يعيش الشارع المصري حالة واضحة من الترقب والقلق إثر التطورات الأخيرة المتعلقة برغيف الخبز والسلع الأساسية. ويطلق المصريون على رغيف الخبز اسم "العيش"، في إشارة جلية لكونه شريان الحياة الأساسي لملايين العائلات الكادحة. وتفاجأ مئات الآلاف من المواطنين، مع بداية شهر يوليو الجاري، بحرمانهم المفاجئ من الوصول إلى حصصهم المعتادة. وشمل هذا الحرمان المباغت السلع الغذائية والخبز المدعوم الذي تعتمد عليه الأسر بشكل يومي.
وتأتي هذه الخطوات الصارمة بينما تواصل الحكومة المصرية جهودها الحثيثة للمضي قدما في تطبيق مراجعة شاملة لنظام البطاقات التموينية. وأثار هذا الإجراء السريع موجة واسعة من الاستياء والغضب بين أوساط الطبقات العاملة والمهمشة في جميع أنحاء الجمهورية. وينتقد مراقبون ومواطنون المعايير الجديدة لتحديد المستحقين، حيث يرون غياب الدقة عن هذه المؤشرات لقياس الثراء. وتفشل هذه المحددات في تحديد القدرة المالية الحقيقية للأسر في ظل التقلبات الاقتصادية الحادة.
رسائل آلية تبدد الآمال
واكتشفت عائلات كثيرة حقيقة استبعادها القاسي من المنظومة في وقت متأخر جدا، مما ضاعف حدة الأزمة والمفاجأة. وحدثت الصدمة الكبرى عندما توجه أرباب الأسر إلى منافذ التوزيع لجمع حصصهم التموينية المقررة للشهر الجديد. ووجد المواطنون هناك بطاقاتهم التموينية مجمدة تماما، وترفض أنظمة الصرف الإلكتروني قراءة بياناتهم المسجلة.
وتلقت هذه الأسر البسيطة رسائل آلية جافة عبر النظام الإلكتروني تخبرها بوضوح بغياب بياناتها عن المنظومة. وقرأ المواطنون عبارة "غير موجود في قاعدة بيانات التموين" على شاشات ماكينات الصرف الآلي. وزاد هذا الموقف المحبط مشاعر الغضب العارم لدى شرائح واسعة من الشعب المصري.
مبررات التطهير الحكومية
وتسوق وزارة التموين والتجارة الداخلية مبرراتها الرسمية لتفسير هذه الإجراءات الحاسمة والسريعة المتخذة مؤخرا. وتقول الوزارة إن عمليات الاستبعاد المتتالية تشكل جزءا لا يتجزأ من حملة تطهير مستمرة لتنقية قاعدة بيانات المستفيدين. وتهدف السلطات، عبر هذه الخطوات المتلاحقة، إلى توجيه الدعم المالي والعيني نحو الفئات الأكثر احتياجا في المجتمع.
وتستند الحكومة في قراراتها إلى مجموعة محددات صارمة تطلق عليها الجهات الرسمية اسم "محددات العدالة الاجتماعية". وأقرت لجنة وزارية متخصصة هذه المحددات تمهيدا لتطبيقها على ملايين المستفيدين من نظام الدعم. وتأمل السلطات عبر هذه القرارات تخفيف العبء الثقيل عن كاهل الموازنة العامة للدولة.
شبكة أمان تتقلص
وأدلى المتحدث الرسمي باسم وزارة التموين، السيد أحمد كمال، بتصريحات رسمية لتوضيح حجم الاستبعادات الأخيرة للمواطنين. وصرح المتحدث بحذف الوزارة أسماء ما يقرب من ثمانمائة وخمسين ألف شخص من سجلات الدعم خلال شهر يونيو المنصرم. ويشير نواب في البرلمان المصري، في المقابل، إلى أرقام أعلى بكثير من التقديرات الحكومية المعلنة. ويؤكد برلمانيون، نقلوا غضب ناخبيهم جراء إخراجهم من نظام الدعم، اقتراب العدد الحقيقي للمستبعدين بشدة من حاجز المليون مواطن.
