تشهد منظومة الأمن الغذائي في مصر تحولات متسارعة مع اتساع نطاق صلاحيات جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، الذي انتقل خلال سنوات قليلة من مشروع زراعي يستهدف استصلاح الأراضي إلى لاعب رئيسي يدير ملفات استراتيجية تشمل القمح، والسكر، والأرز، والزيوت، والدواجن، وصولًا إلى تجارة التجزئة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن مستقبل الأدوار التقليدية للوزارات والهيئات الحكومية، وحدود المنافسة داخل الأسواق.
وتبرز أحدث حلقات هذا التحول في قرار شركات السكر الحكومية إيقاف تعاقداتها السنوية المعتادة مع مزارعي بنجر السكر، بعد اتفاقها على شراء إنتاج نحو 100 ألف فدان من جهاز "مستقبل مصر"، وهو ما أثار حالة من القلق بين المزارعين قبل أسابيع قليلة من انطلاق موسم الزراعة الجديد، الذي يبدأ منتصف أغسطس.
توقف غير مسبوق لتعاقدات البنجر
وكشف مصدران مطلعان على ملف صناعة السكر أن شركات السكر الحكومية لم تبدأ حتى الآن إجراءات التعاقد مع مزارعي البنجر، على خلاف ما اعتادت عليه خلال السنوات الماضية، بعدما اتفقت على الحصول على إنتاج 100 ألف فدان من الأراضي التابعة لجهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، وهو الجهاز التابع للقوات المسلحة.
ويمثل هذا التوقف تحولًا لافتًا في آلية توفير المادة الخام لمصانع السكر، إذ كانت الشركات تعتمد بصورة أساسية على التعاقدات المباشرة مع المزارعين في مختلف المحافظات، قبل أشهر من بدء الزراعة.
وكان رئيس شركة السكر والصناعات التكاملية التابعة لوزارة التموين، صلاح فتحي، قد أعلن في وقت سابق أن الشركة تستهدف لأول مرة استلام إنتاج 100 ألف فدان من الجهاز خلال موسم 2026، بما يعادل نحو 2.4 مليون طن من البنجر، ينتج عنها قرابة 400 ألف طن من السكر.
موسم الزراعة يقترب.. والمزارعون بلا عقود
ويؤكد رئيس مجلس المحاصيل السكرية بوزارة الزراعة، مصطفى عبد الجواد، أن موسم زراعة البنجر يبدأ في منتصف أغسطس من كل عام، بينما اعتادت الشركات الحكومية الانتهاء من التعاقد على ما بين 60 و70% من المساحات المستهدفة بحلول منتصف يوليو.
وأشار إلى أن إجمالي المساحات المزروعة الموسم الماضي تجاوز 700 ألف فدان، وكان من المفترض أن تكون الشركات قد انتهت بالفعل من الجزء الأكبر من تعاقداتها، إلا أن ذلك لم يحدث هذا العام.
وقال إن الشركات كانت توقع العقود الجديدة مع المزارعين أثناء استلام محصول الموسم الجاري، بما يمنحهم الوقت الكافي لتجهيز الأراضي، وشراء التقاوي، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وترتيب الدورة الزراعية، وهي خطوات تبدأ قبل الزراعة بشهرين أو ثلاثة أشهر.
وأضاف أن غياب التعاقدات حتى الآن خلق حالة واسعة من عدم اليقين، في ظل غياب أي إعلان رسمي بشأن المساحات المطلوب زراعتها أو كيفية توزيعها على المصانع المختلفة.
انخفاض أسعار السكر يزيد الضغوط
ويرى رئيس شعبة السكر السابق باتحاد الصناعات، حسن الفندي، أن تراجع أسعار السكر في السوق المحلية يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء إحجام الشركات عن التعاقد المبكر مع المزارعين.
وأوضح أن سعر طن السكر انخفض من نحو 27 ألف جنيه إلى حوالي 22 ألف جنيه، نتيجة زيادة المعروض وضعف الطلب، وهو ما انعكس على السيولة المالية لدى الشركات الحكومية، وأضعف قدرتها على توقيع تعاقدات مبكرة.
وأضاف أن السكر المستورد يمثل تحديًا إضافيًا، إذ تصل تكلفة الطن المستورد إلى نحو 20 ألف جنيه، بينما تتراوح تكلفة إنتاج السكر المحلي بين 26 و27 ألف جنيه للطن، وهو ما يضع الشركات المحلية أمام منافسة صعبة.
"مستقبل مصر".. من مشروع زراعي إلى لاعب اقتصادي
ويعكس ملف البنجر مسارًا أوسع يشهده جهاز "مستقبل مصر"، الذي ظهر لأول مرة عام 2022 مع افتتاح مشروع "مستقبل مصر" الزراعي باعتباره نواة لمشروع الدلتا الجديدة.
