كشف مجلس النواب المصري، عبر عدد من الأسئلة وطلبات الإحاطة الموجهة إلى وزير التربية والتعليم، عن شبهات داخل لجان الثانوية العامة، تتعلق بتسريب الأسئلة وإدخال الهواتف، بما يهدد عدالة الامتحانات وثقة الأسر.

 

سياسياً وإنسانياً، تكشف الأزمة انهياراً خطيراً في منظومة يفترض أن تحمي مستقبل ملايين الطلاب، بينما يسمح الفساد أو التواطؤ بتحويل جهد عام كامل إلى سباق غير عادل، يدفع ثمنه المجتهدون وحدهم.

 

شبهات داخل اللجان

 

وفي بداية التحرك، طالب نواب بفتح تحقيق شامل في احتمال تورط بعض القائمين على أعمال الامتحانات وعمال المدارس، سواء بتسهيل خروج أوراق الأسئلة أو بإدخال وسائل اتصال محظورة بعد التفتيش.

 

وبحسب المذكرات البرلمانية، فإن تداول صور الأسئلة بعد دقائق من بدء الامتحانات لا يمكن تفسيره فقط بضعف التفتيش، بل يثير شكوكا حول كفاءة التأمين الداخلي ومسؤولية العاملين داخل بعض المدارس.

 

ومن جهة أخرى، أشار النواب إلى أن العصا الإلكترونية لا تمنع بالضرورة إدخال الهواتف، خصوصاً إذا جرى إخفاؤها مسبقاً داخل اللجان أو سمح بعض العاملين بتمريرها بعد انتهاء إجراءات البوابات.

 

كما رجحت التقارير البرلمانية وجود حالات غض فيها بعض المسؤولين الطرف عن تصوير أوراق الأسئلة فور توزيعها، بما يمنح طلاباً بعينهم أفضلية غير مشروعة ويفسد تكافؤ الفرص بين جميع الممتحنين.

 

وفي المقابل، لم تعد الظاهرة مجرد محاولات فردية للغش، لأن سرعة التصوير والنشر وتكرار الوقائع تشير إلى شبكات منظمة تستفيد من ثغرات داخلية، وتراهن على بطء التحقيق وضعف المحاسبة الرسمية.

 

ولذلك طالب النواب باستغلال كاميرات المراقبة المركزية المرتبطة بغرفة عمليات الوزارة، لمراجعة اللجان التي شهدت تجاوزات، وتحديد هوية المسؤولين والطلاب المتورطين، بدلاً من الاكتفاء ببيانات عامة مقتضبة لا تكشف الحقيقة.

 

ومن ثم، يصبح نشر نتائج التحقيقات ضرورة لا مجاملة، لأن استمرار الغموض يمنح المقصرين فرصة للإفلات، ويضاعف شكوك الأسر في أن بعض اللجان تحولت إلى مناطق مغلقة تحكمها المصالح والعلاقات.

 

علاوة على ذلك، شدد نواب على تطبيق القانون رقم 205 لسنة 2020، الذي يفرض عقوبات تصل إلى الحبس 7 سنوات وغرامة 200 ألف جنيه على المتورطين في نشر الأسئلة أو تسهيل تسريبها.

 

وبناء على ذلك، لا يكفي ضبط الطالب الذي يحمل الهاتف، بل يجب ملاحقة كل من ساعده داخل المدرسة، لأن المسؤولية تبدأ من لحظة إدخال الجهاز وتنتهي عند نشر السؤال والإجابة خارج اللجنة.

 

الشفافية تحت الاختبار

 

وفي محور الشفافية، طالب النائب أشرف سعد سليمان الوزارة بإعلان عدد حالات الغش المضبوطة، والطلاب المعاقبين، وحالات إلغاء الامتحانات، وعدد الملاحظين أو المسؤولين الذين ثبت تقصيرهم أو تورطهم في المخالفات.

 

كذلك أكد أن الرأي العام من حقه معرفة حصيلة الإجراءات، لأن بيانات الوزارة الحالية لا تسمح بتقييم كفاءة منظومة التأمين، ولا توضح إن كانت العقوبات طالت المحرضين والمساعدين داخل المدارس.