وتظل منظومة الدعم التمويني شبكة أمان حيوية لأكثر من خمسة وستين مليون شخص في جميع أنحاء البلاد. ويمثل هذا العدد الضخم أكثر من نصف إجمالي عدد سكان جمهورية مصر العربية، والذي يتجاوز حاليا مئة وعشرة ملايين نسمة. ويكافح غالبية المصريين، في هذه الأثناء، للتكيف مع زيادات غير مسبوقة تضرب تكاليف المعيشة الأساسية بشكل متواصل. وتزايدت هذه الأعباء الاقتصادية الثقيلة بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية، لتثقل كاهل المواطن البسيط.
معايير استبعاد تثير الجدل
ونشرت وزارة التموين حزمة مفصلة من المعايير والشروط الجديدة المؤدية فورا إلى إلغاء البطاقة التموينية. وتشمل هذه القواعد إلحاق الأبناء بمدارس خاصة تتجاوز رسومها السنوية مبلغ عشرين ألف جنيه مصري. وتعتبر الوزارة هذا الشرط التعليمي سببا كافيا ومباشرا لإسقاط حق الأسرة في تلقي الإعانات الغذائية. وتتضمن المعايير أيضا امتلاك الأسرة دخلا شهريا، أو معاشا تقاعديا، يتجاوز ثلاثة عشر ألفا وثلاثمائة وستين جنيها مصريا. وتتوسع شروط الاستبعاد لتشمل الأصول والممتلكات الشخصية والعقارية للمواطنين، بهدف حصر الدعم في مستحقيه الفعليين.
وتسحب الوزارة الدعم فورا عمن يمتلك سيارة حديثة يبدأ تاريخ صنعها من عام ألفين وثمانية عشر فما فوق. وينطبق الإلغاء كذلك على كل شخص يحوز سيارة تتجاوز قيمتها السوقية مليون جنيه مصري، بغض النظر عن سنة صنعها.
وتضيف اللوائح شروطا قاسية تتعلق بالملكية الزراعية والتجارية، حيث يفقد الدعم كل من يمتلك مساحات زراعية تتجاوز عشرة أفدنة. وينسحب القرار الصارم أيضا على أصحاب الشركات التجارية، والممولين الدافعين ضرائب سنوية تبلغ مئة ألف جنيه فما فوق. وأضافت الحكومة قاطني المجمعات السكنية المغلقة الفاخرة إلى قوائم المحرومين من الدعم التمويني والخبز.
أزمة فواتير الكهرباء
وأدرجت الحكومة معيارا يتعلق باستهلاك الطاقة الكهربائية ضمن قائمة موانع الحصول على الدعم التمويني. ويفقد المواطن بطاقته التموينية فور تجاوزه حاجز ستمائة وخمسين كيلووات في الساعة من الاستهلاك الشهري للكهرباء. ويرتبط هذا الاستهلاك المرتفع عادة بفاتورة شهرية تتجاوز قيمتها ثمانمائة جنيه مصري. وأثار معيار الكهرباء، بالتحديد، موجات عارمة من الاستنكار والغضب الشعبي في شوارع القاهرة والمحافظات المختلفة.
ورفعت الحكومة تعريفة استهلاك الطاقة الكهربائية بشكل حاد مطلع هذا العام لتحجيم الدعم الحكومي للطاقة. ودفع هذا الارتفاع السعري المفاجئ أسرا عديدة لتخطي الحدود المسموح بها للاستهلاك. وجعل هذا الأمر آلاف المواطنين عرضة لفقدان الدعم الغذائي دون أي زيادة حقيقية في مستويات دخولهم المادية.
صرخات الأسر الكادحة
وروت أم لخمسة أبناء، تقيم في محافظة الجيزة المتاخمة للعاصمة القاهرة، تفاصيل معاناتها المريرة مع النظام الجديد. وقصدت السيدة منفذ التوزيع التابع لوزارة التموين في منطقتها للحصول على الخبز لأطفالها الصغار. وتفاجأت السيدة بقرار الموظفين المبلغين إياها بفقدانها الأهلية للحصول على الدعم بشكل كامل. وعزا الموظفون السبب إلى تسجيل إحدى بناتها في جامعة خاصة.
وتحدثت مواطنة أخرى، تسكن في حي السلام الشعبي بالعاصمة القاهرة، عن تجربتها القاسية مع معايير الاستبعاد العشوائية. وفقدت أسرتها حقوقها التموينية بسبب ارتفاع قيمة فاتورة الكهرباء الشهرية لتبلغ ألف جنيه مصري. وفسرت السيدة أسباب هذه الزيادة باضطرار زوجها لتخصيص جزء من مسكنهم لتحويله إلى ورشة نجارة بسيطة. وأملت الأسرة في كسب دخل إضافي يسد رمق العائلة ويوفر احتياجاتهم اليومية المتزايدة.
