أعلنت الرئاسة الجزائرية والحكومة الإسبانية في الجزائر يوم 20 يوليو الجاري اتفاقهما على فتح مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية بعد أزمة استمرت منذ مارس 2022، وأسفرت زيارة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز عن تثبيت الحوار السياسي والتحضير لاجتماع حكومي رفيع المستوى خلال أكتوبر المقبل.

 

ربطت الزيارة استعادة العلاقات بمصالح الطاقة والتجارة والأمن أكثر مما ربطتها بمعالجة أسباب الأزمة، إذ أعادت مدريد فتح قنواتها مع الجزائر من دون التراجع المعلن عن انحيازها إلى المقترح المغربي بشأن الصحراء الغربية، بينما فضلت الجزائر توظيف ثقلها الغازي لاستعادة موقعها داخل الحسابات الأوروبية.

 

 

طي الأزمة دون حل جذورها

 

بدأت الأزمة في مارس 2022 عندما أعلن سانشيز دعمه مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية، فردت الجزائر باستدعاء سفيرها وتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، ثم جمدت عمليات مصرفية مرتبطة بالتجارة مع إسبانيا، بينما استمرت إمدادات الغاز بموجب العقود القائمة.

 

لاحقا أعادت الجزائر سفيرها إلى مدريد وبدأ الطرفان تخفيف القيود التجارية تدريجيا، قبل أن يزور وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس الجزائر في مارس 2026، حيث أعلنت الحكومتان استئناف العمل بمعاهدة الصداقة وتوسيع التعاون في الطاقة والتجارة، وهو ما مهد مباشرة لزيارة سانشيز.

 

وخلال المؤتمر الصحفي المشترك أكد عبد المجيد تبون أن المحادثات شملت فلسطين والصحراء الغربية والساحل وليبيا والتوتر في الخليج، كما أعلن استمرار التشاور ودعم مسارات الأمم المتحدة، غير أن الطرفين لم يعلنا تفاهمًا جديدًا بشأن حق تقرير المصير أو تعديل الموقف الإسباني الذي فجر الأزمة.

 

وفي هذا السياق سبق أن حدد الباحث الإسباني حاييم أميرا فرنانديز استعادة الثقة مع الجزائر بسياسة تقوم على الاحترام والاتساق وعدم التعامل معها باعتبارها ملف غاز فقط، وتخدم ملاحظته هذا المحور لأن زيارة سانشيز أعادت الاتصال السياسي من دون تقديم تسوية معلنة للخلاف المرتبط بالصحراء الغربية.

 

وبالتالي تبدو المصالحة محكومة بإدارة الخلاف لا بإنهائه، إذ قبلت الجزائر عودة التواصل رغم بقاء موقف مدريد، بينما احتاج سانشيز إلى إزالة آثار قرار دبلوماسي اتخذه منفردًا وأضر بالمصدرين الإسبان وبقدرة حكومته على التحرك المتوازن بين الجزائر والمغرب داخل منطقة المغرب العربي.

 

 

الغاز يعيد رسم المصالح

 

على الصعيد الاقتصادي ركز تبون وسانشيز على الغاز والطاقات المتجددة والاستثمار والتجارة والبنية التحتية والصناعات الغذائية والرقمنة، وأكدت مدريد رغبتها في زيادة الإمدادات عبر خط أنابيب ميدغاز ورفع مشتريات الغاز المسال، بعدما ظلت الجزائر المورد الأكبر للغاز الإسباني خلال 2025 واستعادت موقعها المتقدم في 2026.

 

كما أظهرت بيانات منشورة أن الغاز الجزائري مثل أكثر من 29 بالمئة من واردات إسبانيا خلال أول شهرين من 2026، فيما ناقش الطرفان إمكان زيادة التدفقات عبر ميدغاز بنحو 10 بالمئة، وهو ما يكشف أن التقارب تحرك بسرعة عندما احتاجت مدريد بدائل أكثر استقرارًا قبل تشديد القيود الأوروبية على الغاز الروسي.

 

ومن جانبه أوضح الباحث في شؤون الطاقة إغناسيو أورباسوس أن الغاز والاستثمارات المتبادلة شكلا العمود الفقري للعلاقات الجزائرية الإسبانية حتى خلال التوتر السياسي، وتخدم رؤيته هذا المحور لأنها تفسر استمرار الإمدادات أثناء القطيعة ثم تحول الطاقة إلى المدخل الأسرع لإعادة بناء الاتصال الحكومي والتجاري.

