قضت محكمة النقض المصرية، اليوم الاثنين 6 يوليو 2026، برفض طعنين قدمتهما وزيرة الثقافة جيهان زكي، لتصبح إدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«سرقة الكتاب» نهائية وباتة، مع إلزامها بتعويض الكاتبة سهير عبد الحميد 100 ألف جنيه وسحب الكتاب محل النزاع من الأسواق ومنع تداوله، لتنتقل القضية من ساحة الجدل حول اختيار وزيرة يلاحقها حكم قضائي إلى مأزق سياسي مباشر لحكومة كانت قد تعهدت بمراجعة موقفها فور صدور كلمة القضاء الأخيرة.

 

لم تعد القضية، بعد حكم النقض، اتهامًا متداولًا أو نزاعًا ينتظر الفصل أو مادة يمكن للحكومة دفعها بعبارة أن التقاضي لم ينته بعد، بل أصبح الحكم باتًا بعد استنفاد درجات الطعن، لتجد السلطة نفسها أمام وزيرة تحمل حقيبة الثقافة بينما ثبت قضائيًا اعتداؤها على حقوق مؤلفة أخرى، في مفارقة تضرب مباشرة معنى الوزارة التي يفترض أن تتولى حماية الإبداع والمبدعين والملكية الفكرية.

 

القضاء يحسم القضية ويغلق باب الطعون

 

أنهت محكمة النقض مسارًا قضائيًا امتد لأشهر، بعدما رفضت الطعنين اللذين قدمتهما جيهان زكي على الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية في 9 يوليو 2025، لتصبح النتيجة القضائية غير قابلة للطعن، وتسقط بذلك الحجة التي استخدمتها الحكومة عند تعيينها بأن القضية لم تصل بعد إلى حكم بات.

 

وكانت المحكمة الاقتصادية قد ألزمت زكي بدفع تعويض قدره 100 ألف جنيه للكاتبة سهير عبد الحميد، مع سحب الكتاب محل النزاع من الأسواق ومنع بيعه أو تداوله، بعد انتداب لجنة ثلاثية من خبراء الملكية الفكرية لفحص العملين وتحديد طبيعة التشابه والنقل بينهما.

 

ولم يعتمد الحكم على سجال صحفي أو اتهامات مرسلة بين كاتبتين، بل جاء بعد فحص فني انتهى إلى وجود نقل حرفي واقتباسات مطولة وتشابه في عدد من الفقرات، وهي النتائج التي أصبحت أساسًا للحكم الذي صمد أمام الطعن ووصل الآن إلى نهايته أمام أعلى درجات التقاضي.

 

وتقدمت زكي في 3 سبتمبر 2025 بطعنين منفصلين حملا الرقمين 29310 و29339 لسنة 95 قضائية، ورغم تعدد الطعون، كشفت المذكرات عن تشابه واسع في جوهر الأسباب والدفوع، قبل أن توصي نيابة النقض في رأيين منفصلين برفضهما.

 

وأكدت نيابة النقض، خلال نظر القضية، أن النقل الحرفي والاقتباسات المطولة والتشابه بين الفقرات يمثل اعتداءً على حقوق المؤلف، وأن مجرد ذكر المصدر في مواضع متفرقة أو إدراجه ضمن قائمة المراجع لا يمنح النقل مشروعية إذا طمس الحدود بين العمل الأصلي والعمل اللاحق.

 

كما رفضت النيابة تحويل مفهوم الاقتباس المباح إلى باب مفتوح لنقل أجزاء واسعة من عمل مؤلف آخر، مؤكدة أن الاقتباس يخضع لضوابط وحدود وأغراض محددة، وأن نسبة الكلام إلى مصدره يجب أن تكون واضحة ودقيقة ولا تنتقص من الطابع الإبداعي للعمل الأصلي.

 

وبذلك، لم يعد ممكنًا تقديم ما حدث باعتباره مجرد خلاف حول أسلوب التوثيق أو طريقة استخدام المراجع، لأن الحكم النهائي أقر المسؤولية وأبقى التعويض وسحب الكتاب، ليصبح الجدل الحقيقي متعلقًا ببقاء صاحبة الحكم على رأس وزارة الثقافة.

 

حكومة عيّنت الوزيرة رغم الحكم

 

تتجاوز الأزمة حدود الوزيرة إلى الحكومة التي اختارتها في فبراير 2026، بعد نحو 7 أشهر من صدور حكم المحكمة الاقتصادية، وفي وقت كانت القضية معروفة ومتداولة وأثارت اعتراضات فور إعلان التشكيل الوزاري الجديد.

 

لم تفاجأ الحكومة إذن بوجود النزاع بعد تعيين زكي، ولم يظهر الحكم الأول فجأة أثناء توليها المنصب، بل كان قائمًا قبل أداء اليمين، وكانت القضية معلنة، بينما اختارت السلطة المضي في التعيين والاحتماء باستمرار إجراءات الطعن.

 

وفي فبراير الماضي، خرج وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان للدفاع عن الموقف الحكومي، مؤكدًا أن القضية لم يصدر فيها حكم بات، وأنها ما زالت أمام محكمة النقض، رابطًا تقييم استمرار الوزيرة في موقعها بصدور الحكم النهائي الذي لا يقبل الطعن.