تعليم الأبناء يهدد الدعم
وبرز معيار التعليم كأكثر النقاط إثارة للجدل والخلاف بين المواطنين والجهات التنفيذية المختلفة. واضطرت الحكومة، تحت وطأة الضغوط الشعبية المتزايدة، للخروج ومحاولة توضيح موقفها مرارا وتكرارا أمام وسائل الإعلام. وتدخل رئيس مجلس الوزراء المصري، السيد مصطفى مدبولي، يوم الأحد لتقديم إيضاحات حول هذا الملف الشائك. وشدد مدبولي في حديثه الموجه للرأي العام على محدودية تطبيق شرط التعليم على فئات محددة بعينها.
ويتعارض هذا التصريح الرسمي بشكل صريح مع شكاوى وتقارير عديدة وثقها مواطنون متضررون على منصات التواصل. وألغت الوزارة بطاقات تموينية لعائلات كثيرة لمجرد إلحاق أبنائها بمدارس خاصة عادية ومحدودة التكاليف. وتلجأ أسر عديدة إلى هذه المدارس لاعتبارها توفر بيئة أكثر أمانا وجودة تعليمية أفضل. وتتجنب العائلات المؤسسات التعليمية الحكومية المكتظة، وتدفع رسوما دراسية معقولة لا ترهق ميزانية الأسرة بشكل كبير.
غضب تحت قبة البرلمان
وتوالت ردود الأفعال الغاضبة تحت قبة البرلمان المصري، حيث أثار النواب القضية بصورة متكررة ومكثفة. ودافع النواب بشراسة عن حقوق دوائرهم الانتخابية ضد قرارات وزارة التموين المفاجئة والمجحفة. وتقدم النائب حسين غيتة، الممثل للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بشكوى برلمانية رسمية وعاجلة لرئاسة المجلس. واستنكر غيتة بشدة غياب الشفافية في آليات تطبيق القرارات الحكومية وتجاهل معاناة الفئات البسيطة.
وكشف النائب المعارض فريدي البياضي عن وقائع صادمة تبرز الخلل الواضح في النظام الإلكتروني الحكومي. وسرد البياضي واقعة غريبة تخص أحد أبناء دائرته الانتخابية، حيث فقد المواطن مخصصاته التموينية فجأة. وادعت السجلات الحكومية امتلاك هذا المواطن سيارة فاخرة باهظة الثمن، وهو ما نفاه النائب جملة وتفصيلا. وأشار البياضي إلى حمل المواطن خطابا رسميا موثقا من إدارة المرور يثبت خلو سجله من أي سيارات نهائيا. وأصدر النائب إيهاب منصور بيانا برلمانيا آخر، يسلط الضوء بوضوح على حجم الأزمة الحالية وعمقها.
وعود حكومية وبيروقراطية محبطة
وتحاول وزارة التموين احتواء الغضب الشعبي المتصاعد بفتح باب التظلمات أمام المواطنين المستبعدين من المنظومة. وتسمح الوزارة للمتضررين بتقديم طعون رسمية عبر منصة مصر الرقمية الإلكترونية لتسهيل الإجراءات. وتتيح الحكومة أيضا للمواطنين التوجه المباشر إلى مكاتب التموين المحلية المنتشرة في كافة المحافظات والمراكز الإدارية. وتمنح الوزارة مهلة زمنية تبلغ خمسة عشر يوما فقط من تاريخ الإيقاف لتقديم هذه التظلمات والمستندات.
ولكن الأم القاطنة في محافظة الجيزة عادت لتروي بقية فصول قصتها الحزينة مع مكاتب التموين الحكومية؛ حيث زارت السيدة مكتب التموين المحلي التابع لسكنها حاملة أوراقها، ثم جابت أربعة مكاتب أخرى لتقديم شكواها. وأخبرها الموظفون بصرامة في كافة هذه المواقع برفضهم التام استقبال أي شكاوى أو تظلمات في الوقت الراهن.
استسلمت السيدة لليأس والإحباط العميق، واعتبرت محاولاتها الحثيثة لاستعادة حقوقها المهدورة مجرد معركة خاسرة.
تجسد هذه القصة الفردية معاناة جماعية يعيشها آلاف المصريين يوميا في مواجهة آلة حكومية بطيئة.

