عاد اسم رجل الأعمال محمد الخشن، رئيس شركة «إيفرجرو» للأسمدة، إلى واجهة المشهد الاقتصادي من بوابة أكثر خطورة، بعدما دخل ملف مديونيته المصرفية مرحلة جديدة مع توجيه البنك المركزي بمنعه و22 من أفراد عائلته من التصرف في أموالهم، استنادا إلى قرار صادر من النائب العام، بينما تدور تقديرات الالتزامات المتداولة بين نحو 40 و44 مليار جنيه.
ولا تبدو القضية مجرد تعثر تقليدي لرجل أعمال اقترض ثم عجز عن السداد، فخلف الأرقام المتضاربة تقف شركة صناعية ضخمة تضم أكثر من 5000 عامل، وتصدر إلى أكثر من 80 دولة، وتمتلك 4 مصانع، بينما تكشف الأزمة كيف يمكن للفوائد وقفزات الدولار وتأخر التمويل أن تحول ديونا أصلية محدودة نسبيا إلى كرة نار تهدد البنوك والمصانع والعمال في وقت واحد.
من التسوية إلى الحظر
كان البنك المركزي قد أعلن في أبريل الماضي نجاح تحالف البنوك الدائنة في إبرام اتفاق لإعادة هيكلة مديونية محمد الخشن، مؤكدا أن الاتفاق يضمن استيفاء كامل المستحقات، بما يشمل أصل الدين والعوائد، مع الحصول على ضمانات كافية لتغطية المديونية، في صياغة بدت وقتها وكأنها تمهد لإغلاق واحد من أكبر ملفات التعثر الصناعي.
لكن انتقال الملف بعد ذلك إلى منع الخشن و22 من أفراد عائلته من التصرف في أموالهم يكشف أن الطريق إلى التسوية لم يكن مستقرا كما بدت الصورة الرسمية، وأن الأزمة انتقلت من غرف التفاوض المصرفية إلى مستوى قانوني أكثر حدة، يهدف إلى تجميد القدرة على التصرف في الأموال لحين حسم الالتزامات والضمانات.
وتزداد الصورة تعقيدا بسبب التفاوت الكبير بين الأرقام المتداولة، فبينما أشارت تقارير إلى مديونية تصل إلى نحو 40 مليار جنيه، تحدث مصدر مصرفي عن تسوية تدور حول 44 مليار جنيه، في حين تتمسك الشركة بأن أصل الدين الحقيقي لا يتجاوز 11.8 مليار جنيه فقط، وأن بقية التضخم نتج عن الفوائد وفروق أسعار الصرف وتكاليف التمويل المتراكمة.
هذا الفارق الضخم ليس تفصيلا محاسبيا هامشيا، بل هو قلب الأزمة كلها، لأن الانتقال من 11.8 مليار جنيه كأصل للدين إلى أرقام تقترب من 40 أو 44 مليارا يفتح سؤالا قاسيا حول الطريقة التي يمكن بها للتمويل المصرفي أن يتحول من أداة لتشغيل الصناعة إلى عبء يلتهم قدرتها على الإنتاج والاستمرار.
وبحسب ما ورد عن الشركة، كان أصل المديونية في نهاية 2021 يتوزع بين نحو 6 مليارات جنيه تمويلات محلية وقرض مشترك بقيمة 425 مليون دولار، قبل أن تدخل البلاد سنوات من الارتفاعات المتتالية في سعر الفائدة والانخفاضات الحادة في قيمة الجنيه، فتتضاعف تكلفة الالتزامات الدولارية عند إعادة تقييمها بالعملة المحلية.
وتقول الشركة إن الدولار قفز من نحو 15.7 جنيه في 2021 إلى قرابة 54 جنيها في مارس 2026، وهو تحول كفيل وحده بإعادة رسم ميزانيات الشركات المقترضة بالعملة الأجنبية، خصوصا عندما تكون الإيرادات المحلية غير قادرة على ملاحقة تضخم قيمة القروض والفوائد بنفس السرعة.
