أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء يوم 22 يوليو 2026 أن المقطع المتداول لانتشار الخفافيش داخل مجموعة السلطان الظاهر برقوق في شارع المعز بالقاهرة قديم وأن الجهات المختصة طهرت الموقع واتخذت إجراءات لمنع عودتها، بعدما أعادت منصات التواصل نشر المشاهد وأثارت مخاوف بشأن السقف الخشبي المملوكي.

 

وكشف الرد الحكومي أزمة تتجاوز تاريخ تصوير المقطع، لأن تداول المشاهد بهذه الكثافة جاء بعد تقارير حديثة تحدثت عن استمرار الخفافيش داخل المبنى وعدم تنفيذ توصيات فنية سابقة، بينما ركز بيان الحكومة على نفي حداثة التسجيل دون نشر تقرير مصور يثبت الوضع الراهن أو يحدد نتائج المعاينة الأخيرة.

 

 

رواية الفيديو القديم لا تحسم حقيقة وجود الخفافيش

 

وبدأت القضية مع انتشار مقطع نشره موقع تليجراف مصر وأظهر أعدادا من الخفافيش متجمعة أسفل السقف الخشبي داخل مجموعة السلطان الظاهر برقوق، بينما بدت الحيوانات معلقة قرب النقوش والزخارف التاريخية داخل المبنى الأثري.

 

 

وعقب اتساع التفاعل قالت الحكومة إن الواقعة قديمة وإن فرق الآثار أخرجت الخفافيش وطهرت المكان وقت تصوير المقطع، كما تحدثت عن استخدام الإضاءة والشباك وأجهزة الموجات فوق الصوتية لمنع عودتها، لكنها لم تعلن تاريخ التصوير أو موعد تنفيذ الإجراءات أو الجهة التي تسلمت الموقع بعد انتهاء الأعمال.

 

لكن تليجراف مصر نشر أيضا صورا وتحذيرات بشأن أضرار الخفافيش على العناصر الأثرية

 

 

ونقل عن متخصصين أن فضلات الخفافيش قد تؤثر في الأسطح والزخارف، وهو ما زاد المطالب بإعلان نتائج فحص السقف الخشبي وتحديد حجم الضرر الفعلي.

 

وبحسب الخبير الأثري رأفت النبراوي فإن حماية المواقع الأثرية مسؤولية تتطلب ضوابط مستمرة وليست تحركا مؤقتا بعد انتشار الصور، وقد أكد في تصريحات سابقة أن الإضرار بالأثر يطمس جزءا من التاريخ المصري، وهو ما يجعل نشر سجل الصيانة والمعاينات ضرورة للتحقق من سلامة مجموعة الظاهر برقوق.

 

لذلك لا يكفي وصف الفيديو بأنه قديم لنفي أصل المشكلة، لأن عمر التسجيل لا يجيب عن حالة السقف الحالية ولا يوضح هل عادت الخفافيش بعد التطهير، كما لا يفسر تأخر الإجراءات الفنية التي تحدثت عنها المصادر، بينما كان بوسع الوزارة نشر صور حديثة مؤرخة ونتائج فحص معماري وفني للموقع.

 

 

السقف المملوكي يواجه أضرارا تحتاج معالجة علمية

 

وفي الجانب الأثري تضم مجموعة السلطان الظاهر برقوق أحد أبرز نماذج العمارة المملوكية في القاهرة التاريخية، ويعود إنشاء المجمع إلى القرن 14، كما يحتفظ المبنى بسقف خشبي واسع يحمل زخارف وألوانا تاريخية، ما يجعل تراكم الفضلات أو الاحتكاك المستمر خطرا يستوجب فحصا متخصصا وليس حملة تنظيف عابرة.

 

ومن ثم تفرض طبيعة السقف على الجهات المسؤولة تحديد الأضرار المحتملة في الأخشاب وطبقات الألوان والكتابات الزخرفية، لأن المواد العضوية والرطوبة والتلوث قد تترك آثارا لا تظهر في الصور المتداولة، كما أن إزالة المخلفات بطريقة غير علمية قد تضر السطح الأثري بدلا من حمايته.

 

وفي المقابل عرضت قناة إم بي سي مصر مشاهد الخفافيش داخل المجموعة الأثرية

 

 

وأثارت التغطية أسئلة بشأن تأخر التدخل، خصوصا أن الموقع يقع في واحد من أهم الشوارع التاريخية بالقاهرة ويستقبل زوارا مصريين وأجانب بصورة منتظمة.

 

ويؤكد أستاذ ترميم الآثار محمد كمال خلاف في أعماله الأكاديمية أن حماية المباني الأثرية تبدأ بدراسة أسباب التلف وتقييم الوضع الإنشائي والمعماري قبل اختيار المعالجة، ولذلك تحتاج واقعة الظاهر برقوق إلى تقرير فني يحدد حالة السقف والمواد المستخدمة في التطهير ووسائل الوقاية التي لا تؤثر في عناصر المبنى.