 

وقال رشوان حينها إن مجلس الوزراء سيجلس، عند صدور الحكم البات، للنظر في مدى توافقه مع القانون واستمرار الوزيرة في منصبها، وهو التصريح الذي يعود اليوم ليضع الحكومة أمام وعدها العلني بدل ترك القضية للوقت أو الصمت.

 

لقد تحقق الشرط الذي استند إليه الخطاب الرسمي، وصدرت كلمة النقض، ورفض الطعنان، وأصبح الحكم باتًا، ما يعني أن الحكومة لم تعد تملك الحجة نفسها التي استخدمتها لوقف الانتقادات عند تعيين الوزيرة.

 

وتبدو المفارقة أكثر قسوة لأن الأمر لا يتعلق بوزير بعيد عن موضوع النزاع، بل بوزيرة الثقافة نفسها، أي المسؤولة سياسيًا عن مؤسسات الكتاب والنشر والمبدعين وحماية التراث الفكري، بينما ينتهي مسارها القضائي بحكم نهائي في قضية اعتداء على حقوق مؤلفة.

 

وهنا تتحول القضية إلى اختبار لمعايير اختيار الوزراء داخل الحكومة، إذ يظل السؤال قائمًا حول كيفية اجتياز مرشحة تحمل حكمًا قضائيًا سابقًا كل مراحل الفحص السياسي والأمني والرقابي قبل إسناد واحدة من أكثر الحقائب ارتباطًا بحقوق الإبداع إليها.

 

كما يفتح الحكم ملف المسؤولية عن قرار التعيين، لأن اختزال الأزمة في الوزيرة وحدها يعفي الجهات التي رشحت وراجعت ووافقت، رغم أن الحكم الأول لم يكن سرًا، والقضية لم تكن مجرد منشورات مجهولة على مواقع التواصل.

 

حكم بات والحكومة أمام سؤال الإقالة

 

بعد حكم 6 يوليو، لم يعد السؤال هل ارتكبت الوزيرة مخالفة أم لا، لأن القضاء حسم النزاع، وإنما أصبح السؤال لماذا تبقى وزيرة الثقافة في موقعها بعد حكم نهائي بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية.

 

لا يتوقف أثر الحكم عند دفع 100 ألف جنيه تعويضًا، فالمحكمة أيدت أيضًا سحب الكتاب ومنع تداوله، وهو إجراء يمس العمل نفسه ويؤكد أن القضية ليست مجرد تعويض مالي عن خطأ هامشي يمكن للحكومة تجاهله.

 

وتزداد الأزمة حين يوضع الحكم بجوار طبيعة المنصب، لأن وزارة الثقافة مطالبة بالدفاع عن المؤلف والناشر والمبدع ومكافحة الاعتداء على المصنفات، ما يجعل استمرار الوزيرة بعد الإدانة رسالة معاكسة تمامًا للوظيفة الأخلاقية والمؤسسية للوزارة.

 

كما أن تجاهل الحكم أو تأخير القرار سيضع الحكومة أمام اتهام واضح بازدواج المعايير، خصوصًا بعد أن اشترطت بنفسها صدور الحكم البات قبل مناقشة موقف الوزيرة، ثم جاء الحكم بالفعل وفق الشرط الذي أعلنته.

 

ولم تعد المسألة تحتمل الهروب إلى الفصل بين المسؤولية السياسية والقضائية، لأن القضية تمس مباشرة المجال الذي تديره الوزيرة، ولأن الحكم جاء في نزاع على حقوق التأليف لا في خلاف شخصي بعيد عن اختصاص حقيبتها.

 

وبينما تنتظر الأوساط الثقافية موقف مجلس الوزراء، يصبح الصمت قرارًا في حد ذاته، لأن كل يوم تستمر فيه جيهان زكي وزيرة بعد الحكم النهائي يطرح سؤالًا حول القيمة الفعلية للشعارات الرسمية عن احترام الملكية الفكرية ودعم المبدعين.

 

لقد منح القضاء الحكومة شهورًا كاملة للاختيار بين الاستعداد لمواجهة النتيجة أو انتظارها، كما منحها حكم اليوم إجابة نهائية لا تقبل الطعن، ولذلك لم يعد مطلوبًا منها تفسير القضية بل إعلان موقفها من بقاء الوزيرة.

 

وفي النهاية، أغلقت محكمة النقض باب المرافعات، لكنها فتحت أمام الحكومة باب محاسبة سياسية لا يمكن إغلاقه بالمصطلحات القانونية، فوزيرة الثقافة أصبحت محكومة نهائيًا بتعويض 100 ألف جنيه وسحب كتابها بعد ثبوت التعدي على حقوق مؤلفة أخرى.

 

ويبقى السؤال الذي صنعتْه الحكومة بنفسها عندما عينت الوزيرة رغم الحكم الأول: هل تنفذ الآن ما وعدت به وتراجع استمرارها، أم تثبت أن انتظار الحكم البات لم يكن سوى وسيلة لكسب الوقت حتى تهدأ الضجة.