تفقد محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم، مدرسة الروافع الإعدادية الثانوية المشتركة بمحافظة سوهاج، بعد واقعة شغب طلابية أسفرت عن تلفيات وسب وتهديد لأحد المدرسين، وانتهت الزيارة بتحميل الأسر تكلفة الإصلاح.

 

غير أن الواقعة لا تكشف شغب طلاب فقط، بل تفضح وزارة تتعامل مع الانهيار بعد وقوعه، وتظهر وزيرا يوزع التهديدات على الأهالي، بينما يترك أصل الكارثة قائما داخل مدرسة منهكة ومعلم مكسور.

 

وزير العقوبة لا وزير التربية

 

وبالتالي، لم يكن ظهور الوزير في سوهاج سوى إدارة متأخرة للفضيحة، فقد حضر بعد تحطيم الأثاث وتهديد المدرس، لا قبل الانفجار، ثم اختصر الأزمة في فاتورة إصلاح بدل مراجعة فشل الوزارة.

 

كما أن قرار منع الطلاب من العودة حتى يدفع ذووهم تكلفة التلفيات يحول التربية إلى غرامة مالية، ويعاقب الأسرة بعد خراب المدرسة، بينما يهرب الوزير من سؤال المسؤولية المؤسسية عن الانضباط المنهار.

 

لذلك، تبدو لغة محمد عبد اللطيف عن الحسم والحزم محاولة لتغطية عجزه، لأن المدرسة التي تحتاج إلى زيارة وزير بعد كل كارثة ليست مدرسة منضبطة، بل مؤسسة تُركت بلا متابعة حقيقية.

 

ومن ثم، فإن الوزير لم يقدم رؤية تربوية، ولم يعلن خطة لإنقاذ المعلم، ولم يواجه أسباب العنف، بل اكتفى بمنطق العقوبة بعد الواقعة، كأن وزارة التعليم مكتب محاضر لا مؤسسة بناء إنسان.

 

غير أن الوقائع المتكررة منذ احتجاجات الثانوية العامة في 2021 و2022 و2023 و2024 تكشف أن الأزمة ليست حادثا في سوهاج، بل نمط يتكرر كلما اصطدم الطلاب بامتحانات وإجراءات ومدارس بلا احتواء.

 

علاوة على ذلك، فإن البيانات شديدة اللهجة لا تخلق هيبة للمدرسة، لأن الهيبة لا تُصنع من الزيارات المفاجئة، بل من إدارة يومية عادلة، ومعلم محترم، وأخصائي حاضر، ونظام يسمع قبل أن يعاقب.

 

مدرسة بلا حماية ومعلم بلا سند

 

في المقابل، تطرح واقعة تهديد المدرس سؤالا ثقيلا عن موقع المعلم في منظومة الوزير، فكيف يطلب من المدرس ضبط الطلاب، بينما تتركه الوزارة وحيدا أمام شغب وغضب وضغط أهالي وغياب حماية.

 

كما أن الدكتور ماجد أبو العينين، عميد كلية التربية بجامعة عين شمس السابق، ربط انتشار الشغب بتراجع دور الأسرة والمعلم والإعلام، وبالتفكك والفراغ والأعمال الدرامية التي تروج للعنف والسلاح الأبيض.

 

بناء على ذلك، يصبح اتهام الطلاب وحدهم تضليلا مريحا، لأن الطالب الذي يكسر مدرسته هو نتاج بيت مأزوم ومدرسة مطحونة وإعلام رديء ووزارة لا ترى إلا الصورة النهائية بعد الانفجار.

 

إضافة إلى ذلك، فإن الوزير يطالب بتنفيذ لائحة الانضباط، لكنه لا يسأل هل تمتلك المدرسة أدوات تنفيذها أصلا، وهل يوجد عدد كاف من الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، وهل المعلم محمي إداريا وقانونيا.

 

في السياق ذاته، حذر الدكتور خالد عبد الوهاب من ضرورة عودة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين إلى المدارس، وهي نقطة تكشف عجز خطاب الوزير، لأن الحزم بلا دعم نفسي واجتماعي مجرد تهديد أجوف.

 

ثم إن الدكتور محمد أمين المفتي، أستاذ المناهج وعميد كلية التربية الأسبق، يرى أن الحفظ والتلقين يخرجان أجيالا لا تقبل الحوار، وهو ما ينسف سياسة الوزير القائمة على الضغط والامتحان والعقوبة.