وخلال فترة قصيرة توسعت اختصاصات الجهاز بصورة لافتة، فلم يعد يقتصر على استصلاح الأراضي، بل امتدت صلاحياته إلى إدارة واستيراد وتوريد العديد من السلع الاستراتيجية، ليصبح أحد أبرز الفاعلين في الاقتصاد المصري.
القمح.. بداية التحول
كان ملف القمح أولى المحطات الكبرى لهذا التوسع. فعلى مدار عقود، كانت الهيئة العامة للسلع التموينية تتولى مسؤولية استيراد القمح من خلال مناقصات دولية، لكن هذه المهمة انتقلت تدريجيًا إلى جهاز "مستقبل مصر"، الذي بدأ إبرام عقود الاستيراد بصورة مباشرة مع شركات عالمية.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن الجهاز تعاقد على أكثر من مليون طن من القمح لتغطية احتياجات البلاد، في إطار سياسة جديدة تقول الحكومة إنها تستهدف تقليل تكلفة الاستيراد وكسر احتكار الشركات الكبرى.
إلا أن هذه الآلية أثارت تساؤلات داخل البرلمان والأوساط الاقتصادية بشأن معايير التعاقد والأسعار، خاصة بعد مطالبات نيابية بالكشف عن تفاصيل الصفقات والفروق السعرية مقارنة بالأسعار العالمية.
الأرز والزيوت.. توسع مستمر
وامتد نفوذ الجهاز إلى ملف الأرز، بعدما أصبح الجهة المسيطرة عمليًا على حركة استيراد وتصدير المحصول، وهو ما يعني أن عمليات التصدير أصبحت تمر عبر موافقاته.
كما توسع في استيراد الزيوت النباتية، وأصبح طرفًا رئيسيًا في إدارة عدد من السلع الغذائية الأساسية، وسط حديث عن إنشاء بورصة سلعية جديدة يكون للجهاز دور محوري في إدارتها.
الدواجن.. التدخل لضبط الأسعار
ولم يقتصر النشاط على الحبوب والمحاصيل، بل وصل إلى سوق الدواجن. فمع موجات ارتفاع الأسعار، شارك الجهاز في استيراد كميات كبيرة من الدواجن المجمدة، وطرحها عبر منافذ "سوبر توفير" والسيارات المتنقلة بأسعار أقل من السوق.
وترى الحكومة أن هذه الخطوة ساهمت في كبح الأسعار ومواجهة الممارسات الاحتكارية، بينما يعتبر المنتجين أنها تمثل حلولًا مؤقتة لا تعالج مشكلات الإنتاج الأساسية.
تجارة التجزئة والتموين
كما دخل الجهاز قطاع تجارة التجزئة بصورة مباشرة، عبر خطة لتطوير آلاف منافذ التموين ومشروع "جمعيتي"، إضافة إلى التوسع في إنشاء منافذ "سوبر توفير" بمختلف المحافظات.
وأصبح الجهاز حاضرًا كذلك في ملفات التصنيع الغذائي، والألبان، والاستصلاح الزراعي، وإدارة المشروعات اللوجستية، بما يعزز حضوره في مختلف حلقات سلسلة الإمداد الغذائي.
مشروع قانون يمنح صلاحيات أوسع
ويتزامن هذا التوسع مع مناقشة مشروع قانون جديد لإعادة تنظيم جهاز "مستقبل مصر"، يقضي بتحويله إلى هيئة اقتصادية تتبع عبدالفتاح السيسي مباشرة بدلًا من تبعيته للقوات المسلحة.
ويتضمن المشروع منح الجهاز صلاحيات واسعة في إدارة الأراضي والأصول العامة، مع إعفاءات ضريبية واستثناءات من عدد من القوانين المنظمة لعمل الهيئات العامة والتعاقدات الحكومية والحد الأقصى للأجور، إلى جانب تحصين بعض العقود والإجراءات من الطعون القضائية.
كما يمنح المشروع، عبدالفتاح السيسي، صلاحية نقل أراضٍ وأصول وشركات إلى الجهاز، وإنشاء صناديق استثمارية جديدة، وإدارة مناطق تنمية مستدامة تتمتع بمزايا وإعفاءات خاصة.
بين دعم الحكومة وتحفظات الخبراء
وتؤكد الحكومة أن توسع الجهاز يهدف إلى تسريع تنفيذ المشروعات القومية، وتحقيق الأمن الغذائي، وتقليل تكلفة الاستيراد، وزيادة كفاءة إدارة الموارد، معتبرة أن التجربة نجحت في مواجهة الاحتكار وتحسين إدارة السلع الاستراتيجية.
في المقابل، يرى عدد من الخبراء والسياسيين أن اتساع اختصاصات الجهاز يثير تساؤلات بشأن مستقبل المنافسة ودور المؤسسات المدنية، في ظل انتقال ملفات اقتصادية متزايدة إلى جهة واحدة تتمتع باستثناءات واسعة، مطالبين بمزيد من الشفافية والإفصاح عن آليات الإدارة والتعاقد والرقابة.

