حذّرت غرفة صناعة منتجات الأخشاب والأثاث باتحاد الصناعات المصرية، في اجتماع بهيئة التنمية الصناعية برئاسة ناهد يوسف، من أزمة أسعار تضرب القطاع، بعدما بلغ متوسط غرفة النوم نحو 140 ألف جنيه، مهددة المصانع والعمال والتصدير.

 

وبينما ترفع الحكومة شعارات دعم الصناعة الوطنية، تكشف أزمة الأخشاب حجم الفشل في حماية الإنتاج الحقيقي، إذ يُترك المصنع بين نار الاستيراد والدولار والشحن والجمارك، ويُترك المواطن أمام أثاث صار أقرب إلى الرفاهية المستحيلة.

 

الخامات تشتعل والحكومة تبحث عن شماعة الاحتكار

 

وبحسب ما عرضه محمد عبد الغفار، رئيس غرفة صناعة منتجات الأخشاب والأثاث، فإن الاجتماع جاء تنفيذًا لتكليفات رئاسية لدراسة أسباب ارتفاع الأسعار، والتحقق من وجود ممارسات احتكارية، ووضع حلول لدعم الصناعة الوطنية.

 

كما نفى عبد الغفار وجود شبهة احتكار في سوق الأخشاب، مؤكدًا أن الارتفاعات الحالية ترجع إلى عوامل خارجية وظروف السوق العالمية، لا إلى ممارسات احتكارية من جانب المستوردين أو المصنعين داخل السوق المصرية.

 

ولذلك تبدو محاولة تفسير الأزمة بالاحتكار وحده تهربًا من جوهر المشكلة، لأن الصناعة المعتمدة على خامات مستوردة تصبح رهينة الدولار والشحن وسلاسل الإمداد، بينما تتأخر الدولة في بناء بدائل إنتاجية محلية.

 

ثم أوضح عبد الغفار أن الأزمة الحقيقية تكمن في صعوبة الحصول على الخامات وارتفاع تكلفتها بشكل غير مسبوق، مع اتجاه المتعاملين إلى تكوين مخزونات احترازية خوفًا من اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.

 

غير أن الأخطر، وفق رئيس الغرفة، يتمثل في توسع الصين في شراء الغابات الأفريقية عبر اتفاقيات مقايضة طويلة الأجل، ما أدى إلى تقليص المعروض من الأخشاب الخام ورفع أسعارها في الأسواق التقليدية.

 

علاوة على ذلك، فإن مطالبة الغرفة بفتح قنوات جديدة لاستيراد الخامات بأسعار مناسبة تعني أن القطاع لا يطلب دعمًا دعائيًا، بل تدخلًا عمليًا في ملف توريد حيوي يهدد آلاف الورش والمصانع.

 

بناءً على ذلك، تصبح الأزمة اختبارًا لقدرة الدولة على إدارة ملف صناعي حقيقي، لا مجرد عقد اجتماعات، لأن الصناعة لا تعيش بالتصريحات، بل بتوفير خامات وتمويل وجمارك عادلة وسوق يمكنها الشراء.

 

غرفة نوم بـ140 ألفًا وسوق ينهار تحت الغلاء

 

وفي انعكاس مباشر للأزمة، قال محمد عبد الغفار إن متوسط سعر غرفة النوم ارتفع إلى نحو 140 ألف جنيه، وهو رقم يكشف كيف أصبح الأثاث عبئًا ثقيلًا على الأسر، لا سلعة طبيعية للزواج والسكن.

 

كما أدى ارتفاع أسعار الأخشاب ومدخلات الإنتاج إلى تباطؤ المبيعات المحلية، بعدما فقد المستهلك قدرته على الشراء، بينما وجدت الورش نفسها أمام معادلة خانقة، إما البيع بخسارة أو رفع الأسعار وخسارة الزبائن.

 

ولزيادة الضغط، تراجعت فرص إعادة التصدير، رغم أن صناعة الأثاث المصرية كانت تراهن على جودة المنتج وانخفاض تكلفة العمالة نسبيًا، لكن ارتفاع الخامات والشحن سحب هذه الميزة ودفع المنتج المصري للخلف.

 

لذلك لا تبدو الأزمة محصورة في الأثاث المنزلي، بل تمتد إلى الزواج والسكن وفرص العمل، فكل غرفة نوم باهظة تعني زواجًا مؤجلًا، وكل ورشة متعثرة تعني عائلة جديدة تدخل دائرة القلق.

 

ومن ثم تتحول صناعة الأثاث، وهي من أكبر الصناعات كثيفة العمالة، إلى مرآة لاقتصاد مأزوم، حيث ينهار الطلب المحلي، وتضعف الصادرات، وتصبح الورش الصغيرة أول ضحية لقرارات لم تُصمم لحمايتها.

