في اكتشاف علمي يغيّر كثيرًا من المفاهيم التقليدية حول عالم الحشرات، كشفت دراسة حديثة أن النحل الطنان لا يتحرك فقط بدافع البحث عن الغذاء أو تنفيذ المهام المرتبطة ببقائه، بل قد يمارس اللعب من أجل المتعة الخالصة، في سلوك يعتقد العلماء أنه يعكس مستوى من الوعي والإحساس لم يكن متوقعًا لدى هذه الكائنات الصغيرة.

 

وتفتح النتائج الجديدة الباب أمام إعادة تقييم الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى الحشرات، بعدما كانت تُصنف لسنوات طويلة باعتبارها كائنات تعمل وفق استجابات غريزية أشبه بالآلات البيولوجية، بينما تشير الأدلة المتزايدة إلى أنها تمتلك قدرات إدراكية وسلوكية أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا.

 

 

النحل لا يبحث عن الطعام فقط.. بل يبحث عن المتعة أيضًا

 

الدراسة، التي نُشرت في مجلة Animal Behaviour المتخصصة في سلوك الحيوانات، توصلت إلى أن النحل الطنان يُظهر سلوكًا يشبه اللعب، حيث ينجذب طواعية إلى كرات خشبية صغيرة ويتدحرج بينها مرارًا وتكرارًا، رغم عدم وجود أي مكافأة غذائية أو تدريب مسبق يدفعه إلى القيام بذلك.

 

ويرى الباحثون أن هذا السلوك لا يمكن تفسيره بالحاجة إلى الطعام أو الدفاع عن النفس أو التكاثر، وإنما يبدو أقرب إلى ممارسة نشاط يمنح النحل شعورًا بالمتعة، وهو ما يضع الحشرات ضمن قائمة الكائنات التي تمارس اللعب لأغراض غير مرتبطة بالبقاء.

 

وقال قائد فريق الدراسة سامادي غالبايغ إن النتائج تشير إلى أن النحل ليس مجرد كائن يستجيب للمثيرات البيئية بصورة آلية، بل يمتلك دافعًا داخليًا للاستمتاع ببعض الأنشطة، مضيفًا أن هذا الاكتشاف يعزز الفرضية القائلة بأن حياة الحشرات أكثر ثراءً وتعقيدًا مما كان يُعتقد.

 

 

تجارب دقيقة لرصد سلوك النحل

 

وللتحقق من هذه الفرضية، أجرى الباحثون سلسلة من التجارب باستخدام 45 نحلة طنانة داخل بيئة مصممة خصيصًا لهذا الغرض.

 

وتضمنت التجربة ممرًا يصل بين مستعمرة النحل ومنطقة التغذية، ووُضعت على جانبي الممر كرات خشبية ملونة، بحيث كانت الكرات في أحد الجانبين مثبتة بالأرض، بينما تُركت كرات الجانب الآخر حرة الحركة.

 

ورغم أن بإمكان النحل الوصول مباشرة إلى الغذاء دون الاقتراب من الكرات، فإن عددًا كبيرًا من النحل انحرف عن مساره أكثر من مرة للتفاعل مع الكرات المتحركة، حيث شوهد وهو يدفعها ويتدحرج بينها بصورة متكررة.

 

وأظهرت النتائج أن بعض النحل قام بهذا السلوك مرة واحدة فقط، بينما كررته نحلات أخرى عشرات المرات خلال اليوم نفسه، إذ سجلت إحدى النحلات 44 مرة في يوم واحد، في حين بلغ إجمالي مرات اللعب لإحدى النحلات 117 مرة طوال فترة الدراسة التي استمرت 18 يومًا.

 

ويرى الباحثون أن العودة المتكررة إلى منطقة الكرات، رغم غياب أي مكافأة، تمثل دليلًا قويًا على أن هذا النشاط يمنح النحل نوعًا من الإشباع أو المتعة.