 

لذلك، لا يمكن فصل الشغب عن مناهج تقتل الحوار ومدارس تطارد الدرجات وتدفع الطلاب إلى التوتر، بينما يتظاهر الوزير بأن الأزمة بدأت يوم تلف الأثاث لا يوم غابت التربية.

 

كثافة وعجز وامتحانات ثم غضب

 

ومن ناحية أخرى، تكشف حوادث الامتحانات المتكررة أن الوزارة تدير موسم الثانوية والإعدادية كمعركة أمنية، لا كعملية تعليمية، فتزداد إجراءات التفتيش والمنع والتهديد، بينما يغيب أي نقاش جاد حول الضغط النفسي.

 

كذلك، فإن مشادات التفتيش ومنع الهواتف، وتجمعات الطلاب بعد امتحانات الكيمياء والفيزياء في القليوبية والجيزة والإسكندرية والقاهرة والشرقية والدقهلية، تشير إلى أزمة ثقة بين الطالب والمدرسة لا يعالجها بيان وزاري.

 

وبهذا المعنى، فإن وزير التعليم يواجه النتيجة ولا يواجه السبب، يلوم الطلاب عند الباب، ويتجاهل أن المؤسسة نفسها تراكم الإحباط بالمناهج الثقيلة، والامتحانات المرهقة، والمدارس المزدحمة، والمعلمين المستنزفين.

 

فضلا عن ذلك، فإن نقل الطلاب بسبب المصروفات أو تهديد مستقبلهم التعليمي يزيد شعورهم بالإهانة، لأن المدرسة عندئذ لا تبدو بيتا عاما، بل مؤسسة طاردة لمن لا يستطيع الدفع أو الانضباط الشكلي.

 

وبالتوازي، تكشف أرقام الملاحق والرسوب وضعف الهوية التعليمية أن المشكلة ليست في طالب مشاغب وحده، بل في منظومة تنتج الفشل ثم تتعامل معه بوصفه انحرافا أخلاقيا يستحق العقاب.

 

من جهة أخرى، تؤكد الدكتورة مريم علام أن الإجراءات العقابية وحدها لا تكفي لمعالجة جذور العنف المدرسي، وأن المطلوب منظومة دعم نفسي واجتماعي، وهو عكس منطق الوزير الذي بدأ بالعقوبة.

 

وهكذا، فإن تحميل الأهالي تكلفة التلفيات قد يرضي الرأي العام لحظة، لكنه لا يمنع شغبا جديدا، ولا يحمي معلما، ولا يعيد للمدرسة دورها، بل يضيف غضبا جديدا فوق غضب قديم.

 

وزارة تصرخ ولا تعالج

 

في المحصلة، تبدو وزارة محمد عبد اللطيف عاجزة عن الاعتراف بأن المدرسة المصرية فقدت معناها التربوي، وصارت مكانا للضغط والامتحان والخوف، بينما يطلب الوزير من الأطراف المنهكة أن تنتج انضباطا بلا أدوات.

 

وعليه، فإن الهجوم الحقيقي على الوزير لا يتعلق بزيارة سوهاج وحدها، بل بطريقة حكم كاملة داخل التعليم، تبدأ من تجاهل العجز والكثافة، وتنتهي بتصوير الطالب والأهل كجناة دائمين.

 

مع ذلك، فإن أخطر ما في خطاب الوزير أنه يختزل الأزمة في مخالفة، بينما هي أزمة إنسانية وسياسية وتعليمية، لأن الطالب الذي يهين مدرسته يعيش غالبا داخل منظومة أهانته قبل ذلك.

 

كذلك، فإن حماية المعلم لا تعني تحويل الطلاب إلى أعداء، بل تعني بناء مدرسة عادلة تحمي الطرفين، أما الوزير فيختار أسهل طريق، عقوبة وصوت عال وتهديد، ثم يترك الجذور كما هي.

 

وبالتالي، فإن واقعة الروافع ليست امتحانا للطلاب فقط، بل امتحان فاضح للوزير نفسه، لأنه ظهر كمسؤول يعاقب بعد الفشل، لا كصاحب رؤية يمنع الفشل قبل أن يتحول إلى شغب.

 

وفي النهاية، فإن مدرسة سوهاج لم تكن تحتاج وزيرا يفتش التلفيات، بل وزارة تعرف كيف تمنع التلف قبل حدوثه، وتحمي المعلم قبل إهانته، وتحتوي الطالب قبل انفجاره، وتعيد للتعليم معنى التربية.