الدولار والفوائد يخنقان المصنع
تكشف أزمة «إيفرجرو» وجها شديد القسوة لأزمة الاقتصاد المصري، فالشركة لم تقل إنها أخذت عشرات المليارات نقدا ثم أهدرتها، بل تقول إن أصل الدين أقل كثيرا من الرقم المتداول، وإن ما حدث هو تضخم متواصل في الالتزامات نتيجة الفوائد وفروق العملة والصدمات العالمية وتراجع القدرة التشغيلية.
وتحمل هذه الرواية دلالة أخطر من مجرد دفاع شركة عن نفسها، لأنها تعني أن مصنعاً يمكن أن يبدأ بقروض تستهدف التوسع والإنتاج، ثم يجد نفسه بعد عدة سنوات محاصرا بمبالغ مضاعفة لمجرد أن سعر الدولار تغير، وأسعار الفائدة ارتفعت، وتكاليف التمويل تراكمت على أصل الدين.
الأزمة لم تتوقف عند الحسابات الدفترية، إذ قالت الشركة إن عدم صرف تسهيلات رأس المال العامل المتفق عليها مع البنوك في 2022 أدى إلى تراجع طاقتها الإنتاجية إلى نحو 50%، بما يعني أن الشركة وجدت نفسها في دائرة مغلقة، تحتاج إلى السيولة كي تنتج وتسدد، لكنها لا تحصل على السيولة الكافية فتنتج أقل وتتدهور قدرتها على السداد.
وتلك معادلة مدمرة لأي نشاط صناعي، لأن البنك يريد استرداد أمواله، والشركة تحتاج إلى التشغيل لتوليد الإيرادات، بينما يؤدي خفض التمويل التشغيلي إلى إضعاف الإنتاج نفسه الذي يفترض أن يوفر الأموال اللازمة للسداد، فتتحول الأزمة إلى حلقة تتغذى على نفسها.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل حقوق البنوك والمودعين، فالقروض ليست منحا مجانية، والبنوك مطالبة باسترداد أموالها وحماية مراكزها المالية، لكن المشكلة تكمن في إيجاد تسوية لا تحول حماية الأموال إلى عملية تدمير للأصل الصناعي الذي يمثل الضمان الحقيقي لاستمرار التدفقات والسداد.
وتضم قائمة الدائنين نحو 25 بنكا، بما يكشف اتساع حجم التعرض المصرفي للملف، كما أن نحو 66% من قيمة التسوية مقوم بالدولار، وهو ما يوضح سبب حساسية أي محاولة لإعادة هيكلة الالتزامات في ظل تقلب العملة المحلية وارتفاع تكلفة التمويل الأجنبي.
وجاء رفض البنك المركزي طلبات بعض البنوك تحويل جزء من المديونية المقومة بالجنيه إلى الدولار ليكشف بدوره حساسية الملف، إذ إن أي توسيع للشريحة الدولارية كان سيزيد تعرض الشركة لمخاطر سعر الصرف، ويضاعف احتمالات تضخم الدين مجددا مع أي انخفاض جديد في قيمة الجنيه.
ولا تبدو الأزمة منفصلة عن واقع اقتصادي أوسع أصبحت فيه الشركات مطالبة بمواجهة أسعار فائدة مرتفعة، وتقلبات عملة حادة، وصدمات عالمية، وتكاليف استيراد متزايدة، بينما قد تتحول القروض طويلة الأجل إلى عبء متضخم يفوق القيمة الأصلية للتمويل مرات عدة.
مصانع وعمال أمام المقصلة
تكمن خطورة الملف في أن «إيفرجرو» ليست شركة ورقية يمكن تصفيتها وإغلاق ملفها بسهولة، بل كيان صناعي يقول إنه يمتلك أصولا تبلغ قيمتها الاستبدالية نحو 62 مليار جنيه، ويحقق مبيعات سنوية تقارب 12 مليار جنيه، ويصدر بنحو 120 مليون دولار إلى أكثر من 80 دولة.
