كشفت صفقة توريد القمح بين الحكومة المصرية وشركة الظاهرة الزراعية الإماراتية عن اقتراض القاهرة 500 مليون دولار من مكتب أبوظبي للصادرات لمدة 5 سنوات، لتمويل مشتريات الهيئة العامة للسلع التموينية، بينما تشمل التوريدات قمحًا تنتجه الشركة داخل مصر، بما يرتب فوائد ورسومًا دولارية على الخزانة العامة.
أظهرت تفاصيل الاتفاق أن حكومة عبد الفتاح السيسي لم تكتف بمنح مستثمر إماراتي مساحات زراعية واسعة ومياه ري داخل توشكى وشرق العوينات، بل عادت لتشتري جانبًا من المحصول الناتج عن تلك الموارد بقرض إماراتي، في وقت يتحمل فيه المصريون آثار الدين العام وارتفاع أسعار الخبز والسلع الأساسية.
منح شركة الظاهرة موقع المورد الحصري
بدأت الصفقة بعرض قدمته شركة الظاهرة خلال عام 2020 لتوريد احتياجات هيئة السلع التموينية من القمح لمدة 5 سنوات، على أن يوفر مكتب أبوظبي للصادرات تمويلًا إجماليًا قدره 500 مليون دولار، بواقع يصل إلى 100 مليون دولار سنويًا، قبل توقيع الاتفاق رسميًا خلال أغسطس 2023.
بعد ذلك أصدر السيسي القرار الجمهوري رقم 533 لسنة 2023 بالموافقة على الاتفاق مع التحفظ بشرط تصديق البرلمان، ثم وافق مجلس النواب في 15 ديسمبر 2024 على القرض، بعدما ظلت الاتفاقية قيد المناقشة أمام لجان الشؤون الاقتصادية والخطة والموازنة والعلاقات الخارجية منذ ديسمبر 2023.
وبموجب الاتفاق تتولى شركة الظاهرة الإماراتية توريد القمح الممول من مكتب أبوظبي للصادرات، ما يجمع جهة الإقراض والشركة المستفيدة من التوريد تحت مظلة إماراتية واحدة، بينما تضمن وزارة المالية المصرية التزامات السداد وتتحمل الخزانة الفوائد والعمولات والرسوم المرتبطة باستخدام التمويل.
ووفقًا لبنود الاتفاق تسدد مصر القرض بالدولار، وتحتسب الفائدة استنادًا إلى سعر التمويل الأمريكي المستقبلي لآجال محددة مضافًا إليه هامش قدره 2.8%، كما تدفع الحكومة عمولة ارتباط نسبتها 0.2% على الأموال غير المسحوبة وعمولة إدارية إضافية بالنسبة نفسها ورسومًا قانونية وضريبية أخرى.
في هذا السياق قال الخبير الاقتصادي عبدالنبي عبدالمطلب إن التمويل يخفف مؤقتًا الضغط على الطلب الحكومي للعملة الأجنبية ويوفر جانبًا من احتياجات القمح، لكنه أكد أن قيمة الاتفاق محدودة مقارنة بحجم الاستهلاك المصري، ما يجعل الصفقة إجراءً لتأجيل أزمة الدولار وليست خطة لتحقيق الاكتفاء أو معالجة أسبابها.
قمح توشكى بالجنيه وديونه تسدد بالدولار
أوضح وزير التموين السابق علي المصيلحي أن شركة الظاهرة ستورد القمح إلى مصر بطريقتين، تشمل الأولى شراء القمح المزروع في أراضي الشركة بمنطقة توشكى بالجنيه باعتباره محصولًا محليًا، بينما تعتمد الثانية على استيراد القمح من الخارج بالدولار بعد إجراء المناقصات وفتح الاعتمادات وتسوية المستندات المطلوبة.
لكن الاتفاقية لم تحدد بصورة معلنة الدول التي سيأتي منها القمح المستورد، كما لم تفصل بين قيمة المحصول المنتج داخل مصر وقيمة الشحنات الخارجية، رغم أن القرض سيجري سداده في النهاية بالدولار وبالفوائد، وهو ما يترك تكلفة كل مسار وشروط التسعير خارج رقابة المواطنين والرأي العام.
وخلال يوليو 2026 وردت شركة الظاهرة نحو 45 ألف طن من القمح المزروع في مصر إلى الجهات الحكومية، مقابل قيمة تقارب 750 مليون جنيه، بعد زراعة المحصول داخل أراضيها في توشكى، الأمر الذي يعيد طرح سؤال مباشر عن جدوى ربط مشتريات القمح المحلي باتفاق تمويل خارجي طويل الأجل.
من جانبه وثق الباحث صقر النور توسع الاستثمارات الزراعية الخليجية المعتمدة على مياه النيل، موضحًا أن شركة الظاهرة حصلت على عشرات الآلاف من الأفدنة المستصلحة في توشكى، وهو ما يكشف أن المحصول الذي تشتريه الحكومة لم ينتج خارج الحدود، بل اعتمد على أرض مصرية ومورد مائي تديره الدولة.
