نظم المئات من موظفي وزارة الزراعة، من محافظات مختلفة، وقفة احتجاجية أمام مقر الوزارة بالجيزة، للمطالبة بصرف رواتب موقوفة منذ 5 سنوات، بعد أحكام تعيين لم تنفذ ماليًا، ونتيجة تركتهم بلا أجر ولا حماية.

وبينما خرجت الهتافات من أمام الوزارة، بدت الواقعة كاشفة لا لخلل إداري عابر، بل لسياسة سلطة تتعامل مع العمال كأرقام مهملة، وتحوّل الحكم القضائي إلى ورقة بلا قيمة أمام بيروقراطية جائعة وفاسدة.
 

 


رواتب معلقة وأحكام بلا تنفيذ


وبحسب شهادات نشرتها مدى مصر، فإن العاملين كانوا بعقود مؤقتة لسنوات طويلة وبأجور رمزية، قبل حصولهم على أحكام قضائية بالتعيين عام 2021، لكن الوزارة امتنعت منذ ذلك الوقت عن صرف الرواتب بحجج متكررة.


كما أوضحت المصادر أن الوزارة تذرعت باستكمال الأوراق أو انتظار الاعتمادات المالية من وزارة المالية، وهي مبررات تكشف لعبة تدوير المسؤولية بين جهات حكومية، بينما يدفع العمال الثمن من قوت بيوتهم وكرامتهم اليومية.


ولزيادة قسوة المشهد، قالت إحدى المحتجات القادمة من المنيا إنها بدأت العمل في قسم فحص واعتماد التقاوي عام 1996، وكان أجرها الرمزي قبل توقفه لا يتجاوز 90 جنيهًا شهريًا، ثم توقفت مستحقاتها كليًا.


لذلك لم تكن الوقفة مجرد مطالبة مالية، بل صرخة من موظفين أفنوا أعمارهم في جهاز حكومي، ثم وجدوا أنفسهم على أبواب المعاش بلا راتب كامل، وبلا فروق مالية، وبلا اعتراف فعلي بسنوات العمل.


ومن ثم جاء حكم القضاء الإداري بالمنيا لصالح إحدى العاملات ليؤكد أن عدم ورود رد من وزارة المالية لا يسقط حقها في الأجر، وأن الجهة الإدارية مسؤولة عن السعي لتوفير الاعتمادات لا دفن الحقوق.


غير أن الحكم، رغم وضوحه، ظل معلقًا في أدراج الإدارة، وهو ما يجعل الأزمة أخطر من تأخر رواتب، لأنها تمس هيبة القضاء نفسه، وتكشف دولة تتغنى بالقانون ثم تترك أحكامه حبرًا على ورق.


علاوة على ذلك، سبق أن تقدم النائب إيهاب منصور بطلب إحاطة بشأن تأخر صرف رواتب العاملين بالإدارة المركزية للتقاوي، مطالبًا بإيقاف رواتب المسؤولين المتقاعسين حتى يجربوا ما يعانيه العمال وأسرهم.


بناءً على ذلك، يصبح السؤال السياسي مباشرًا: كيف تطالب الحكومة المواطن بالصبر على الغلاء، بينما تترك موظفين تابعين لها بلا رواتب لسنوات، رغم أنهم حصلوا على أحكام قضائية وطرقوا كل الأبواب الرسمية.


 

فساد إداري يسحق العمال


وفي جوهر الأزمة، تبدو وزارة الزراعة طرفًا في شبكة تعطيل لا في جهاز خدمة عامة، لأنها لم تقدم حلًا فعليًا لمن عملوا لديها، بل تركتهم عالقين بين المالية والتنظيم والإدارة والاعتمادات الغامضة.


وبالتالي تتحول البيروقراطية إلى أداة عقاب جماعي، فالعامل لا يعرف من المسؤول، والموظف البسيط لا يملك رفاهية انتظار المخاطبات، بينما المسؤول يتلقى راتبه كاملًا ويطلب من الجائع المزيد من الصبر.


كما أن شعار المحتجين، «جوعتونا 5 سنين»، يلخص جوهر الأزمة أفضل من أي بيان رسمي، لأنه لا يتحدث عن تأخير إداري، بل عن تجويع منظم لعائلات عاشت سنوات تحت رحمة وعود مكسورة.


