لم يعد الفساد في مصر مجرد وقائع متفرقة تظهر في بيانات الرقابة أو أحكام المحاكم، بل صار بنية سياسية كاملة تتغذى على الخوف، وتكبر في ظل معادلة خطيرة فرضها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي على المجتمع: اصمت لتنجو، ولا تسأل حتى لا تُعاقب. وتحت شعار الاستقرار، تمددت شبكات المصالح داخل الجهاز الإداري والاقتصادي، بينما جرى تضييق المجال العام، وتجفيف الصحافة المستقلة، وملاحقة الأصوات التي تحاول فتح ملفات الإنفاق العام أو مساءلة السلطة.

 

هذه هي جوهر استراتيجية “الصمت مقابل الأمان” التي صنعتها سنوات السيسي: دولة تطلب من المواطن أن يتنازل عن حقه في السؤال، ثم تبيع له الوهم بأن السكوت يحميه من الفوضى. لكن النتيجة كانت عكسية؛ فحين يغيب السؤال، يتمدد الفساد، وحين تُكسر الرقابة الشعبية، تصبح السلطة بلا كوابح، وحين يخاف الموظف والصحفي والخبير والبرلماني من الكلام، تتحول مؤسسات الدولة إلى ممرات آمنة للنهب والهدر وسوء الإدارة.

 

إسكات الرقيب حين يتحول كشف الفساد إلى جريمة

 

بدأت إحدى أخطر الإشارات في ديسمبر 2015، عندما تحدث المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات حينها، عن تقديرات ضخمة لتكلفة الفساد خلال سنوات، قبل أن تتم إقالته في مارس 2016 بعد لجنة رسمية قالت إن الأرقام مضللة. لم تكن القضية في الرقم وحده، بل في الرسالة: من يقترب من الفساد الكبير قد يصبح هو المتهم.

 

يرى الباحث يزيد صايغ أن توسع الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية والهيئات المرتبطة بالدولة خلق مساحات واسعة خارج الرقابة المدنية العادية، حيث تختلط الإدارة بالمقاولة والسيادة بالاقتصاد. وهذا المعنى يفسر لماذا يصبح الفساد في مصر أخطر من رشوة موظف؛ لأنه يرتبط ببنية سلطة غير شفافة.

 

أما الباحث تيموثي كالداس فيرى أن نظام السيسي اعتاد تحميل الأزمات الاقتصادية لصدمات خارجية، بينما تتجاهل السلطة اختياراتها الداخلية في الاقتراض والإنفاق والمشروعات الضخمة. ووفق هذا الطرح، فإن الفساد لا يعيش فقط في الرشاوى، بل في الأولويات التي تهدر المال العام ثم تطلب من الفقراء دفع الثمن.

 

وهنا يظهر معنى “الصمت مقابل الأمان” بوضوح؛ فالسلطة لا تكتفي بمكافحة انتقائية لبعض الموظفين، بل تمنع المجتمع من امتلاك أدوات الرقابة الحقيقية. لا صحافة حرة تفتح الملفات، ولا برلمان مستقل يلاحق الإنفاق، ولا أجهزة رقابية يمكنها العمل خارج الخطوط السياسية المرسومة.

 

وقائع بالتواريخ من القمح إلى المحافظين والصحة

 

في مارس 2016، كشفت رويترز عن شبهات واسعة في منظومة توريد القمح المحلي، حيث قدّر تجار ومطاحن أن نحو 2 مليون طن من أصل 5.3 ملايين طن أعلنت الدولة شراءها كانت إما مستوردة أو موجودة على الورق. ثم في أغسطس 2016، تحدثت لجنة تقصي حقائق برلمانية عن 200 ألف طن مفقودة في 10 مواقع تخزين خاصة.

 

تكشف واقعة القمح جوهر الفساد اليومي في مصر؛ فالأزمة لا تتعلق بسلعة عادية، بل برغيف الخبز المدعوم الذي يعتمد عليه ملايين الفقراء. حين يدخل الفساد إلى القمح، يصبح النهب اعتداءً مباشرًا على بطون الناس، لا مجرد مخالفة مالية في دفاتر الوزارة.

 

وفي 27 ديسمبر 2016، ألقت هيئة الرقابة الإدارية القبض على جمال اللبان، مدير المشتريات بمجلس الدولة، بعد العثور على مبالغ ضخمة في منزله، بينها 24 مليون جنيه و4 ملايين دولار و2 مليون يورو ومليون ريال سعودي، إضافة إلى ذهب وممتلكات. ثم في يناير 2017، أُوقف وائل شلبي، أمين عام مجلس الدولة السابق، على خلفية القضية نفسها.

