حلمي الأسمر

كاتب وصحافي أردني

 

رفع المدرب المصري الكابتن حسام حسن علم بلاده بعد صافرة النهاية، ثم رفع إلى جانبه علم فلسطين. في تلك اللحظة، لم يكن يحتفل بانتصار منتخب فحسب، بل كان يختصر بطولة كاملة في مشهد واحد. فبينما كانت عدسات العالم تبحث عن صورة البطل، كانت تلك الصورة تقول شيئًا آخر: إن فلسطين، التي لم تتأهل إلى نهائيات كأس العالم، كانت مع ذلك واحدة من أكثر المنتخبات غير المشاركة حضورًا في البطولة.

 

لم يكن المنتخب الفلسطيني على أرض الملعب، لكن فلسطين كانت في المدرجات، وفي الشوارع المحيطة بالملاعب، وفي الأعلام التي حملها المشجعون، وفي الهتافات، وفي النقاشات الإعلامية، وحتى في الجدل الذي أثاره مجرد ظهور علمها. وكأن البطولة كلها كانت تؤكد حقيقة بسيطة: قد تغيب الفرق عن جدول المباريات، لكن القضايا التي تسكن ضمير الشعوب لا تغيب.

 

غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس لماذا حضرت فلسطين في المونديال، بل لماذا حضرت بهذه القوة الإجابة لا تبدأ من الملاعب، وإنما من غزة.

 

لقد مر أكثر من ألف يوم على طوفان الأقصى وما تبعه من حرب مدمرة على قطاع غزة، لكن الموجة التي أحدثها ذلك الحدث لم تنكسر. صحيح أن الحكومات واصلت إدارة مواقفها وفق حسابات السياسة والتحالفات والمصالح، إلا أن شيئًا آخر كان يحدث في الاتجاه المقابل. ففي عمق المجتمعات الغربية، وفي الجامعات، والنقابات، والكنائس، والساحات العامة، ووسائل التواصل الاجتماعي، تشكل وعي جديد، أو ربما استيقظ وعي كان نائمًا، أعاد فلسطين إلى مركز الاهتمام العالمي.

 

إن الأحداث الكبرى لا تغيّر خرائط المعارك فقط، بل تعيد رسم خرائط الوعي. وهذا ما فعلته غزة. فقد نقلت القضية الفلسطينية من كونها ملفًا سياسيًا تتداوله الحكومات، إلى قضية أخلاقية يناقشها الناس العاديون. ولم يعد السؤال عند ملايين البشر: من يملك القوة؟ بل: أين تقف العدالة؟

 

ولهذا لم يكن العلم الفلسطيني الذي ظهر في المونديال قطعة قماش ملونة، بل كان خلاصة آلاف الأيام من الألم والصمود والصور التي عبرت الشاشات والهواتف إلى ضمير العالم. لقد جاءت الأعلام إلى الملاعب من الشوارع، لا من مقرات الأحزاب، وجاءت الهتافات من الناس، لا من البيانات الرسمية.

 

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. لسنوات طويلة، رددت المؤسسات الرياضية شعارًا يقول إن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة، لكن الجماهير أثبتت مرة أخرى أن الرياضة لا تعيش خارج المجتمع، وأن الملاعب ليست جُزرًا معزولة عن نبض العالم. فما يدخل إلى وجدان الشعوب يجد طريقه، عاجلًا أو آجلًا، إلى المدرجات.

 

ولذلك لم يكن حضور فلسطين مقتصرًا على الجماهير العربية أو الإسلامية. فقد شوهد العلم الفلسطيني بأيدي مشجعين من أمريكا اللاتينية، وأوروبا، وأفريقيا، وآسيا، يحملونه إلى جانب أعلام منتخباتهم الوطنية. لم يكونوا يستبدلون انتماءاتهم الرياضية، بل كانوا يعلنون أن الانتماء الإنساني أوسع من حدود الجغرافيا.

 

لقد تحولت فلسطين، خلال السنوات الأخيرة، إلى رمز عالمي يتجاوز حدودها الجغرافية. وهذا التحول لم تصنعه الحكومات، التي أدارت ظهرها لفلسطين ولم تزل، بل صنعته الشعوب. فالرأي العام العالمي لم يعد يتشكل فقط عبر نشرات الأخبار، وإنما عبر الصورة المباشرة، والشهادة الحية، والتجربة الإنسانية التي انتقلت في لحظتها إلى مئات الملايين.

 

ولهذا أخطأ من ظن أن مرور الوقت سيؤدي إلى تراجع القضية الفلسطينية في الوعي العالمي، فما حدث كان العكس تمامًا؛ كلما امتدت الحرب، والإبادة الجماعية، والتوحش الصهيوني، اتسعت دائرة الأسئلة الأخلاقية، وكلما طال أمدها، ازداد عدد الذين شعروا بأن الصمت لم يعد ممكنًا.

 

من هنا يمكن فهم الصورة التي حمل فيها المدرب المصري علم فلسطين إلى جانب علم مصر. لم تكن لفتة شخصية عابرة، بل كانت انعكاسًا لتحول أوسع بكثير من شخص أو منتخب. كانت تعبيرًا عن حقيقة جديدة تقول إن فلسطين لم تعد قضية تخص شعبًا واحدًا، بل أصبحت بالنسبة لكثيرين اختبارًا لمعنى العدالة نفسه.

 

أما الكيان الصهيوني، فقد يجد في نتائج المباريات ما يسره أو لا يسره، لكنه يواجه في ميدان آخر تحديًا مختلفًا تمامًا؛ ميدان الصورة في وجدان الشعوب. فالدول تستطيع أن تكسب معارك عسكرية، وأن تعقد تحالفات سياسية، لكن بناء الشرعية الأخلاقية أو فقدانها يجري في مكان آخر، في عقول الناس وقلوبهم. وما كشفه هذا المونديال هو أن هذا الميزان يشهد تحولًا واضحًا، حتى لو لم ينعكس بعد بالكامل في مواقف الحكومات.

 

ولعل هذا هو الدرس الأهم في البطولة. فقد شاركت عشرات المنتخبات، ولعبت مئات المباريات، وسُجلت أهداف لا تُحصى، لكن واحدة من أكثر الصور رسوخًا في الذاكرة لم تكن هدفًا ولا كأسًا، بل علم فلسطين يرتفع في أكبر محفل رياضي على وجه الأرض.

 

سيكتب التاريخ أن فلسطين لم تتأهل إلى كأس العالم 2026، لكنه سيكتب أيضًا أنها كانت المنتخب الوحيد الذي لم يدخل أرض الملعب، ومع ذلك لعب في كل المباريات.

 

لم تتأهل فلسطين إلى المونديال.. لكن غزة أهّلتها إلى ضمير العالم، ومن يصل إلى هناك، لا يحتاج إلى بطاقة مشاركة حتى يكون حاضرًا في كل مباراة.