كما يعمل بالشركة أكثر من 5000 عامل، وتمتلك 4 مصانع تنتج أسمدة ومركبات زراعية متخصصة، بينها سلفات البوتاسيوم ويوريا فوسفات ونترات الكالسيوم ونترات المغنيسيوم والأسمدة الورقية، بما يجعل الأزمة مرتبطة بالإنتاج والتصدير والتشغيل، لا بثروة رجل أعمال وحده.
ومن هنا يصبح التعامل مع القضية باعتبارها مجرد مطاردة مدين قراءة شديدة السطحية، لأن أي انهيار في النشاط سيمتد إلى آلاف الأسر، والموردين، والبنوك الدائنة نفسها، فضلا عن سوق الأسمدة وقطاع التصدير، وهو ما يفسر إصرار الأطراف على التفاوض وإعادة الهيكلة بدلا من الذهاب مباشرة إلى التصفية.
لكن الوصول إلى قرار منع التصرف يكشف أن الثقة بين الأطراف وصلت إلى مستوى بالغ الحساسية، وأن الضمانات والمفاوضات السابقة لم تكن كافية وحدها لإغلاق الملف، رغم تعيين مستشار مالي مستقل وتوقيع مذكرات واتفاقات لإعادة الجدولة منذ نهاية 2024 وخلال 2025.
وتولت «أورا كابيتال» دور المستشار المالي المستقل للتفاوض مع البنوك، فيما يدير مكتب خالد أبو بكر الملف القانوني، وهي ترتيبات توضح أن القضية تجاوزت منذ وقت طويل مرحلة التأخر العادي في السداد وأصبحت عملية إعادة هيكلة مالية وقانونية معقدة لعشرات المليارات.
ورغم دفاع الشركة عن قوة أصولها، فإن القيمة الاستبدالية البالغة 62 مليار جنيه لا تعني تلقائيا سهولة السداد، لأن الأصل الصناعي لا يتحول إلى سيولة فورية دون تكلفة، كما أن بيع المصانع أو تفكيك النشاط قد يدمر القيمة التشغيلية التي تستند إليها الشركة أصلا في الدفاع عن قدرتها على الاستمرار.
وفي المقابل، فإن استمرار النشاط بلا تسوية واضحة يعرض البنوك لمزيد من المخاطر، ولهذا تبدو القضية كصراع بين ساعتين تتحركان في اتجاهين مختلفين، ساعة البنوك التي تريد استرداد الأموال، وساعة المصنع الذي يحتاج إلى وقت وتمويل كي يستعيد الإنتاج ويولد تدفقات تسمح بالسداد.
الأشد خطورة أن الملف يكشف هشاشة النموذج الذي تُحمل فيه الشركات الصناعية نتائج انهيارات العملة وارتفاعات الفائدة بينما تستمر فوائد القروض في التراكم، ثم تعرض الأرقام النهائية وكأنها كتلة واحدة، من دون فصل واضح في النقاش العام بين أصل التمويل وتكلفة الفائدة وخسائر تغير سعر الصرف.
قضية محمد الخشن لا تبرئ مدينا ولا تدين بنكا بمجرد الروايات المتاحة، لكنها تضع أمام الاقتصاد المصري إنذارا واضحا بشأن مستقبل التمويل الصناعي في بيئة قد يتحول فيها قرض بمليارات محدودة إلى التزامات بعشرات المليارات، بينما يبقى المصنع نفسه عالقا بين خطر التوقف وضغط الدائنين.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط كيف ستسترد البنوك أموالها، بل من سيدفع ثمن الوصول إلى هذه المرحلة، وهل تنتهي الأزمة بتسوية تحمي الأموال والإنتاج والعمال، أم تصبح «إيفرجرو» مثالا جديدا على مصنع ضخم طحنته القروض والفوائد والدولار حتى وصلت المعركة إلى أموال صاحبه وعائلته.

