئات الأسر المغادرة مقابل تعويضات مالية، لكن الرفض المتبقي ليس عنادًا، بل تمسك بمجتمع كامل تشكل عبر عقود. فالبيت هنا ليس جدرانًا فقط، بل ذاكرة عمل وجيرة وانتماء.
ثم إن أزمة المستعمرة تعمقت مع مطالبة بعض العمال بالإخلاء بعد بلوغ سن المعاش، رغم أحكام قضائية قديمة تشترط توفير بديل مناسب. وتحولت الحقوق السكنية إلى نزاعات مالية وأحكام مرهقة ضد سكان محدودي الدخل.
من ناحية أخرى، انتقد البرلسي ما تردد عن تخصيص أرض المستعمرة لإسكان استثماري، مؤكدًا تعارض ذلك مع قرار 578 لسنة 2022 الذي خصص مساحات لصالح صندوق التنمية الحضرية ضمن مشروع سكن لكل المصريين.
وبذلك يتحول السؤال من التطوير إلى العدالة: هل كانت الأرض مخصصة لمحدودي الدخل ثم صارت حلمًا للمستثمرين؟ وإذا صح ذلك، فمن يدفع الثمن غير العمال والورثة والشباب المحاصر بسوق سكن مشتعل.
وتؤكد خبرة المستشار محمد ناجي دربالة في ملف الوراق أن الملكيات والعقود تخلق تحديًا قانونيًا أمام السلطة، وأن النزاعات السكنية ليست مجرد إدارة أرض، بل صراع حقوق لا يحسمه الأمن أو الغموض.
المحلة امتداد لما حدث في ماسبيرو والوراق
فضلاً عن ذلك، لا يمكن عزل المحلة عن مسار أوسع بدأ في مناطق مثل ماسبيرو والوراق، حيث رفعت السلطة لافتة التطوير بينما عاش السكان مفاوضات قاسية وإخلاءات وضغوطًا غير متكافئة أمام مشروعات استثمارية.
من جهة أخرى، رفع أهالي ماسبيرو سابقًا شعار لسنا ضد التطوير لكن ضد التهجير، وهو الشعار نفسه الذي يصلح اليوم للمحلة. فالمشكلة ليست تحسين العمران، بل استبدال الفقراء بسكان قادرين على الدفع.
كذلك تكشف جزيرة الوراق المعادلة نفسها، إذ يعيش آلاف السكان معركة بقاء أمام خطط تحويل المكان إلى منطقة استثمارية. وكلما قيل إن الدولة تطور، سأل الأهالي: تطوير لمن وعلى حساب من.
وبحسب المفوضية المصرية للحقوق والحريات، فإن السياسات الحكومية في الوراق تخالف الدستور الذي يجرم التهجير القسري، كما تخالف المواثيق الدولية التي تشترط التفاوض مع الأهالي قبل تنفيذ أي مشروع تنموي.
في السياق ذاته، يرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو خزيم أن مجاملة المستثمرين على حساب حقوق الأهالي ليست حلاً مستدامًا، وأن الحل الأمني يزيد التعقيد. وهذا التحذير يصلح للمحلة قبل أن تتسع الأزمة.
أما مجدي حمدان، نائب رئيس حزب المحافظين، فيرى أن قضايا كهذه تحتاج تفاهمات حقيقية وتعويضات عادلة، لا فرض أمر واقع. وإذا غاب التفاوض الجاد، تصبح كل قطعة أرض مرشحة لصدام اجتماعي جديد.
لهذا تبدو المحلة اليوم أمام اختبار حاسم: هل تحافظ الدولة على ملكية عامة صنعتها عرق العمال، أم تكرر طريق ماسبيرو والوراق؟ فالمدينة لا تطلب امتيازًا، بل حقًا في معرفة مصير أرضها.
وفي النهاية، فإن المستعمرة ليست أرضًا شاغرة في دفتر شركة، بل تاريخ عمال وبيوت وأحلام شباب يبحثون عن سكن. وإذا بيعت الذاكرة للمستثمرين، فالثمن لن يكون ماليًا فقط، بل اجتماعيًا وسياسيًا أيضًا.

