بالنسبة لكثير من الناس، يقتصر شروق الشمس أو غروبها على كونهما مشهدين ساحرين يمنحان لحظات من الهدوء أو التأمل، إلا أن الأبحاث العلمية تشير إلى أن تأثيرهما يتجاوز بكثير الجانب الجمالي. فهذه الظواهر الطبيعية اليومية قد تلعب دورًا مهمًا في تحسين الحالة النفسية، وتعزيز التركيز، وتنظيم وظائف الجسم، بل وحتى التأثير في طريقة إدراكنا للعالم.

 

وتكشف دراسات حديثة في مجال علم النفس البيئي أن الظواهر الطبيعية العابرة، مثل الشروق والغروب، تترك آثارًا واضحة على المزاج والانتباه والإدراك، وقد تنعكس إيجابًا على الصحة النفسية والجسدية. ويصنف العلماء هذه المشاهد ضمن ما يعرف بـ"الظواهر العابرة" (Ephemeral Phenomena)، وهي أحداث قصيرة العمر قادرة على تغيير مشاعر الإنسان وطريقة تفكيره ونظرته إلى البيئة المحيطة.

 

ومن أبرز الدراسات في هذا المجال، بحث نُشر في مجلة Journal of Environmental Psychology، ويُعد من أوائل الأبحاث التي سعت إلى قياس تأثير الشروق والغروب والعواصف وأقواس القزح والسماء المرصعة بالنجوم على إدراك الإنسان للمكان ونظرته إلى الحياة.

 

 

الشروق والغروب يغيران طريقة رؤيتنا للعالم

 

اعتمد الباحثون في الدراسة على تقنيات رسومية متقدمة لعرض مشاهد طبيعية على أكثر من 2500 مشارك، حيث شاهد المشاركون المواقع نفسها في ظروف مختلفة، شملت السماء الصافية، وشروق الشمس، وغروبها، والعواصف الرعدية، وأقواس القزح، والسماء الليلية المليئة بالنجوم. وكان الهدف فصل تأثير الظاهرة الجوية نفسها عن تأثير المكان.

 

وأظهرت النتائج أن مجرد ظهور الشروق أو الغروب في المشهد يجعل المشاركين ينظرون إلى المكان على أنه أكثر جمالًا، رغم عدم حدوث أي تغيير في الموقع ذاته. ويشير ذلك إلى أن إدراك الجمال لا يعتمد فقط على طبيعة المكان، وإنما يتأثر أيضًا بالتوقيت والظروف الطبيعية المحيطة به.

 

كما سجل الباحثون ارتفاعًا ملحوظًا في مشاعر الدهشة والانبهار لدى المشاركين عند مشاهدة الشروق أو الغروب، وهي مشاعر ترتبط بإعادة تنظيم الانتباه وتوسيع الإدراك. ولم يقتصر التأثير على الجانب الجمالي، بل امتد إلى القيمة التي يمنحها الأشخاص للمكان، إذ أبدى المشاركون استعدادهم لدفع مبلغ يزيد بنحو 10% لزيارة الموقع نفسه إذا كان في وقت الشروق مقارنة بمشاهدته تحت سماء زرقاء عادية، وهو ما يشير إلى أن الظواهر الطبيعية العابرة تضيف قيمة نفسية واقتصادية حقيقية للمشهد.

 

 

الدهشة... مفتاح لتحسين الصحة النفسية والجسدية

 

ترى الدراسة أن أحد أهم أسباب التأثير العميق للشروق والغروب يتمثل في إثارة شعور الدهشة والانبهار (Awe)، وهو إحساس ينشأ عندما يواجه الإنسان مشهدًا واسعًا أو مهيبًا يتجاوز قدرته على الاستيعاب الكامل. ولا يتوقف أثر هذا الشعور عند الاستمتاع بالمشهد، بل يمتد ليؤثر في التفكير والانفعالات والاستجابة النفسية.

