علي باكير

كاتب ومحلل سياسي يركز على السياسات الإقليمية لكل من تركيا وإيران

 

عندما اقترحت الولايات المتّحدة تفاهم اسلام أباد تمهيدًا للمفاوضات النهائية حول المسائل الرئيسية العالقة مع إيران، تعرّض التفاهم لانتقادات شديدة من طرفين أساسيّن، نتنياهو وفريقه في إسرائيل، والمرشد الأعلى والحرس الثوري في إيران. المفارقة التي يمكن الوقوف عندها هنا ليس حقيقية أنّ الموقف الإيراني مطابق للموقف الإسرائيلي في الرفض ـ مع اختلاف المبررات ـ ، بل رغبة الرئيس الأمريكي ترامب بوصفه صاحب منهج الصفقات في تضمين التفاهم ما يمكن وصفه بالتنازلات المجانية للجانب الايراني في حين يرفض قسم من الإيرانيين ذلك بالرغم من الحاجة الماسّة إليه. السؤال، لماذا؟

 

لا يتعلّق الأمر باعتقادي بادّعاء المرشد والحرس العفّة في التعامل مع الجانب الأمريكي، فالتعاملات والتفاهمات والصفقات بين الطرفين منذ أكثر من ثلاثة عقود موثّقة، وتفاصيلها معروفة، ونتائجها ملموسة على المستوى الإقليمي، وكانت قد وصلت ذروتها في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. آنذاك، قاتل الحرس الثوري بقيادة قاسم سليماني والميليشيات الشيعية العراقية "داعش" بغطاء مباشر من سلاح الجو الأمريكي في العراق في معركة آمرلي. كما اتاحت الصفقة النووية لإيران إحتلال سوريا واستقدام عشرات الآلاف من الميليشيات الطائفية المسلحة من كل أصقاع الأرض إلى البلاد، وتحوّل خطاب وعمل حزب الله من جبهة إسرائيل في جنوب لبنان إلى جبهة "المتطرفين" في سوريا دفاعًا عن نظام الأسد.

 

لكن ما يميّز هذه الصفقات بعيدًا عن المكاسب الموصوفة أنّها غالبًا ما كانت تتم خلف الأبواب المغلقة، مع إتاحة المجال أمام الأطراف المنخرطة فيها باستمرار سرديّة العداء أو الصراع والتي تعتبر أساسية في ضمان مصالح الفئة الحاكمة في إيران والولايات المتّحدة (اللوبي الإسرائيلي). ولعلّ هذا السبب بالتحديد هو ما يحول دون المضي قدمًا في التفاهم الحالي فضلا عن التوصل لاتفاق شامل، وليس التفاصيل الواردة أو غير الواردة في تفاهم إسلام أباد. وبالرغم من أنّ حجم الدمار والخسائر التي تعرَت لها وتتعرض لها إيران كبيرة وتجعل من أي تنازل لصالحها يبدو صغيرًا مهما بلغ حجمه.

 

في هذا السياق، فإنّ حصول تفاهم يعتبر بحد ذاته ضربة قاضية للمرشد والحرس الثوري. فسياسة إيران التي يقودها هذا الفريق منذ تأسيس الجمهورية الإيرانية حتى اليوم قائمة على ضرورة وجود حالة من عدم الاستقرار وفوضى إقليمية، وعلى خلقها في حال لم تكن موجودة، وعلى الاستثمار في هذه الحالة ماليًا وطائفيا وعسكريًا وسياسيًا ودبلوماسيًّا. التوصل إلى تفاهم أو اتّفاق ضمن هذه المعطيات يعني فقدان هذه النخبة مبرر وجودها فضلا عن الوقود الذي يتيح لها الاستمرار في السلطة. المفارقة انّ نفس هذه السياسة هي مبرر وجود إسرائيل. ولهذا، فإنّ النظر الى التوافق الحاصل إزاء رفض كل من المرشد والحرس الثوري، ونتنياهو وجماعته، أي أو تفاهم أو اتفاق مع أمريكا يجب أن يتم من هذه الزاوية تحديدًا وليس من زاوية التفاصيل التي يتضمنها التفاهم.

 

علاوة على لك، فإنّ فهم الرفض من هذا المنظور يشير الى انّ التصعيد سيستمر بطريقة أو بأخرى ما لم يتم حل هذه المعضلة. فيما يتعلق بإسرائيل، فان واشنطن قادرة عندما تريد ان تضغط عليها إذا كان موقفها يتعارض مع المصالح الامريكية. وقد رأينا بالفعل بعض المناوشات بين الطرفين فيما يتعلق بسياسة إسرائيل في لبنان، وهو الأمر الذي اضطر تل أبيب إلى الذهاب لمسار مختلف للتفاوض مع الحكومة اللبنانية. لكن فيما يتعلق بايران، فإنّ المسألة مختلفة تمامًا. إنهاء هذه الحالة يتطلب حسمًا في الصراع الجاري بين النخب داخل إيران على حكم إيران.

 

وبالرغم من أنّ النخبة الإيرانية معتادة على توزيع الأدوار بما يصب في نهاية المطاف في مصلحة النظام الإيراني، إلاّ أنّ الوضع الحالي يختلف وسط وجود انقسامات حقيقية ظهرت بشكل بارز منذ بداية الحرب الحالية في نهاية فبراير الماضي حيث كان رئيس الجمهورية يعتذر عن عدوان بلاده على دول الخليج فيما كان الحرس الثوري يستمر في عدوانه. نفس الإنقسام ظهر أثناء التفاوض حيث بدا انّ هناك فريقًا يريد التوصل إلى تفاهم فيما الطرف الآخر الذي لا يريد التفاهم مشغول في مهاجمة المفاوضين وتعقيد المعطيات الميدانية لإفشالهم!

 

عندما تمّ التوصل إلى تفاهم إسلام أباد، كان الكلام المنقول عن المرشد واضحًا، فهو عارض الاتفاق ولكنّه رمى وزره على رئيس الجمهورية. وبينما كان الوفد الإيراني يفاوض، كان الحرس وجماعة الحرس يعلمون على تقويض فرصفهم في النجاح. الأمر لا يتعلق بميزان القوى، إذ أنّ هذا الميزان يميل بشدة الى صالح الطرف الآخر. وبينما يحاول البعض التعامل بعقلانية وواقعية مع الوضع، يرى البعض الآخر أنّ الحل يكمن في معادلة الأسد الشهيرة "الأسد أو نحرق البلد".

 

إيران ليست دولة طبيعية، وهذا الأمر لا يعود إلى المعطيات الخارجية بالدرجة الأولى وإنما إلى الخيارات الداخلية التي بنيت عليها الدولة وسياساتها. الخلاف الحاصل حاليًا مع أمريكا ليس على الشكل أو التفاصيل وإنما على المآلات. ولذلك، ما لم يتم حسم خيارات إيران بين الدولة والثورة والمؤسسات والبلطجة والاستقرار والفوضى، فإنّ فرص حصول اتفاق شامل ستكون ضعيفة أو معدومة، فضلًا عن حقيقة أنّ أي اتفاق شامل من هذا النوع سيؤدي إلى زوال مبررات وجود المرشد والحرس الثوري وتاليًا النظام الإيراني الذي نعرفه.