ولمزيد من الدلالة، فإن رصد نشرت مقطعًا للوقفة تحت عنوان انتفاضة موظفي الزراعة بالجيزة ضد نهب رواتبهم وفساد الوزارة، وهو عنوان يعكس غضبًا شعبيًا يتجاوز اللغة المعتادة في الشكاوى الإدارية.


في هذا السياق، يحضر رأي كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، الذي أكد أن الحد الأدنى للأجور في مصر لا يكفي احتياجات أي أسرة، رابطًا الأجر بالتضخم وسلة الاستهلاك.


كما يذهب حديث عباس إلى قلب أزمة موظفي الزراعة، فالمشكلة ليست فقط أنهم حرموا من أجر عادل، بل إنهم حرموا من الأجر نفسه، في دولة لم تعد توفر حتى الحد الأدنى من الأمان المعيشي.


ومن زاوية حقوقية، فإن تعطيل الرواتب بعد أحكام قضائية يضرب مبدأ المساواة أمام القانون، لأن العامل الفقير يطارد حقه في المحاكم، ثم يصطدم بجهاز إداري يتصرف كأنه فوق الحكم وفوق المساءلة.


غير أن خطورة الواقعة لا تقف عند وزارة الزراعة، بل تمتد إلى نموذج إدارة الدولة للملف العمالي، حيث تُستخدم القرارات والاعتمادات واللجان كحواجز مرهقة بدل أن تكون أدوات إنصاف ورد مظالم.


 

دولة تجوع موظفيها ثم تطالبهم بالصمت


وفي قراءة قانونية أوسع، سبق أن انتقد المحامي الحقوقي خالد علي فلسفة تشريعات العمل الجديدة، معتبرًا أنها تتراجع عن حماية علاقات العمل وتفرض قيودًا على حقوق العمال، وهي رؤية تكشف مناخًا عامًا ضد التنظيم والمطالبة.


ومن هنا تبدو وقفة موظفي الزراعة جزءًا من سياق أكبر، لا حادثة منفصلة، إذ يضيق المجال أمام النقابات المستقلة والاحتجاجات العمالية، ثم يطلب من العامل أن يبتلع الظلم في صمت كامل.


كذلك ينص الدستور المصري في المادة 13 على التزام الدولة بالحفاظ على حقوق العمال وبناء علاقات عمل متوازنة، لكن الواقع يقول إن الدولة نفسها تصبح خصمًا للعمال حين تماطل في تنفيذ أحكامهم.

 

وبالنظر إلى اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن حماية الأجور، فإن الأجر ليس منحة ولا إحسانًا إداريًا، بل حق يجب دفعه بانتظام وبوسائل قانونية واضحة، لا تركه معلقًا بين خطابات ومذكرات واعتمادات.


اقتصاديًا، يعرّف إلهامي الميرغني الأجر العادل بأنه ما يكفي تكاليف معيشة العامل وأسرته من طعام وتعليم وصحة وسكن ومواصلات، وهو معيار يفضح مأساة من ظل يعمل مقابل 90 جنيهًا ثم بلا راتب.


ولذلك فإن استمرار حرمان موظفي الزراعة من رواتبهم لا يعني فقط انتهاكًا فرديًا، بل يعني دفع أسر كاملة نحو الفقر والدين والمرض، في وقت تتسع فيه فجوة الأسعار وتنهار قدرة الناس على الاحتمال.


ثم إن تجاهل الحكومة لهذه الوقفة سيعني رسالة خطيرة لباقي الموظفين: حتى الحكم القضائي لا يكفي، وحتى سنوات العمل لا تشفع، وحتى أبواب البرلمان لا تضمن حقًا إذا قررت البيروقراطية دفنه.

 

في المقابل، فإن الحل يبدأ بصرف فوري للرواتب والفروق المالية، ومحاسبة المسؤولين عن التعطيل، وإعلان جدول زمني شفاف لتنفيذ الأحكام، بدل تحويل الموظفين إلى متسولين أمام وزارة يفترض أنها مسؤولة عنهم.


وأخيرًا، تكشف انتفاضة موظفي الزراعة أن دولة السيسي لا تفشل فقط في رفع الأجور، بل تفشل حتى في دفعها، وحين يهتف العمال «جوعتونا»، فهم لا يشتكون الجوع وحده، بل يفضحون نظامًا كاملًا.