مررت اللجنة المشتركة بمجلس النواب في مصر مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بعد إضافة 5 مواد جديدة، لتنتهي المناقشات بمنح الكيان التابع للقوات المسلحة إطارا قانونيا أوسع وامتيازات اقتصادية أكثر رسوخا.
ويأتي تمرير المشروع وسط أزمة معيشية خانقة تتراجع فيها قدرة المصريين على شراء الغذاء، بينما تتسع إمبراطورية جهاز عسكري يسيطر على الأراضي والإنتاج والتجارة، بما يجعل الحديث الحكومي عن التنمية غطاء سياسيا لإعادة توزيع موارد الدولة.
وبحسب تقرير اللجنة، يستهدف المشروع تحويل الجهاز المنشأ بقرار جمهوري رقم 591 لسنة 2022 إلى كيان ذي طبيعة خاصة، يتمتع بمرونة إدارية ومالية، ويعمل باعتباره محركا للمشروعات القومية ومناطق التنمية المستدامة.
غير أن الصياغة الحكومية لا تجيب عن السؤال المركزي المتعلق بكيفية إخضاع هذا الكيان للمحاسبة الفعلية، ولا توضح حدود الفصل بين المال العام والنشاط العسكري، أو مصير الأرباح والديون والعقود التي سيديرها الجهاز.
وفي المقابل، قدم جهاز مستقبل مصر بيانا نفى فيه ما وصفه بالمزاعم والاستنتاجات غير الصحيحة حول اختصاصاته ووضعه القانوني وآليات الرقابة عليه، مؤكدا أن نشاطه يجري داخل مؤسسات الدولة ووفق القوانين المنظمة.
لكن توقيت البيان، قبل استكمال التحرك البرلماني مباشرة، بدا أقرب إلى محاولة دفاع سياسي عن الجهاز، خصوصا أن الانتقادات لم تتعلق بإنكار مشروعاته، بل بحجم السلطات والإعفاءات وغياب الإفصاح المالي التفصيلي.
ومن ثم، تحولت المناقشات من مراجعة فلسفة المشروع إلى إدخال تعديلات محدودة تمنح القانون مظهرا رقابيا، من دون المساس بالبنية الأساسية التي تجعل جهازا تابعا للمؤسسة العسكرية لاعبا اقتصاديا فوق الوزارات والهيئات المدنية.
الرقابة تحت الاختبار
أدخلت اللجنة تعديلا على المادة 26 يشترط موافقة مجلس النواب في جلسة عامة على قرارات إنشاء مناطق التنمية المستدامة، بعد اقتراح تقدم به النائب أحمد عبد الجواد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن.
وبالتالي، روجت الأغلبية لهذا الشرط باعتباره ضمانة تشريعية جديدة، إلا أن الموافقة البرلمانية على إنشاء المناطق لا تعني تلقائيا رقابة دورية على الحسابات والعقود والمشتريات، ولا تتيح نشر بيانات الأداء أمام المواطنين.
كما أن المادة المعدلة تنظم انتقال ملكية الأراضي والمنشآت الحكومية الواقعة داخل مناطق التنمية إلى الجهاز، بما يشمل الحقوق والالتزامات المتصلة بها، وهو ما يمنحه قدرة هائلة على تجميع أصول عامة تحت إدارة واحدة.
ولزيادة القلق، لا يقتصر المشروع على إدارة الأرض، بل يسمح للجهاز بتنفيذ المشروعات وإقامة الشراكات وتأسيس الشركات والتعامل مع المستثمرين، بينما تظل الأسئلة معلقة بشأن قواعد التخصيص والتقييم ومنع تضارب المصالح.
وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي يزيد صايغ أن اتساع النشاط الاقتصادي العسكري يزاحم القطاع الخاص ويخيف المستثمرين، لأن الامتيازات غير المتكافئة تجعل المنافسة شكلية وتمنح الكيانات العسكرية أفضلية يصعب على الشركات المدنية مجاراتها.
وعليه، فإن اشتراط موافقة البرلمان عند إنشاء منطقة جديدة لا يعالج جوهر المشكلة التي يحددها صايغ، لأن الخلل يبدأ من تفاوت النفوذ والوصول إلى الأرض والعقود والتمويل، وليس فقط من قرار التأسيس.
