يرى الكاتب دان ج. توماسولو أن الاكتفاء بالتركيز على اللحظة الراهنة لا يمنح الإنسان حياة متوازنة، بل يحتاج إلى الجمع بين الوعي بالحاضر والاستعداد للمستقبل، لأن أفضل اللحظات التي نعيشها اليوم هي ثمرة قرارات اتخذناها في وقت سابق، بينما تتشكل جودة حياتنا المقبلة وفق ما نفعله الآن.


ونشر موقع سايكولوجي توداي هذا الطرح في مقال يناقش مفهوماً أساسياً في علم النفس الإيجابي، مؤكداً أن الحضور الذهني يمثل جزءاً مهماً من الصحة النفسية، لكنه لا يكفي وحده لبناء مستقبل أكثر استقراراً ورضاً.

 

الحضور الذهني وحده لا يصنع المستقبل

 

يضرب الكاتب مثالاً برجل يقف على شاطئ البحر عند الغروب، يستمتع بكل تفاصيل اللحظة كما تعلم من تطبيقات التأمل، لكنه انشغل بالاستغراق في الحاضر حتى تجاهل المد الذي وصل إلى حقيبته وحذائه ومفاتيح سيارته.


ويؤكد أن هذا المشهد يوضح أن السؤال الأهم ليس كيف نعيش اللحظة فقط، بل ماذا سيأتي بعدها. فالدعوات المستمرة إلى "العيش في الحاضر" ساعدت كثيرين على التخلص من القلق والاجترار الذهني، لكنها تحولت مع الوقت إلى شعار يتجاهل أهمية التفكير الهادئ في المستقبل.
 

ويشير إلى أن اللحظة الحالية لم تظهر من فراغ، بل صنعها شخصنا في الماضي عندما خطط واتخذ قراراته، كما أن المستقبل سيعتمد بدوره على ما نفعله الآن، لذلك يبقى الحاضر ضرورياً لكنه لا يمثل الصورة الكاملة.
 

التكيف الاستباقي يبني مستقبلاً أفضل
 

يشرح الكاتب مفهوماً نفسياً يعرف باسم "التكيف الاستباقي"، ويفرق بينه وبين أساليب التكيف الأخرى. فالتكيف التفاعلي يبدأ بعد وقوع المشكلة، بينما يعتمد التكيف الوقائي على الاستعداد لمخاطر متوقعة بدافع الخوف.
 

أما التكيف الاستباقي فيقوم على بناء المستقبل قبل ظهور التحديات، مدفوعاً بالأمل والتفاؤل لا بالقلق. ويهدف هذا الأسلوب إلى الاستثمار في نسخة مستقبلية أفضل من الذات، عبر سؤال بسيط: ماذا يمكن أن يسير بصورة جيدة؟ وما الذي ينبغي أن أفعله اليوم لتحقيق ذلك؟
 

ويرى الكاتب أن هذا النوع من التفكير لا يعني الانشغال بالمستقبل على حساب الحاضر، بل يمنح الإنسان القدرة على الاستفادة من اللحظة الحالية في صنع ما هو قادم.
 

الأمل والتخطيط المتوازن يصنعان حياة أكثر معنى
 

يشدد الكاتب على أن الأمل لا يغني عن الحضور الذهني، لأن الأمل بلا ارتباط بالواقع يتحول إلى قلق مقنع، بينما يتحول الحضور الذهني من دون أمل إلى حالة ساكنة تخلو من النمو والتطور.
 

ويضيف أن اللحظات الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان هي تلك التي تفتح أبواباً جديدة للمستقبل، مثل محادثة صادقة تؤسس لعلاقة أقوى، أو تجربة جميلة تدفع إلى تكرارها لاحقاً.
 

ويختتم مقاله بالدعوة إلى خطوة بسيطة وعملية، تتمثل في الاستمتاع بلحظة جميلة ثم سؤال النفس عما إذا كانت تحمل بذرة تستحق الزراعة من أجل المستقبل، سواء عبر إرسال رسالة لشخص مهم أو بدء عادة صغيرة طال تأجيلها. ويؤكد أن الهدف ليس استبدال الحاضر بالمستقبل، بل توسيع قيمة الحاضر ليصبح أساساً لما سيأتي.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/the-healing-crowd/202607/why-living-in-the-now-is-not-enough