 

وفوق ذلك تحدثت منشورات متداولة عن استخدام الضوء القوي لطرد الخفافيش من الأماكن المظلمة، غير أن تطبيق هذه الوسيلة داخل مبنى أثري يحتاج ضبط شدة الإضاءة وحرارتها ومواقع تثبيتها، لأن تركيب المعدات عشوائيا قد يضيف خطرا جديدا على الخشب والزخارف والأسلاك والممرات التاريخية.

 

وبالتزامن مع ذلك انتشر مقطع آخر عبر منصة إنستغرام وأعاد عرض حجم التجمع داخل الموقع، بينما طالب المتابعون وزارة السياحة والآثار بنشر تصوير حديث للمكان بعد التطهير بدلا من الاكتفاء ببيان يؤكد أن المقطع قديم.


https://www.instagram.com/reel/DbBnAyglNz-/

 

وفي المقابل لم تنشر وزارة السياحة والآثار حتى الآن ملفا فنيا متكاملا يوضح عدد الخفافيش التي رصدتها الفرق أو مدة إقامتها داخل المجموعة أو نتائج تحليل الأسطح، كما لم تعلن الوزارة ما إذا كانت أعمال التطهير شملت ترميم الأجزاء المتأثرة أم اقتصرت على إخراج الحيوانات وتنظيف المكان.

 

 

غياب الشفافية يحول حماية الآثار إلى رد فعل إعلامي

 

وعلى المستوى البيئي لا تمثل الخفافيش حيوانات يجب قتلها أو التعامل معها بوسائل عشوائية، لأنها تؤدي أدوارا مهمة في التوازن الطبيعي، لكن وجود مستعمرة داخل سقف أثري يتطلب نقلها بوسائل آمنة وإغلاق منافذ العودة بعد التأكد من خروجها وعدم احتجاز صغارها داخل المبنى.

 

وفي هذا الإطار يوضح أستاذ علم الحيوان والخبير البيئي عبد العليم سعد أن الخفافيش كائنات ثديية ليلية تختار الأماكن الهادئة والمظلمة للإقامة، وهو ما يفسر تجمعها داخل تجاويف المباني، وتدعم هذه الطبيعة ضرورة اعتماد خطة بيئية متخصصة بدلا من الدخان أو المواد الحارة أو الطرد الفردي غير المنظم.

 

وبناء على ذلك كان يفترض أن تنسق الوزارة بين خبراء الترميم والحياة البرية والصحة المهنية قبل بدء المعالجة، لأن إخراج الخفافيش يحمي الأثر لكنه يجب ألا يتحول إلى عملية تؤذي الحيوانات أو العاملين، كما ينبغي أن تشمل الخطة متابعة دورية للمنافذ والأسقف بعد انتهاء التدخل الأول.

 

ومع ذلك ظهرت روايات عن محاولات فردية استخدمت الشطة والبخور والزيوت لطرد الخفافيش خلال أبريل 2026، وهو ما يثير أسئلة عن غياب فريق مختص في لحظة اكتشافها، لأن حماية مبنى مدرج ضمن القاهرة التاريخية لا يجوز أن تعتمد على اجتهادات موظفين أو حلول غير موثقة علميا.

 

ومن ناحية أخرى ركز بيان الحكومة على وصف الفيديو بأنه قديم دون تحديد المسؤول عن بقاء الخفافيش داخل الموقع قبل تصويره، كما تجاهل البيان توضيح سبب عدم اكتشاف التجمع مبكرا من خلال أعمال التفتيش والصيانة، رغم أن مجموعة الظاهر برقوق تخضع إداريا لوزارة السياحة والآثار.

 

وعلاوة على ذلك يفرض الموقع نفسه مسؤولية مضاعفة على أجهزة الدولة، لأن شارع المعز يمثل واجهة رئيسية للسياحة الثقافية في القاهرة، وأي إهمال داخل مبانيه يهدد التراث ويضر بصورة المقصد السياحي، بينما تنفق الحكومة أموالا كبيرة على الدعاية دون ضمان الصيانة اليومية للمنشآت المفتوحة للجمهور.

 

وأخيرا تكشف واقعة خفافيش الظاهر برقوق أن حكومة السيسي لا تزال تتعامل مع أزمات التراث بعد تحولها إلى محتوى واسع الانتشار، إذ تقدم بيانا ينفي حداثة المقطع ولا تقدم كشفا فنيا قابلا للمراجعة، بينما تبقى سلامة السقف الأثري مرهونة بصور حديثة ومتابعة معلنة ومحاسبة واضحة عن تأخر التنفيذ.