الامتيازات فوق المنافسة
ويمنح المشروع الجهاز شخصية اعتبارية واستقلالا إداريا وماليا، وهي عبارات تقدمها الحكومة باعتبارها شروطا للمرونة والكفاءة، لكنها تفتح عمليا بابا واسعا للعمل خارج القيود التي تخضع لها الوزارات والهيئات الاقتصادية التقليدية.
علاوة على ذلك، تصف الحكومة الجهاز بأنه أداة لجذب الاستثمار وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، رغم أن الجمع بين سلطة تخصيص الأصول ودور المستثمر والمشغل والشريك يخلق علاقة غير متوازنة مع الشركات التي يفترض منافستها.
ومن ناحية أخرى، حذر الباحث عمرو عادلي في دراساته عن الاقتصاد المصري من أن توسع المؤسسة العسكرية اقتصاديا يعيد تخصيص الموارد لمصلحة كيانات تتمتع بالنفوذ، ويضعف قدرة القطاع الخاص على النمو المستقل وصنع قرارات استثمارية طويلة الأجل.
وبناء على ذلك، يصبح حديث القانون عن الشراكة مع القطاع الخاص قابلا للتحول إلى تبعية اقتصادية، حيث تدخل الشركات المدنية السوق من بوابة الجهاز، لا باعتبارها منافسا متساويا، بل شريكا أصغر يحتاج موافقة صاحب الأرض والنفوذ.
كذلك، تثير الإعفاءات والتسهيلات المحتملة سؤال العدالة الضريبية، لأن أي ميزة يحصل عليها الجهاز في الرسوم أو الأراضي أو الطاقة أو المشتريات تتحول إلى تكلفة يتحملها منافسوه، ثم يدفع المواطن ثمنها عبر الموازنة.
ومع ذلك، لم تقدم المناقشات المنشورة جدولا واضحا بالإعفاءات القائمة أو المقترحة، ولم تكشف قيمة أصول الجهاز أو حجم مديونيته وأرباحه، ما يجعل الموافقة التشريعية أقرب إلى تفويض واسع يسبق الإفصاح بدلا من أن يتبعه.
المحاسبة الغائبة
تقول اللجنة إن إضافة 5 مواد جديدة عالجت الإشكالات الدستورية ورسخت الحوكمة، إلا أن الحوكمة لا تقاس بعدد المواد، بل بوضوح التقارير المالية وإتاحة البيانات واستقلال أجهزة التفتيش وقدرة النواب على الاستجواب والمساءلة.
ومن جهة ثانية، يؤكد الخبير روبرت سبرينغبورغ أن المصالح الاقتصادية العسكرية ارتبطت تاريخيا بالسرية ومقاومة الانفتاح والرقابة المدنية، بما يجعل الأنشطة الاقتصادية للجيش أقل تعرضا للفحص العام من المؤسسات الحكومية المدنية التقليدية.
لهذا، لا يكفي النص على خضوع الجهاز لأجهزة رقابية من دون إلزامه بنشر ميزانياته التفصيلية وعقوده وتقارير المراجعة، لأن الرقابة السرية داخل مؤسسات الدولة لا تمنح المجتمع أو المستثمرين وسيلة للتحقق من الكفاءة والنزاهة.
فضلا عن ذلك، يضع المشروع الجهاز في موقع يجمع بين إدارة مشروعات الأمن الغذائي والمائي وحيازة الأراضي وإبرام الشراكات، ما يسمح له بالتأثير في أسعار السلع ومسارات الاستثمار من دون وجود منظم مدني مستقل.
وفي المحصلة، يبدو القانون محاولة لتقنين واقع تمدد بالفعل، لا لإعادة ضبطه، إذ يمنح الجهاز شرعية مدنية أوسع مع الاحتفاظ بصلته العسكرية، ويحول الامتياز الاستثنائي إلى قاعدة تشريعية يصعب التراجع عنها مستقبلا.
أما التعديل البرلماني الأبرز، فيظل محدودا أمام اتساع سلطات الجهاز، لأن مجلسا تهيمن عليه أغلبية موالية للسلطة التنفيذية نادرا ما استخدم أدواته الرقابية بفاعلية، لن يصبح ضمانة حقيقية بمجرد التصويت على إنشاء المناطق.
وأخيرا، فإن تمرير المشروع بهذه الصيغة يرسل رسالة سلبية إلى السوق والمجتمع، مفادها أن الدولة لا تنسحب من النشاط الاقتصادي كما تعلن، بل تعيد تركيزه داخل كيان عسكري أكثر استقلالا وأقل وضوحا وأوسع امتيازا.

