تعيش مناطق واسعة في جنوب الصين واحدة من أعنف موجات الطقس القاسي خلال الفترة الأخيرة، بعدما تحولت الأمطار الغزيرة الناتجة عن بقايا العاصفة الاستوائية "مايساك" إلى فيضانات عارمة اجتاحت المدن والقرى، وأسفرت عن سقوط قتلى ومفقودين، فيما اضطرت السلطات إلى إجلاء مئات الآلاف من السكان من المناطق الأكثر تضررا.

 

وضربت الكارثة عدة أقاليم صينية، وسط استمرار عمليات البحث والإنقاذ، وتحذيرات رسمية من استمرار خطر الفيضانات والانهيارات الأرضية، بالتزامن مع اقتراب إعصار جديد يهدد مناطق جنوب شرق البلاد ويثير مخاوف من تفاقم الأضرار.

 

 

مدن غارقة وقرى تحولت إلى مناطق منكوبة

 

تسببت السيول الجارفة في غمر المنازل والطرق والمنشآت الحيوية، بعدما تجاوزت كميات الأمطار المعدلات الطبيعية في عدد من المناطق، ما أدى إلى عزل قرى بأكملها وانقطاع خدمات أساسية عن آلاف السكان.

 

وفي مقاطعة قوانغشي، أعلنت السلطات مقتل 6 أشخاص وفقدان 11 آخرين، بينما تجاوز عدد الذين تم إجلاؤهم بسبب الفيضانات 130 ألف شخص، مع استمرار فرق الطوارئ في البحث عن المفقودين ونقل السكان من المناطق التي باتت تشكل خطرا على حياتهم.

 

وأكدت السلطات المحلية أن فرق الإنقاذ تعمل على مدار الساعة، في ظل ارتفاع منسوب المياه وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المحاصرة بسبب استمرار هطول الأمطار.

 

 

عائلات محاصرة وسط المياه ومناشدات لإنقاذ السكان

 

كشفت شهادات السكان حجم المأساة الإنسانية التي خلفتها الفيضانات، حيث تحدث عدد من المواطنين عن وجود عائلات عالقة داخل منازلها لساعات طويلة في انتظار وصول فرق الإنقاذ.

 

وقالت مواطنة صينية إن أفرادا من عائلة شقيقها ظلوا محاصرين داخل منزلهم في إحدى قرى مقاطعة تشينتانج، بينهم طفل رضيع ووالداه وجده، بعدما ارتفع مستوى المياه داخل المنزل إلى أكثر من طول الإنسان، ما دفعهم إلى الاحتماء بالطابق الثاني.

 

وأوضحت أن المنطقة شهدت انقطاعا في الكهرباء والمياه، فيما بدأت بعض الأسر تعاني نقص المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، وسط مناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتدخل السريع.

 

 

السيول تجرف الثعابين وتزيد حالة الرعب

 

ولم تتوقف تداعيات الكارثة عند الخسائر البشرية والمادية، إذ تسببت الفيضانات في انتشار الثعابين داخل بعض المناطق السكنية بعدما جرفت المياه أعدادا منها من مزارع التربية بمدينة هنغتشو.

 

وذكرت وسائل إعلام صينية رسمية أن عددا من السكان تعرضوا للدغات، فيما سادت حالة من الخوف بين الأهالي الذين يواجهون بالفعل ظروفا إنسانية صعبة بسبب المياه التي غمرت المنازل والشوارع.

 

 

أمطار استثنائية وتحذيرات من انهيارات أرضية

 

أعلن المركز الوطني للأرصاد الجوية في الصين أن مناطق واسعة من قوانغشي تعرضت منذ السبت الماضي لأمطار غزيرة بكميات غير معتادة، حيث تراوحت معدلات الهطول في بعض المناطق بين 4 و16 بوصة، بينما تجاوزت مناطق أخرى حاجز 35 بوصة.