 

وعلاوة على ذلك استعادت المبادلات التجارية مستويات قريبة من مرحلة ما قبل الأزمة وبلغت نحو 8.5 مليارات يورو خلال 2025، بعد خسائر أصابت الشركات الإسبانية في سنوات القيود، بينما واصلت مدريد شراء الطاقة الجزائرية، وهو اختلال يوضح أن تكلفة الأزمة لم تتوزع بالتساوي بين الحكومتين والقطاع الخاص.

 

وفي ملف الأموال المنهوبة طلب تبون توسيع التعاون القضائي مع إسبانيا لاسترداد الأصول التي خرجت من الجزائر، وأشاد باستجابة السلطات الإسبانية، مستندا إلى إعلانه في 12 أكتوبر 2025 استرجاع 30 مليار دولار، لكن الرئاسة لم تنشر خلال الزيارة قائمة تفصيلية بالقضايا أو الأحكام التي أنتجت هذا الرقم.

 

وعليه حصلت مدريد على مورد طاقة قريب وقابل للزيادة وحصلت الجزائر على اعتراف متجدد بثقلها الاقتصادي، غير أن الحكومتين قدمتا الشراكة بوصفها منفعة متبادلة من دون كشف شروط الأسعار أو حجم العقود الجديدة أو الضمانات الممنوحة للشركات، وهي معلومات أساسية لتقييم المستفيد الفعلي من التفاهمات.

 

 

أكتوبر يختبر الشراكة الجديدة

 

تمهد زيارة سانشيز للدورة الثامنة من الاجتماع الحكومي رفيع المستوى المقرر في إسبانيا خلال أكتوبر 2026، وهو أول اجتماع من هذا النوع منذ 8 سنوات، وقد كلف سانشيز فريقه بالتحضير الفوري لملفات الطاقة والاستثمار والأمن والهجرة والابتكار، بينما وصف تبون المرحلة بأنها تحمل نفسًا جديدًا.

 

إلى جانب ذلك طلب تبون من إسبانيا استخدام موقعها داخل الاتحاد الأوروبي لإعادة التوازن إلى العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والتكتل وتفعيل مجلس الشراكة المتوقف منذ 2020، كما جددت الجزائر مطلب مراجعة اتفاق 2002 الذي دخل التنفيذ في 2005 بسبب اعتقادها بأنه منح الجانب الأوروبي مكاسب أكبر.

 

في المقابل ربط سانشيز التقارب بالتعاون ضد الهجرة غير النظامية ومخاطر الساحل وبالعمل المشترك بشأن ليبيا وفلسطين والتنمية المستدامة، وقدمت مدريد البلدين باعتبارهما جسرين بين أوروبا وإفريقيا، لكنها لم توضح كيف ستمنع تحويل ملفات الهجرة والأمن إلى أدوات ضغط على الحقوق والحريات عبر المتوسط.

 

أما ريكاردو فابياني مدير شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية فقد أكد في دراساته أن الجزائر تريد أن تسمعها العواصم الأوروبية وأن تؤخذ مصالحها بشأن الصحراء الغربية والتوازن المغاربي بجدية، وتخدم ملاحظته هذا المحور لأن طلب تبون دعمًا إسبانيًا داخل الاتحاد يعكس هذا الهدف مباشرة.

 

ومن ثم سيكشف اجتماع أكتوبر مدى قدرة الطرفين على تحويل المصالحة إلى اتفاقات قابلة للقياس في التجارة والطاقة والقضاء والاستثمار، كما سيختبر موقف مدريد من مجلس الشراكة ومن مراجعة الاتفاق الأوروبي، لأن البيانات الودية وحدها لا تضمن إزالة القيود التي راكمتها أزمة استمرت 4 سنوات.

 

وفي النهاية أعادت الجزائر وإسبانيا فتح أبواب التعاون بعدما أثبتت القطيعة أن قرار سانشيز بشأن الصحراء حمل كلفة دبلوماسية وتجارية واضحة، لكن المرحلة الجديدة ستظل ناقصة ما لم تقدم مدريد موقفًا قانونيًا متسقًا وما لم تنشر الحكومتان تفاصيل الاتفاقات التي تمس الطاقة والهجرة والأموال العامة.