 

هذه الواقعة كانت صادمة لأنها ضربت مؤسسة قضائية كبرى، وأظهرت أن الفساد ليس محصورًا في أطراف الجهاز الإداري. وعندما تصل الرشاوى إلى هذا المستوى من الأموال والعملات والذهب، يصبح السؤال الطبيعي: كم قضية لم تُكشف؟ وكم شبكة لم تصل إليها الكاميرات الرسمية؟

 

وفي يناير 2018، أعلنت هيئة الرقابة الإدارية ضبط محافظ المنوفية هشام عبد الباسط مع رجلَي أعمال في قضية فساد، قبل ساعات من زيارة رئاسية للمحافظة. وفي نوفمبر 2018، صدر حكم بسجنه 10 سنوات وتغريمه 15 مليون جنيه في قضية رشوة تجاوزت 27 مليون جنيه.

 

وفي 2021 و2022، عاد ملف الفساد إلى وزارة الصحة، حيث أُثيرت قضية رشوة تورط فيها مسؤولون مقربون من دوائر الوزارة، وانتهت بإدانة زوج وزيرة الصحة السابقة ومسؤول كبير في القضية وفق تقارير منشورة. وهكذا لم يعد الفساد حادثًا معزولًا، بل سلسلة تمتد من الغذاء إلى القضاء إلى المحافظات إلى الصحة.

 

الفساد كسياسة حكم لا كحادث إداري

 

يرى الباحث عمرو عدلي أن الاقتصاد المصري يعيش انقسامًا بين أنظمة وقواعد مختلفة، حيث تحصل جهات على امتيازات لا تتاح لغيرها، ما يخلق رأسمالية مشوهة لا تقوم على المنافسة العادلة. وهذا يفسر لماذا لا تكفي محاكمة موظف صغير، بينما تبقى بنية الامتيازات محصنة.

 

أما روبرت سبرينغبورغ فيربط الأزمة بتوسع الدولة في الاقتراض والاعتماد على الدعم الخارجي والمشروعات التي لا تملك عائدًا إنتاجيًا كافيًا. ومن هذه الزاوية، يصبح الفساد أوسع من السرقة المباشرة؛ إنه إدارة موارد بلد فقير كما لو كان دولة ريعية بلا حساب سياسي.

 

وتشير قراءة ناثان براون لطبيعة السلطوية في مصر إلى أن غياب المؤسسات السياسية الفاعلة يحول القانون إلى أداة في يد السلطة لا قيدًا عليها. وحين يصبح القانون انتقائيًا، لا تعود مكافحة الفساد سياسة عامة، بل تتحول إلى أداة لتأديب خصوم أو إعادة ترتيب شبكات نفوذ.

 

وتؤكد الباحثة سارة يركس أن انسداد المجال السياسي يقوض الإصلاح الحقيقي، لأن غياب المشاركة والرقابة يضعف قدرة الدولة على تصحيح أخطائها. فالحكومة التي لا تسمع نقدًا، ولا تسمح بمحاسبة علنية، لا تكافح الفساد بقدر ما تديره وتعيد توزيعه.

 

لذلك، فإن الحديث الرسمي عن القبض على فاسدين لا يكفي لإقناع الناس بجدية المواجهة. فالسؤال ليس كم موظفًا سُجن، بل هل يملك المواطن حق معرفة تفاصيل الإنفاق؟ وهل توجد رقابة على المشروعات السيادية؟ وهل يستطيع الصحفي فتح ملف دون خوف؟

 

في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، حصلت مصر على 30 درجة من 100، وجاءت في ترتيب متأخر عالميًا، وهو رقم يعكس حجم أزمة الثقة في نزاهة القطاع العام. وهذه النتيجة لا تنفصل عن بيئة سياسية تجعل الشفافية خطرًا، والمساءلة خصومة، والصمت شرطًا للنجاة.

 

في النهاية، لم تؤد استراتيجية “الصمت مقابل الأمان” إلى حماية الدولة، بل إلى إضعاف مناعتها. فالدولة التي تخاف من السؤال تفتح الباب للفساد، والدولة التي تعاقب الكاشف تحمي الفاسد، والدولة التي تبيع الخوف للناس تحصد انهيار الثقة. وما لم يعد المصريون حقهم في الرقابة والكلام، سيظل الفساد يتمدد تحت لافتة الاستقرار، وسيظل الأمان الموعود مجرد ستار يخفي دولة استبداد تلتهم نفسها من الداخل.