وبالتالي لا تواجه الحكومة مجرد فاتورة استيراد تقليدية، لأن جانبًا من القمح يأتي من أراض تقع داخل مصر ويباع بالجنيه، بينما صيغت الصفقة ضمن قرض دولاري تضمنه وزارة المالية، بما يسمح للشركة بالحصول على سوق حكومية مستقرة ويترك للموازنة العامة التزامات التمويل وتقلبات سعر الصرف.
أراضي رخيصة ومياه مصرية ثم مشتريات حكومية مضمونة
دخلت شركة الظاهرة السوق المصرية خلال عام 2006، وامتلكت لاحقًا محفظة أراض تقدر بنحو 125 ألف فدان في توشكى وشرق العوينات والصالحية، بينما أشارت بيانات حكومية إلى زراعة نحو 67 ألف فدان منها، تشمل القمح والبطاطس والبصل والبرسيم الحجازي ومحاصيل أخرى.
وفي توشكى وحدها تدير الشركة مساحة تقارب 37.4 ألف فدان، بعدما حصلت سابقًا على أراض بأسعار أثارت اعتراضات قانونية وحقوقية، إذ استند المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى تقارير رقابية قالت إن سعر الفدان في أحد التعاقدات بلغ 50 جنيهًا، مقارنة بقيم سوقية أعلى بكثير وقتها.
إلى جانب ذلك قالت الباحثة ندى عرفات إن الاستثمارات الزراعية الخليجية في مصر ترتبط بالحصول على الأراضي والمياه لضمان أمن غذائي خارج حدود دول المستثمرين، ما يجعل طريقة توزيع المحاصيل واستخدام المياه وشروط التصدير أو البيع المحلي قضايا سيادية، وليست مجرد تعاقدات تجارية بين الحكومة وشركة خاصة.
وفي المقابل تنتج الظاهرة كميات كبيرة من البرسيم الحجازي كثيف استهلاك المياه وتصدر جانبًا منه إلى الخليج لتغذية الثروة الحيوانية، بينما تستمر مصر في استيراد ملايين الأطنان من القمح سنويًا، بما يكشف خللًا في أولويات توزيع الأراضي والمياه بين المحاصيل الاستراتيجية واحتياجات المستثمرين الأكثر قدرة على الوصول للسلطة.
ومع استمرار التوسع تفاوضت الشركة للحصول على مساحات جديدة داخل مصر، بينما تستفيد من اتفاق يضمن لها دورًا رئيسيًا في توريد القمح للحكومة، وهو وضع يحول موارد الدولة من أداة لتحقيق الأمن الغذائي إلى قاعدة إنتاج تدعم شركة أجنبية ثم تمنحها سوقًا حكومية ممولة بقرض من بلدها.
الديون تحاصر رغيف الخبز بدل دعم الفلاح المصري
تستهلك مصر كميات ضخمة من القمح سنويًا لتوفير الخبز المدعوم لعشرات الملايين، وتعتمد على الواردات لتغطية فجوة الإنتاج المحلي، لكن الحكومة عالجت هذا العجز بمزيد من القروض واتفاقات الشراء المؤجل، بدل توجيه التمويل إلى الفلاحين المصريين وتحسين أسعار التوريد وتقليل تكاليف الأسمدة والري والتخزين.
كذلك تحمل الاتفاقية الهيئة العامة للسلع التموينية مخاطر إضافية عند السداد، إذ تلزمها بتعويض مكتب أبوظبي للصادرات عن فروق تحويل العملة إذا جرى الوفاء بأي مبالغ بعملة غير الدولار، كما تفرض غرامة تأخير سنوية قدرها 2% فوق الالتزامات الأصلية والفوائد المتغيرة والعمولات الدورية.
وعلى المستوى العملي تكشف الصفقة أن أزمة الغذاء لم تعد منفصلة عن أزمة الدين الخارجي، لأن الحكومة تقترض لشراء سلعة أساسية ثم تسدد التمويل والفوائد بالدولار، بينما يؤدي أي انخفاض جديد في قيمة الجنيه إلى رفع التكلفة الفعلية التي تتحملها الموازنة ويضغط لاحقًا على أسعار الخبز والغذاء.
أخيرًا تضع صفقة الظاهرة نموذجًا واضحًا لسياسة اقتصادية تمنح المستثمر الأجنبي الأرض والمياه وفرصة التوسع، ثم تضمن له مشتريًا حكوميًا وتمويلًا صادرًا من بلده، بينما يدفع المصريون قيمة القمح وفوائد القرض ورسومه، من دون نشر كامل للأسعار والكميات ومصادر التوريد ومعايير المفاضلة مع المنتجين المحليين.
وتؤكد هذه الوقائع أن الحكومة لم تبن استقلالًا غذائيًا يحمي المصريين من اضطراب الأسواق، بل ربطت رغيف الخبز بعقود الدين ومصالح الشركات الأجنبية، حتى أصبح القمح المزروع داخل مصر جزءًا من صفقة عابرة للحدود، تتحمل الخزانة تكلفتها ويغيب الفلاح المصري عن امتيازاتها وضماناتها.

