لم تمضِ سوى أيام قليلة على دعوة رئيس محكمة الاستئناف، خالد القاضي لإعداد دستور جديد للبلاد، بدعوى أن دستور عام 2014 أُعد في ظروف استثنائية أعقبت فترة حكم جماعة "الإخوان المسلمين"، حتى طالب رئيس حزب "المصريين الأحرار" وعضو مجلس الشيوخ عصام خليل، بكتابة دستور جديد لمصر.

 

وتشير الدعوات المتكررة لإعداد دستور جديد إلى التمهيد لبقاء قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي بعد انتهاء فترة ولايته الحالية في عام 2030، بموجب التعديل الدستوري الأخير الذي تم تمريره في عام 2019، ويقضي بانتخاب رئيس الجمهورية لمدة 6 سنوات، ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين.


 
وعلى الرغم من تكرار الدعوات، لكنها المرة الأولى التي تصدر عن رئيس حزب سياسي في مصر، مما يشير إلى ترتيبات تجرى على قدم وساق داخل دوائر النظام المغلقة، لإجراء تعديل دستوري في غضون الفترة المقبلة.

 

منظومة دستورية وتشريعية جديدة

 

 ويتذرع رئيس حزب "المصريين الأحرار" في دعوته بأن مرحلة "الجمهورية الجديدة" تستوجب تأسيس منظومة دستورية وتشريعية جديدة تتلاءم مع متطلبات الدولة خلال العقود المقبلة.

 

وقال في بيان، إن "الجمهورية الجديدة التي تتشكل ملامحها بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تستوجب فتح حوار وطني جاد حول بناء منظومة دستورية وتشريعية حديثة، قادرة على مواكبة متطلبات الدولة المصرية خلال العقود المقبلة، بعيدًا عن منطق الترقيع أو الاكتفاء بمعالجة جزئية لبعض الملفات".

 

وأضاف أن "التجارب الكبرى في بناء الدول أثبتت أن الانطلاق الحقيقي يبدأ من تأسيس بُنية دستورية مستقرة، تُعنى بوضع المبادئ والقواعد العامة الحاكمة للدولة، بينما تترك التفاصيل المتغيّرة للقانون، بما يمنح النظام التشريعي المرونة اللازمة للتعامل مع تطورات الواقع، دون الحاجة إلى مراجعات دستورية متكررة".

 

ورأى رئيس "المصريين الأحرار"، أن مصر "في حاجة إلى دستور يعبّر عن فلسفة الجمهورية الجديدة، ويكون صالحًا لمختلف المراحل، ويرتكز على المبادئ الدستورية الكلية، بما يحقق الاستقرار المؤسّسي ويمنح السلطة التشريعية المساحة اللازمة لتطوير القوانين وفق احتياجات المجتمع ومتغيراته". 

 

واعتبر خليل أنّ الدولة المصرية "نجحت بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال السنوات الماضية في استبدال منهج ترميم الأزمات بمنهج البناء الشامل، وهو النهج الذي يجب أن يمتد إلى الإصلاح التشريعي والدستوري"، مضيفًا أن "الوقت قد حان للانتقال من معالجة جزئية للقوانين إلى إعادة بناء المنظومة التشريعية على أسس حديثة".

 

ودعا خليل إلى إطلاق حوار وطني واسع يضم الخبراء والمتخصصين وكافة القوى السياسية لمناقشة محاور دستور جديد "يواكب متطلبات الجمهورية الجديدة ويعزز كفاءة المؤسسات"، مؤكدًا أن "ما تحتاجه مصر هو دستور يكتب للدولة لا للمرحلة، ويؤسس لاستقرار طويل الأمد، ويواكب طموحات الجمهورية الجديدة في بناء دولة عصرية قوية وحديثة". 

 

أول دعوة لرئيس حزب سياسي 

 

وتعد هذه المرة الأولى التي يتبنى فيها حزب سياسي ممثل في البرلمان بصورة رسمية الدعوة إلى كتابة دستور جديد، بعدما اقتصر الحديث خلال السنوات الماضية على مقترحات بإدخال تعديلات على دستور 2014، الذي عُدّل عام 2019، أو على نقاشات محدودة أثارتها شخصيات سياسية وأكاديمية من دون أن تتحول إلى موقف حزبي معلن.

 

وشهدت مصر خلال الأشهر الأخيرة دعوات مماثلة من آخرين، إذ دعا عضو مجلس الشيوخ ياسر قورة، إلى تعديل الدستور، وتمديد فترة بقاء السيسي في الحكم، مبررًا ذلك بـ "المخاطر التي تحيط بمصر".

 

وقال في تصريحات صحفية إن "الدستور ليس قرآنًا، وإن البلاد تحتاج إلى الحفاظ على استقرار النظام السياسي الحالي لمدة لا تقل عن 10 سنوات إضافية»، في إشارة لرغبته بمنح السيسي 6 سنوات جديدة بمدة رئاسية رابعة، وحكم البلاد 22 عامًا.

 

وفي فبراير الماضي، دعا المستشار عدلي حسين محافظ القليوبية الأسبق خلال اجتماع لجنة الإدارة المحلية في مجلس الشيوخ إلى تغيير الدستور "شكلاً وموضوعًا"، معتبرًا أن دستور 2014 ما زال يحمل آثار دستور 2012 الذي صاغته جماعة الإخوان المسلمين.

 

وقبلها، طالب الإعلامي المقرب من الأجهزة الأمنية، محمد الباز، بإعادة النظر في مدة الرئاسة، معتبرًا أن المصريين "اعتادوا على رئيس يدير تفاصيل الدولة"، في إشارة مباشرة إلى السيسي.

 

بينما دعا رئيس حزب "الوفد" السابق والمرشح الرئاسي الأسبق عبد السند يمامة، إلى تعديل باب نظام الحكم بما يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع. 

 

بقاء السيسي إلى ما بعد 2030 

 

وبموجب الدستور الذي مرره البرلمان الموالي للسيسي، كان يفترض أن تكون الفترة الرئاسية التي تنتهي في عام 2030 هي الأخيرة له في المنصب، إلا أنه وترسيخًا لهيمنته وتأكيدًا لإجماع المعارضة على عدم تنازله عن السلطة طواعية، سيعمل على إجراء تعديل دستوري، هو الثالث من نوعه، يكرس هيمنته وبقاءه بعد انتهاء الولاية الحالية. 

 

ويقول محللون إن تواتر الحديث عن تعديل دستوري يفتح الباب لتكريس الديكتاتورية ويغلق الباب أمام احتمالية انتهاج مسار ديمقراطي يضع حدًا لحكم الفرد الواحد الذي تشهده مصر منذ أكثر من 70 عامًا، باستثناء العام الذي حكم فيه الرئيس محمد مرسي بعد انتخابه في انتخابات تعددية للمرة الأولى.