 

في هذا السياق، أشار تقرير مصر 360 إلى أن صادرات الأثاث المصرية تراجعت بنسبة 57.5% خلال 15 عامًا، رغم تراجع الجنيه وتدشين مدينة دمياط للأثاث، ما يكشف أزمة أعمق من سعر الخشب.

 

كما أن تراجع الصادرات رغم انخفاض العملة يفضح خللًا هيكليًا، لأن المفترض أن يمنح تخفيض الجنيه ميزة سعرية للمنتج المحلي، لكن ارتفاع المدخلات المستوردة وتكاليف الشحن يبتلعان أي مكسب نظري.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن زيادة الصادرات الصناعية، تواجه مصانع الأثاث واقعًا معاكسًا، إذ تقدم عروضًا وفق تكلفة معينة، ثم ترتفع الخامات أثناء التنفيذ، فتتحول التعاقدات إلى خسائر، وتخرج شركات من السوق.

 

الجمارك والتمويل والشحن مثلث خنق المصانع

 

من جانبه، قال علاء نصر الدين، وكيل غرفة صناعة منتجات الأخشاب والأثاث، إن القطاع يواجه ضغوطًا غير مسبوقة بسبب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتقلبات أسعار الصرف، وهي عوامل تلتهم هامش الربح.

 

كما أوضح نصر الدين أن تكلفة شحن الحاوية ارتفعت من نحو ألف دولار إلى قرابة 8 آلاف دولار، فيما وصلت تكلفة التأمين إلى نحو 3 آلاف دولار للحاوية الواحدة، ما ضاعف العبء على المنتجين.

 

وبالتالي، فإن أزمة الشحن لا تظهر فقط في دفاتر المستوردين، بل تصل إلى جيب المواطن، لأن كل دولار إضافي في الحاوية يتحول في النهاية إلى زيادة في سعر الدولاب والسرير وغرفة النوم.

 

غير أن وكيل الغرفة أشار أيضًا إلى خلل جمركي خطير، حيث تدخل بعض المنتجات المستوردة تحت بنود منخفضة الرسوم، بينما يتحمل المصنع المحلي أعباء جمركية وضريبية أعلى، فتُضرب المنافسة من داخل الدولة.

 

علاوة على ذلك، طالب المصنعون بتشديد الرقابة على المنافذ الجمركية لمنع إدخال منتجات تحت مسميات غير مطابقة، لأن التلاعب الجمركي لا يضر الخزانة فقط، بل يكسر ظهر الصناعة المحلية أمام الواردات.

 

وفي الاتجاه نفسه، دعا مجدي بردان، عضو مجلس إدارة الغرفة، إلى إعادة النظر في التقييم والتسعير الجمركي لتحقيق العدالة بين المتعاملين وحماية الصناعة الوطنية، وهو مطلب يكشف أن الخلل تنظيمي قبل أن يكون تجاريًا.

 

كما طالبت الغرفة بإسناد التسعير الاسترشادي للخامات والمنتجات إليها، باعتبارها الأقدر على قراءة السوق، بدل ترك القطاع رهينة تقديرات إدارية قد لا تفهم حركة الأسعار ولا طبيعة التعاقدات الصناعية.

 

ولزيادة فرص النجاة، دعت الغرفة إلى استمرار المبادرات التمويلية منخفضة الفائدة بنسبة 5% لدعم الورش والمصانع الصغيرة والمتوسطة، لأن تكلفة الاقتراض الحالية تضيف عبئًا جديدًا إلى أزمة الخامات والشحن والجمارك.

 

لذلك فإن توقف هذه المبادرات أو ضعف تفعيلها يعني عمليًا دفع مزيد من المنشآت إلى التوقف، وتعريض آلاف فرص العمل للخطر، خصوصًا في قطاع يقوم على ورش عائلية ومصانع صغيرة ومتوسطة.

 

ومن ناحية أخرى، عقد وزير الصناعة خالد هاشم لقاءً موسعًا مع وفد الغرفة لمناقشة التحديات، لكن قيمة اللقاء ستظل مرهونة بقرارات تنفيذية، لا بصور الاجتماعات ولا بوعود القفزة التصديرية المؤجلة.

 

في النهاية، تكشف أزمة الأخشاب أن الحكومة لا تواجه مجرد ارتفاع أسعار، بل امتحانًا سياسيًا واقتصاديًا في حماية الصناعة والعمال والمستهلك، فإما تدخل حقيقي، أو مزيد من المصانع المغلقة والبيوت العاجزة.