 

وحذرت الجهات المختصة من استمرار الطقس العنيف، مؤكدة أن مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية لا تزال قائمة، خاصة مع توقعات بزيادة سرعة الرياح خلال الأيام المقبلة.

 

دفعت الظروف الجوية القاسية السلطات الصينية إلى تعليق بعض خدمات السكك الحديدية في المناطق المتضررة، ضمن إجراءات احترازية لحماية المواطنين والمسافرين.

 

وفي الوقت نفسه، تستعد البلاد لمواجهة إعصار "بافي" المتوقع وصوله إلى مناطق جنوب شرق الصين، وسط مخاوف من أن تؤدي العاصفة الجديدة إلى زيادة حجم الأضرار وتعقيد عمليات الإغاثة.

 

مع اتساع نطاق الكارثة، وجه الرئيس الصيني شي جين بينج السلطات إلى بذل أقصى الجهود لإنقاذ السكان المتضررين، وتسريع عمليات البحث عن المفقودين، وتوفير المساعدات للمناطق المنكوبة.

 

وتعمل فرق الدفاع المدني والشرطة والقوات المسلحة على دعم عمليات الإخلاء والإنقاذ، باستخدام القوارب للوصول إلى المناطق التي غمرتها المياه، إلى جانب إنشاء مراكز إيواء وتقديم خدمات طبية عاجلة للمتضررين.

 

وفي مقاطعة هوبي وسط الصين، تسببت عواصف رعدية ورياح شديدة في وفاة 11 شخصا وإصابة 331 آخرين، بحسب وكالة الأنباء الصينية الرسمية.

 

وأدت العاصفة إلى تضرر نحو 4800 منزل وانهيار 22 منزلا بشكل كامل، وسط استمرار عمليات تقييم الخسائر التي خلفتها الأحوال الجوية المفاجئة والعنيفة.

 

وفي شمال غرب الصين، شهدت مقاطعة قانسو انهيارا أرضيا ضخما أدى إلى محاصرة 33 شخصا تحت كميات كبيرة من الصخور والطين.
وتمكنت فرق الإنقاذ من انتشال 17 شخصا أحياء، بينما واصلت عمليات البحث عن باقي العالقين، وسط جهود مكثفة لمنع وقوع انهيارات جديدة في المناطق الجبلية.

 

وفي قوانغشي، دفعت الفيضانات السلطات إلى رفع مستوى الاستجابة الطارئة إلى أعلى درجة، بعدما تسببت السيول في انهيار بعض السدود والخزانات المائية.

 

وأظهرت مقاطع مصورة تدفق كميات ضخمة من المياه الموحلة بعد انهيار أحد السدود، ما أدى إلى غرق طرق ومنازل وأراض زراعية، فيما تواصل السلطات مراقبة مستويات الأنهار والخزانات لمنع وقوع كوارث إضافية.

 

ولم تقتصر موجة الطقس العنيف على الصين فقط، حيث تسببت الأمطار الموسمية الغزيرة في عدد من الدول الآسيوية المجاورة في سقوط ضحايا وخسائر واسعة.

 

وفي بنجلاديش، أدت الانهيارات الأرضية إلى مقتل عدد من لاجئي الروهينجا بينهم أطفال، بينما شهدت الهند أمطارا موسمية شديدة تسببت في وفاة أكثر من 12 شخصا خلال الأيام الماضية.

 

وتزامنت الفيضانات الصينية مع موجة حر غير مسبوقة تضرب أجزاء واسعة من أوروبا، حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية في مناطق من البرتغال وإسبانيا، وسط مخاوف من اندلاع المزيد من حرائق الغابات.

 

ويرى خبراء المناخ أن تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة، من فيضانات مدمرة إلى موجات حر شديدة، يرتبط بارتفاع درجات حرارة الأرض نتيجة زيادة انبعاثات الوقود الأحفوري.

 

وتشير التقارير المناخية إلى أن آسيا تواجه خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا في شدة الفيضانات والانهيارات الأرضية، بينما تعاني أوروبا من موجات حرارة أكثر تكرارا وقسوة.