 

وتوضح أستاذة علم النفس الاجتماعي ميشيل شيوتا أن هذا الإحساس يرتبط بما يعرف بـ"صِغَر الذات" (Small Self)، حيث يشعر الإنسان بأنه جزء من عالم أكبر، فتبدو مشكلاته الشخصية أقل أهمية مقارنة بالصورة الأشمل. ويساعد هذا التحول في تقليل التركيز المفرط على الذات والحد من الاجترار الفكري، الذي يعد أحد العوامل المرتبطة بالقلق والاكتئاب.

 

ويؤكد الخبراء أن مشاعر الدهشة تسهم في كسر أنماط التفكير السلبي، وخفض مستويات التوتر، وتعزيز المشاعر الإيجابية، فضلًا عن تشجيع سلوكيات مثل التعاطف والإيثار والعمل التطوعي. وتُعد الطبيعة المصدر الأكثر شيوعًا لإثارة هذا الشعور، خاصة المشاهد البانورامية كشروق الشمس وغروبها، وهو ما يفسر الأثر النفسي العميق الذي تتركه مقارنة بالمشاهد اليومية المعتادة.

 

ولا يقتصر تأثير الدهشة على الجانب النفسي، بل يمتد إلى الصحة الجسدية أيضًا. فقد أظهرت دراسات أن الأشخاص الذين يعيشون مشاعر إيجابية مثل الدهشة تكون لديهم مستويات أقل من السيتوكينات الالتهابية، وهي بروتينات يرتبط ارتفاعها بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والاكتئاب.

 

ويرجح الباحثون أن هذا الانخفاض يعود إلى عاملين رئيسيين، هما تقليل التوتر النفسي، وتعزيز الشعور بالترابط مع البيئة المحيطة، وهو ما ينعكس إيجابًا على الجهاز المناعي ويحد من الالتهابات المزمنة.

 

 

تأثير مباشر على الدماغ والنوم والذاكرة

 

تشير الدراسات إلى أن مشاهدة الشروق والغروب تؤثر بصورة مباشرة في كيمياء الدماغ. فالتعرض لأشعة الشمس، وخاصة في ساعات الصباح، يحفز إفراز السيروتونين، وهو الناقل العصبي المسؤول عن تحسين المزاج، كما يسهم في إنتاج فيتامين "د"، الذي يلعب دورًا مهمًا في دعم الصحة النفسية.

 

وتوضح الأبحاث أن قلة التعرض للضوء الطبيعي قد تزيد من احتمالات الإصابة بالاكتئاب الموسمي، بينما يساعد الاستيقاظ المبكر والتعرض لضوء الصباح في خفض خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة قد تصل إلى 23%.

 

كما يؤدي الشروق والغروب دورًا أساسيًا في تنظيم الساعة البيولوجية للجسم، إذ يساعد ضوء الصباح على تنشيط الجسم وضبط توقيت إفراز هرمون الميلاتونين لاحقًا، بينما يهيئ ضوء الغروب الجسم تدريجيًا للاسترخاء والنوم من خلال تقليل نشاط الجهاز العصبي.

 

وفي المقابل، يؤدي التعرض المستمر للضوء الصناعي، ولا سيما الضوء الأزرق المنبعث من شاشات الهواتف والأجهزة الإلكترونية، إلى إرباك هذه الإشارات الطبيعية، ما ينعكس سلبًا على جودة النوم ويزيد مستويات التوتر على المدى الطويل.

 

وتشير تجارب علمية أيضًا إلى أن الشعور بالدهشة يعزز التركيز والذاكرة، إذ يصبح الدماغ أكثر حضورًا في اللحظة الحالية وأقل عرضة للتشتت، وهو ما يفسر قدرة الأشخاص على تذكر التفاصيل بشكل أفضل بعد مشاهدة مشاهد تثير الانبهار مقارنة بالمشاهد العادية. وبما أن الشروق والغروب من أكثر الظواهر الطبيعية إثارة لهذا الشعور، فإنهما يضعان الدماغ في حالة من الانتباه العميق، بما يعزز الذاكرة ويحسن القدرة على التركيز.