 

 

الصغار أكثر حبًا للعب

 

كما كشفت الدراسة عن اختلافات واضحة بين أفراد النحل، إذ تبين أن الذكور والنحل الأصغر سنًا يقضون وقتًا أطول في اللعب مقارنة بالإناث أو الأفراد الأكبر عمرًا.

 

ويؤكد الباحثون أن هذه النتيجة تتوافق مع ما هو معروف لدى كثير من الحيوانات، حيث تميل الكائنات الصغيرة إلى ممارسة اللعب بصورة أكبر خلال مراحل النمو، وهو ما يعزز فرضية أن اللعب يمثل نشاطًا طبيعيًا يرتبط بالتطور السلوكي.

 

 

امتداد لأبحاث سابقة

 

ولا تُعد هذه الدراسة الأولى التي تكشف قدرات غير متوقعة لدى النحل الطنان، فقد سبق لفريق بحثي من جامعة الملكة ماري في لندن أن أظهر عام 2017 إمكانية تدريب النحل على تحريك كرات صغيرة نحو أهداف محددة، في تجربة شُبهت بلعبة كرة القدم، مقابل الحصول على مكافآت غذائية.

 

إلا أن الدراسة الجديدة تختلف عن سابقتها، لأنها أثبتت أن النحل يختار اللعب حتى في غياب أي مقابل، وهو ما يعزز فكرة أن السلوك نابع من رغبة داخلية وليس من التعلم المرتبط بالمكافآت.

 

 

هل تمتلك الحشرات مشاعر؟

 

ويرى لارس تشيتكا، رئيس مختبر أبحاث النحل بجامعة الملكة ماري، أن الأدلة أصبحت قوية بما يكفي للقول إن عالم النحل لا يقتصر على الاستجابة للمؤثرات الخارجية، بل يتضمن خبرات حسية وأحاسيس متنوعة، تشمل الاستمتاع وليس المعاناة فقط.

 

وأضاف أن هذه النتائج تفتح الباب أمام أسئلة علمية وفلسفية مهمة حول طبيعة الوعي لدى الحشرات، وما إذا كانت تمتلك مشاعر أو حالات نفسية تشبه بدرجات معينة ما يوجد لدى الحيوانات الأعلى تعقيدًا.

 

 

دراسات تدعم الفكرة

 

وتتوافق نتائج الدراسة مع أبحاث أخرى أشارت إلى أن بعض الحشرات والقشريات تُظهر استجابات تشبه الخوف أو التوتر عند تعرضها لمواقف معينة.

 

كما أظهرت تجارب سابقة أن النحل الطنان قد يشعر بحالة تشبه التفاؤل بعد حصوله على مكافأة حلوة المذاق، حيث يصبح أكثر سرعة في البحث عن مكافآت جديدة، كما يتعافى بصورة أسرع من حالات الفزع التي يتعرض لها.

 

ويرى العلماء أن هذه المؤشرات، وإن كانت لا تعني بالضرورة امتلاك الحشرات وعيًا مماثلًا للإنسان، فإنها تؤكد أن حياتها الداخلية أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد، وأن سلوكها لا يمكن تفسيره بالغرائز وحدها.

 

 

إعادة النظر في عالم الحشرات

 

ويؤكد الباحثون أن نتائج هذه الدراسات قد تدفع المجتمع العلمي إلى إعادة تقييم طريقة التعامل مع الحشرات وفهم سلوكها، خاصة مع تزايد الأدلة على امتلاكها قدرات إدراكية متطورة نسبيًا.

 

ويختتم الباحث لارس تشيتكا حديثه بالتأكيد على أن هذه النتائج تحمل رسالة مهمة للبشر، مفادها أن الإنسان ليس الكائن الوحيد القادر على التفكير أو الشعور أو الاستمتاع، بل إن كائنات صغيرة مثل النحل قد تمتلك بدورها عالمًا غنيًا بالأحاسيس والسلوكيات التي لا تزال العلوم الحديثة تكشف أسرارها تدريجيًا.