 

ومع تكرار الوقائع، تصبح الشفافية شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة، لأن إخفاء الأرقام أو تأجيل إعلانها يفتح المجال للشائعات، ويجعل الأسر تشعر بأن الوزارة تحمي صورتها أكثر من حماية نزاهة الامتحانات.

 

في الوقت نفسه، حذر النائب من أن الغش يظلم آلاف الطلاب الذين اجتهدوا طوال العام، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص، ويؤثر بصورة مباشرة وخطيرة على عدالة التنسيق والقبول في الجامعات المصرية.

 

وفوق ذلك، لا تتوقف آثار الدرجات الزائفة عند إعلان النتيجة، بل تنتقل إلى التعليم الجامعي، حيث يدخل بعض الطلاب كليات لا تناسب قدراتهم، ثم ترتفع بينهم معدلات التعثر والرسوب لاحقاً.

 

وبالتالي، يتحول الغش من جريمة امتحانية محدودة إلى خلل ممتد يصيب جودة التعليم وسوق العمل، لأن الشهادة تفقد معناها حين لا تعبر الدرجات عن المعرفة الحقيقية أو الكفاءة الفعلية للطالب.

 

ومن ناحية أخرى، سبق أن حذر النائب قبل بدء الامتحانات من تكرار الغش الإلكتروني، وطالب برقابة استباقية أكثر صرامة، إلا أن الوقائع المتداولة أظهرت استمرار الثغرات نفسها داخل عدد من اللجان.

 

وعلى هذا الأساس، فإن تجاهل التحذيرات السابقة يضع الوزارة أمام مسؤولية سياسية وإدارية، لأن المشكلة لم تكن مفاجئة، بل كانت متوقعة ومعلنة، ومع ذلك لم تمنع الإجراءات خروج الأسئلة وتصويرها.

 

مسؤولية الوزارة والمقصرين

 

أما عن دور العاملين، فقد طالب النواب بتوضيح حقيقة ما تردد بشأن إدخال بعض عمال المدارس الهواتف إلى الطلاب بعد انتهاء التفتيش، وهي اتهامات خطيرة تستلزم تحقيقاً مستقلاً وعلنياً فوراً.

 

وفي سياق متصل، فإن ثبوت تورط موظف أو ملاحظ يعني أن منظومة التأمين مخترقة من الداخل، وأن الأجهزة المستخدمة على البوابات لا قيمة لها إذا كان التواطؤ يبدأ بعد عبور الطالب.

 

ومع ذلك، تظل المسؤولية الأكبر على وزارة التربية والتعليم التي تدير الامتحانات وتختار رؤساء اللجان والملاحظين، وتملك كاميرات المراقبة وغرف العمليات، ولا يجوز لها تحميل الطلاب وحدهم تبعات الفشل المؤسسي.

 

لهذا، طالب النواب بمحاسبة كل من يثبت تقصيره دون استثناء، سواء كان طالباً أو ملاحظاً أو عاملاً أو مسؤولاً إدارياً، مع إعلان نتائج التحقيقات للرأي العام وعدم الاكتفاء بالنقل أو الاستبعاد المؤقت.

 

وفي المحصلة، تحتاج مواجهة الغش إلى مراجعة شاملة لآليات اختيار العاملين، وتشديد التفتيش داخل المدارس، وتأمين أوراق الأسئلة، ومراقبة اللجان لحظة بلحظة، مع سرعة التحرك الفوري عند ظهور أي تسريب.

إضافة إلى ذلك، ينبغي حماية المبلغين والشهود داخل المدارس، لأن كشف شبكات التواطؤ يتطلب موظفين قادرين على تقديم المعلومات دون خوف من الانتقام الإداري أو العزل أو النقل التعسفي لاحقاً.

 

وأخيراً، فإن إنقاذ الثانوية العامة لا يتحقق بالشعارات ولا بإلقاء المسؤولية على صفحات الغش وحدها، بل بإغلاق أبواب التواطؤ داخل اللجان، وإنفاذ القانون، وضمان حق كل طالب في منافسة عادلة.

 

وبهذا، يضع التحرك البرلماني الوزير أمام اختبار حقيقي، إما إعلان الأرقام والتحقيق مع المتورطين ومحاسبتهم، أو ترك منظومة الامتحانات رهينة التسريبات، بما يبدد ما تبقى من ثقة الأسر والطلاب تماماً.