يستعرض نعوم شبانسر، أستاذ علم النفس الإكلينيكي، في هذا المقال كيف تؤثر العودة إلى الطبيعة في الصحة النفسية، مستندًا إلى نتائج أبحاث امتدت لعقود. ويشير موقع سايكولوجي توداي إلى أن التعرض المنتظم للمساحات الطبيعية لا يمنح الإنسان شعورًا بالراحة فحسب، بل يرتبط أيضًا بانخفاض معدلات القلق والاكتئاب وتحسن الوظائف الإدراكية، ما يجعل الانغماس في الطبيعة عاملًا وقائيًا مهمًا يدعم الصحة العقلية.
ويؤكد سايكولوجي أن الإنسان يعيش اليوم بعيدًا عن البيئة الطبيعية مقارنة بما عاشه أسلافه، وهو تحول فرضته أنماط الحياة الحديثة داخل المدن. ورغم أن البشر سعوا عبر التاريخ إلى السيطرة على الطبيعة والابتعاد عن قسوتها، فإن الأدلة العلمية الحديثة تكشف أن الحفاظ على قدر من التواصل معها يحقق فوائد صحية ونفسية واسعة، ويستحق أن يحتل مكانة أساسية في التخطيط الحضري وبرامج الصحة النفسية.
لماذا تمنح الطبيعة الإنسان شعورًا بالراحة؟
يثير العلماء سؤالًا قديمًا حول أسباب شعور الإنسان بالهدوء عندما يقضي وقتًا بين الأشجار أو بجوار البحار والجبال. فمن جهة، نشأت البشرية داخل البيئات الطبيعية، وتطورت أجهزتها البيولوجية بما يتوافق معها، لذلك يبدو الانسجام معها أمرًا فطريًا. ومن جهة أخرى، سعت الحضارة الإنسانية إلى الابتعاد عن الظروف الطبيعية القاسية عبر بناء المدن وتطوير التكنولوجيا والطب وأنماط الحياة الحديثة.
ورغم هذا الابتعاد، يواصل كثير من الناس اختيار الطبيعة وسيلة للاسترخاء واستعادة النشاط، سواء عبر المشي في الغابات أو التخييم أو التأمل أو ممارسة البستنة أو مجرد مشاهدة المناظر الطبيعية، وهو ما دفع علماء النفس إلى دراسة تأثير هذه الأنشطة بصورة منهجية.
الأبحاث العلمية تؤكد فوائد الانغماس في الطبيعة
ركزت الدراسات النفسية خلال العقود الخمسة والثلاثين الماضية على ثلاثة أنماط رئيسية للتواصل مع الطبيعة، تشمل مشاهدة المناظر الطبيعية، وقضاء الوقت داخل البيئات الطبيعية، والانخراط في أنشطة ترتبط بها مثل الزراعة والتأمل.
وكشفت دراسة أسترالية نُشرت عام 2016 وجود علاقة مباشرة بين زيادة مدة وتكرار زيارة المساحات الخضراء وتحسن مؤشرات الصحة العامة، إذ انخفضت معدلات الاكتئاب وارتفاع ضغط الدم لدى الأشخاص الذين يقضون ما لا يقل عن ثلاثين دقيقة أسبوعيًا في أماكن طبيعية.
كما راجعت دراسة تحليلية عام 2019 نتائج إحدى وخمسين دراسة علمية، وأظهرت أن الغالبية الساحقة منها ربطت بين الأنشطة الترفيهية في الطبيعة وتحسن الصحة النفسية.
ودعمت مراجعة علمية أخرى أعدها باحثون عام 2019 هذا الاتجاه، إذ خلصت إلى وجود أدلة قوية تربط التعرض المعتاد للطبيعة بارتفاع مستوى الرفاه النفسي وانخفاض عوامل الخطر المرتبطة ببعض الاضطرابات النفسية، مع الدعوة إلى دمج البيئات الطبيعية في السياسات الصحية والتخطيط العمراني.
وأضافت مراجعة صادرة عام 2021 أن التعرض للطبيعة يرتبط بتحسن الوظائف الإدراكية ونشاط الدماغ وجودة النوم ومستويات ضغط الدم، بينما أثبتت الدراسات التجريبية أن العلاقة ليست مجرد ارتباط إحصائي، بل إن قضاء الوقت في البيئات الطبيعية يقود بالفعل إلى تحسن الحالة النفسية والقدرات الذهنية.
ولم تقتصر الفوائد على الطبيعة الواقعية، إذ أظهرت دراسة صينية نُشرت عام 2025 أن المرضى النفسيين الذين خاضوا تجربة واقع افتراضي تحاكي الطبيعة سجلوا انخفاضًا ملحوظًا في مستويات التوتر والقلق والاكتئاب، إلى جانب تحسن المشاعر الإيجابية وانخفاض معدل ضربات القلب.
وجمعت مراجعة عالمية صدرت عام 2026 بيانات أكثر من ثلاثة آلاف وثمانمائة دراسة شملت ما يزيد على عشرة ملايين شخص، وانتهت إلى أن التواصل مع الطبيعة يقلل أعراض القلق والاكتئاب ويزيد الشعور بالاسترخاء عبر ثقافات ومجتمعات مختلفة.
كيف تؤثر الطبيعة في الدماغ والصحة النفسية؟
يفسر الباحثون هذه النتائج عبر عدة نظريات علمية، أبرزها فرضية حب الطبيعة (Biophilia)، التي تفترض امتلاك الإنسان ميلًا فطريًا نحو الكائنات الحية والبيئات الطبيعية نتيجة تطوره عبر آلاف السنين داخلها.
ويربط الباحثون التعرض للطبيعة بزيادة المشاعر الإيجابية وتنشيط الجهاز العصبي المسؤول عن الاسترخاء، وهو ما يخفض معدل ضربات القلب وضغط الدم. كما تقلل الطبيعة نشاط مناطق دماغية ترتبط بالتوتر والضغط النفسي، مثل اللوزة الدماغية، وتخفض مستويات هرمون الكورتيزول، وهو الهرمون المرتبط بالإجهاد.
وتقترح نظرية استعادة الانتباه تفسيرًا آخر، إذ ترى أن البيئات الطبيعية تساعد الدماغ على استعادة قدرته على التركيز بعد الإرهاق الناتج عن ضغوط الحياة اليومية والاعتماد المستمر على الشاشات والبيئات الحضرية، رغم أن الدراسات لا تزال تبحث في حجم هذا التأثير بدقة.
الانغماس في الطبيعة لا يمثل مجرد نشاط ترفيهي، بل يشكل عنصرًا وقائيًا للصحة النفسية يمكن وضعه إلى جانب النوم الكافي والنشاط البدني والعلاقات الاجتماعية باعتباره أحد العوامل الأساسية التي تعزز جودة الحياة وتحد من احتمالات الإصابة بالاضطرابات النفسية. كما تدعم هذه النتائج دعوات الخبراء إلى تصميم المدن والمدارس وأماكن المعيشة بطريقة توفر وصولًا أسهل إلى المساحات الخضراء، بما ينعكس إيجابًا على صحة الأفراد والمجتمعات.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/insight-therapy/202606/seeing-green-nature-immersion-has-its-benefits

